مصادر لـ «الشرق الأوسط»: خلافات حادة تعصف بالقوى السياسية في مشاورات بنعمر

الاشتراكي اليمني يتقدم بمبادرة تقضي بعدول الرئيس والحكومة عن الاستقالة

المبعوث الأممي جمال بنعمر
المبعوث الأممي جمال بنعمر
TT

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: خلافات حادة تعصف بالقوى السياسية في مشاورات بنعمر

المبعوث الأممي جمال بنعمر
المبعوث الأممي جمال بنعمر

ما زالت الأزمة السياسية في اليمن تراوح مكانها دون التوصل إلى اتفاق نهائي، رغم تكثيف المشاورات خلال الأيام الماضية برعاية المبعوث الأممي جمال بنعمر إلى اليمن، في الوقت الذي خرجت فيه حشود كبيرة من اليمنيين في مظاهرات بالعاصمة صنعاء وعدد من المحافظات لرفض استمرار «انقلاب» الحوثيين على السلطة، على حد وصفهم.
ونفت مصادر سياسية يمنية لـ«الشرق الأوسط» التوصل إلى اتفاق لتشكيل مجلس رئاسي برئاسة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، وأكدت هذه المصادر استمرار المشاورات لحل الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد وتهدد بحرب أهلية، وقالت المصادر إن خلافات حادة تعصف بالأحزاب والقوى السياسية، بشأن جملة من المقترحات التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر، لنزع فتيل التوتر، وأن تلك الخلافات تنحصر حول موضوع تشكيل مجلس رئاسي مؤقت، دون إزالة الأسباب التي أدت إلى الأزمة السياسية وأحداث عنف، وإلى استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي، ورئيس الوزراء خالد محفوظ بحاح وأعضاء حكومته، والمتمثلة فيما تصفه تلك القوى، بـ«انقلاب الحوثيين على النظام واحتلال المقار الرئاسية وحصار الرئيس وبسط سيطرتهم الكاملة على كافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وعلى أموالها وأجهزة مخابراتها».
وتواصلت، أمس، المشاورات التي يرعاها مستشار أمين عام الأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن، جمال بنعمر، مع القوى السياسية بشأن الأوضاع الجارية في اليمن، وذكرت مصادر مطلعة من الاجتماع أن ممثلي «الحراك الجنوبي» الذين شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني ووقعوا على اتفاق السلم والشراكة، انسحبوا من تلك الاجتماعات والمشاورات، أمس، دون الإعلان عن الأسباب الكامنة وراء الانسحاب، غير أن مصادر خاصة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الحراك أعلن رفضه لتشكيل مجلس رئاسي، واعتبر المشاورات «عبثية»، إضافة إلى أن للانسحاب علاقة بالتطورات في الجنوب ومصادرة قناة عدن من قبل الحوثيين عبر التحكم من صنعاء، وغيرها من القضايا.
وطالب الحراك الجنوبي السلمي بإزالة أسباب استقالة الرئيس هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما اجتاح الحوثيون العاصمة صنعاء، كما طالب بوضع ضمانات لاستعادة الشرعية من خلال إدارة الدولة من خارج صنعاء ونقلها إلى محافظة تعز.
وأشارت المصادر السياسية إلى أنه ورغم عدم الاتفاق، بشكل نهائي، على مقترح تشكيل مجلس رئاسي، فإن الأحزاب والقوى السياسية الموقعة على اتفاق السلم والشراكة تدرس بجدية الخيار، وربما توافق عليه، باستثناء حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي يطرح حزبه ضرورة العودة إلى مجلس النواب (البرلمان) باعتباره المرجعية الدستورية الوحيدة المتبقية في البلاد، وتتيح العودة إلى البرلمان لأنصار صالح ذوي الأغلبية البت في استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وقبولها، وبالتالي تولي رئيس مجلس النواب، يحيى الراعي، رئاسة البلاد، لمدة 60 يوما، حسب الدستور، قبل إجراء انتخابات جديدة، والراعي هو من قيادات حزب المؤتمر وشخصية عسكرية مقربة كثيرا من الرئيس السابق (صالح)، لكن المصادر أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه العام في الطروحات المتداولة في الاجتماعات المتواصلة، هو ممارسة الضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي للتراجع عن استقالته «كي لا تدخل البلاد في معمعة دستورية وقانونية بشأن المجلس الرئاسي والمحاصصة في عضويته بين الأطراف».
