بعد ربع قرن.. دبلوماسي مصري يكشف أسرار 9 سنوات مثيرة في تل أبيب

معلومات السفير الأنصاري أفسدت خطة إسرائيل لاجتياح لبنان ومحاولة اغتيال عرفات

بعد ربع قرن.. دبلوماسي مصري يكشف أسرار 9 سنوات مثيرة في تل أبيب
TT

بعد ربع قرن.. دبلوماسي مصري يكشف أسرار 9 سنوات مثيرة في تل أبيب

بعد ربع قرن.. دبلوماسي مصري يكشف أسرار 9 سنوات مثيرة في تل أبيب

حتى أيام قليلة مضت، لم يكن أحد يعلم عن السفير المصري رفعت الأنصاري إلا أنه دبلوماسي مصري تقلد العديد من المناصب، بينها عمله في سفارة بلاده لدى إسرائيل في مطلع الثمانينات من القرن الماضي لمدة 9 سنوات، إلا أن الأنصاري فاجأ الجميع بكتاب جديد صدر الأسبوع الماضي، قلب الأمور رأسا على عقب، حيث كشف من خلاله أسرارا مثيرة حول تلك الفترة من حياته، متضمنا الكثير من الحكايات التي لم يكشف عنها من قبل حول علاقاته وأسراره في تل أبيب، والتي وصلت إلى حد اعتباره جاسوسا لمصر في إسرائيل، وهو الأمر الذي ينفيه الأنصاري بشدة؛ مؤكدا أنه «قام بمبادرة، ولم يكلف بها من أية جهة».
ويسرد الأنصاري قصته في كتابه «حكايتي في تل أبيب (أسرار دبلوماسي مصري)»، التي يحكي فيها ذكرياته في إسرائيل بعد أن وثقها على 11 شريط كاسيت بناء على نصيحة والده، وحولها إلى كتاب جمعه في 6 سنوات بعد موافقات أمنية مصرية ليكشف عن أسرار انتظر 30 عاما ليعلنها.
تعرف الأنصاري أثناء دراسته في ليبيا على الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، الذي كان برتبة ملازم أول حينها، ثم رجع إلى مصر مع والده، ليلتحق بالسلك الدبلوماسي بعد نجاحه في اختبار الخارجية، ليعمل بعدها بالسفارة المصرية في لندن مسؤولا عن الشأن الإسرائيلي. كما تحدث السفير، في كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في 384 صفحة، عن ذكرياته مع نائب رئيس مصر آنذاك حسني مبارك، الذي كان يبدأ يومه بلعب الإسكواش.
وفي عام 1981، استدعاه سفير مصر بلندن للعمل كدبلوماسي في إسرائيل. لكن والده الذي كان يعمل أستاذا جامعيا، بعث له رسالة طويلة يحذره فيها من العمل بإسرائيل حين علم بالأمر.. إلا أن الأنصاري قبل المهمة، وإثر ذلك طلبت زوجته الطلاق لرفضها السفر.
شق الأنصاري طريقه إلى إسرائيل منفردا بسيارته في أوائل الثمانينات بعد ترك أسرته، ليقيم بفندق هناك، ثم حضر احتفال إسرائيل بالعيد القومي باعتباره سكرتير السفير المصري بتل أبيب. وهناك، التقى للمرة الأولى الدبلوماسية البريطانية رونا ريتشي، التي كانت طرف الخيط الذي قاده إلى أخطر فصول حياته.
ويسرد الأنصاري في كتابه المكون من 9 فصول أنه وطد علاقته مع ريتشي التي كان يرى بعينها إسرائيل، نظرا لخبرتها الكبيرة بالمجتمع هناك. وبصرته ريتشي بعيوب المجتمع والشخصيات العامة في تل أبيب، وطلبت منه عدم اللقاء منفردين تفاديا للمشكلات؛ فاتفقا على اللقاء في شاطئ عام، حيث كانا يلتقيان بعيدا عن الأنظار إلا في حضور كلب من نوع جيرمان شيبرد.
ويتابع الأنصاري قصته المثيرة، موضحا أنه انتقل من الإقامة في الفندق إلى شقة خاصة، بعد اكتشافه عن طريق سيدة كولومبية أن غرفة الفندق الذي يقيم فيه بها أجهزة تنصت يزرعها الأمن الإسرائيلي، ويتنصت من خلال غرفة أمنية بالفندق لا يدخلها إلا رجال الأمن فقط.
لكن التنصت على الأنصاري استمر في شقته الجديدة، التي رشحها له عميل تابع لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد، وهي حيلة مخابراتية متبعة، وذلك من خلال وضع أجهزة تنصت كشفها خبراء مصريون جاءوا لمسح مبنى السفارة المصرية، فطلبهم للكشف على منزله.
ويشير السفير إلى أن ريتشي، مصدر المعلومات المهم للأنصاري، رفضت إطلاعه على مصادرها وحرصت على إمداده فقط بالمعلومات، في الوقت الذي كون فيه الأنصاري علاقات مع ضباط بالجيش الإسرائيلي بينهم عدد من النساء، مثل الملازم أول إيريت والنقيب يوديت، بعد التأكد من أنهن غير مدفوعات عليه من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية. فاضحا كيف أعلمته النقيبة يوديت من دون قصد نية إسرائيل اجتياح جنوب لبنان.
ويوضح الأنصاري أنه ربط بين ما قالته يوديت، ومعلومة عن فصل أحد السائقين بالمكتب الحربي لطلبه إجازة في شهر فبراير (شباط)، وأيضا الاتصال بباقي أصدقائه بالجيش الإسرائيلي الذين تحججوا بسفرهم؛ وهو ما أكد ظنونه حول صدق المعلومة، فأبلغ السلطات المصرية التي أفشلت الحرب. كما تطرق إلى نجاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من محاولة اغتيال في مقر حركة فتح الفلسطينية بعد رصده لمعلومات حول ذلك.
ولمح السفير الأنصاري إلى أن الإسرائيليين اختاروه رئيسا للجنة تحكيم لاختيار ملكة جمال إسرائيل في إحدى السنوات، كما أوضح أنه اقترح عليهم إنشاء جمعية للدبلوماسيين الأجانب. ويروي عن ثقة قادة إسرائيل فيه لدرجة أنه أثناء أحد الاحتفالات، تحدث مع موشى ديان حول معرفته بشخص يعمل بالآثار، فكشف ديان عن أسرار امتلاكه آثارا مصرية وجدها في سيناء بعد حرب 1967، كما نفى له ديان فكرة امتلاك إسرائيل خريطة أرض الأحلام من النيل للفرات.
ولكن الأمور تعقدت بعد قبض السلطات البريطانية على رونا ريتشي بتهمة التجسس لصالح مصر، والأسوأ من ذلك اتهام السفير الأنصاري بالجاسوسية لحساب مصر، وعلى أثر ذلك شنت الصحافة الإسرائيلية والبريطانية حملة شرسة ضده هو وريتشي أدت إلى تعامل الإسرائيليين بحذر معه، إلا أنه رفض مغادرة إسرائيل كونه ليس جاسوسا.
وفي سياق متصل، كشف السفير المصري لدى إسرائيل في ذلك الوقت سعد مرتضى عن أن إسرائيل اتهمته بالتجسس بعد أن قبضت المخابرات المصرية على السكرتير الأول لسفير إسرائيل بالقاهرة في قضية تجسس، إلا أن مصر تأخرت في الإعلان عن ذلك فقامت إسرائيل بخطوة استباقية.
وواجه الدبلوماسي المصري 3 محاولات اغتيال نجا منها، الأولى كانت محاولة دهسه بسيارة مجهولة، والثانية كانت محاولة صعقه بالكهرباء، ثم الثالثة بعد كسر أنبوب الغاز الطبيعي في شقته ولكن تم إنقاذه، ليتلقى أوامر من القاهرة بضرورة هروبه سرا.
وقبل رحيله من تل أبيب، عرضت مجلة إسرائيلية على الأنصاري كتابة مذكراته مقابل مليون دولار، فمزق العرض وذهب إلى منزله. كما أفصحت له خبيرة السياحة الإسرائيلية شولاميت عن طريقة الموساد في التجنيد، عبر نشر عيون ترصد تحركات الأشخاص المرغوب في تجنيدهم، حتى خلال وجودهم بمطاعم الوجبات السريعة أو محطات الوقود.
ويروي الأنصاري أنه هرب من إسرائيل في سياق أشبه بأفلام «الأكشن»، ويشير في فصل بالكتاب تحت عنوان «آخر يوم في تل أبيب»، إلى أنه سافر عبر خطوط «إير سيناء»، وعلى متن الطائرة سلمته مضيفة مصرية ورقة تقول: «من مصر ومن مصر للطيران لابن مصر البار؛ تقديرا لما قام به من أعمال».. وبعد وصوله إلى مصر استقبلته سيارة سوداء، وأبلغ مستقبله المسؤولين المصريين قائلا: «الأمانة وصلت سالمة من تل أبيب».
وعاد الأنصاري إلى أهله بعد 9 سنوات من العمل في إسرائيل وسط لهفة اللقاء بالمفاجأة.. أما رونا ريتشي، فقضت محكمة بريطانية بسجنها 9 أشهر مع إيقاف التنفيذ لمدة سنة.
وذكر الأنصاري أنه بعد عودته إلى مصر أدلى بإفادته إلى الجهات الأمنية على مدار 3 أسابيع، موضحا أنه بعد سرده للقصة 8 مرات، تذكر أنه أثناء وجوده مع رونا ريتشي على الشاطئ كان يصاحبهما دائما ذلك الكلب المجهول، الذي عرفا فيما بعد أنه مدسوس من أجهزة الأمن الإسرائيلي، وأنه مزود بمسجل خفي حول عنقه.. وكانت تلك التسجيلات دليل إدانة ضدها. وفي سياق مواز، نشر الإعلام الإسرائيلي خبر هروبه للقاهرة في 9 أبريل (نيسان) تحت عنوان «عودة الصديق المصري للدبلوماسية البريطانية سرا إلى القاهرة».
وحلل الدبلوماسي المخضرم دقائق السياسة الإسرائيلية، فقال إنها تعتمد كليا على مخابراتها عبر شبكة تجسس عالمية، ترتكز على العنصر البشري ثم اقتناص المعلومات بدقة؛ رغم تخبط أجهزتها الأمنية. وشرح أسلوب المخابرات الإسرائيلية، وهو مزيج من الأساليب الفرنسية والأميركية والبريطانية والسوفياتية.
كما نفى الأنصاري تكليف المخابرات المصرية له بالتجسس، موضحا عدم عمله بالجهاز؛ بيد أنه كان صديقا لهم، موضحا أن إسرائيل لم تستطع إثبات تهمة عليه فألصقتها بصديقته رونا التي رفضت العمل لصالح الموساد، ويطلب منها حاليا الظهور علنا لنفي التهمة.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».