ويرى المراقبون أنه، وفي حالة تقرير اللجوء إلى البرلمان «سوف يتمكن صالح من تسيير كافة الأمور بالتنسيق مع الحوثيين عبر الأطر الرسمية، واستكمال حلقات السيطرة على السلطة في اليمن»، ويصف المراقبون ما يجري بأنه «ثورة مضادة، تحالف فيها خصما الأمس (الحوثي وصالح) من أجل إسقاط النظام الذي جاءت به ثورة 11 فبراير (شباط) عام 2011. في ضوء المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لحل الأزمة في اليمن، التي جاءت برئيس جديد وحكومة جديدة»، وقال مواطنون عاديون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن «السبب الرئيسي لما يمر به اليمن اليوم بعد الثورة الشبابية الشعبية التي أطاحت بصالح ونظامه، يرجع قبول دول الأحزاب السياسية ودول مجلس التعاون الخليجي الراعية للتسوية السياسية في اليمن، وفي المقدمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، أن يبقى علي عبد الله صالح في اليمن، وأن يُمنح حصانة من الملاحقة القضائية والقانونية جراء التهم التي يسوقها له البعض، في ضوء المبادرة الخليجية، الأمر الذي مكنه من أن يلعب أدوارا من الظل تعرقل التسوية السياسية»، ويتهم المواطنون البسطاء المجتمع الدولي، وفي المقدمة الولايات المتحدة، بالتراخي في التعامل مع صالح «حتى في القرارات الخاصة بوضع اسمه وهو وقيادات حوثية ضمن المعرقلين للتسوية السياسية، ما زالوا (المجتمع الدولي) يماطلون منذ شهور ولم يتخذوا أي عقوبات رادعة بحقهم»، ويرى اليمنيون أنهم هم الخاسر الأكبر مما يجري من تطورات في اليمن، التي مست أمنهم واستقرارهم، غير المستقر أصلا، على حد وصفهم.
على الصعيد ذاته، قال الحزب الاشتراكي اليمني، في توصيفه للحالة التي يمر بها اليمن، إن العملية السياسية تعرضت «إلى مسارين متناقضين؛ أحدهما أراد الانقلاب عليها فخلق الأزمات الأمنية وحاول إغراق البلاد في الفوضى، الأمر الذي شل سلطة الدولة وعطل من فاعليتها.. أما المسار الثاني فقد تعاطى مع استحقاقات العملية السياسية بطريقه انتقائية، وحالة استرخائية غير مبررة، واللامبالاة، وليس خافيا أن المسارين كانا يحاولان إعلاء مصالحهما الفئوية على المصالح الوطنية المجسدة في استحقاقات العملية السياسية»، وأضاف أن نشاط السلطة «اكتنفه، في هذا الصدد، كمّ كبير من التجاوزات، وقد تمت بأفعال قصدية وغير قصدية، وخلق الأزمات بدءا من الانتقاص من وثيقة الضمانات وفقا لمخرجات الحوار الوطني، وتشكيل لجنة الأقاليم بمخالفة تلك المخرجات وفرض التقسيمات الإقليمية المحددة (بستة)، والإمعان بممارسات لفرضها في الواقع بعيدا عن الاتفاقات والتوافقات التي تمت بشأنها، وآخرها في اتفاقية السلم والشراكة، والقيام بتعيينات في وظائف حكومية ومدنية وعسكرية كبيرة بذات الطريقة المخالفة للشراكة الوطنية».
وجاء توصيف الاشتراكي اليمني في إطار مبادرة جديدة تقدم بها لحل الأزمة في اليمن، حيث قال الحزب إن «عدم استكمال نقل السلطة، وإذ خلق سلطه مزدوجة، فإن عدم التوصل إلى تنفيذ لاتفاق السلم والشراكة وملحقه الأمني، وإذ يعود ذلك إلى ملابسات كثيرة قام بها الطرفان المعنيان، أضاف ازدواجا جديدا في السلطة جعل منها سلطة مركبة مزدوجة، بممارسة أنصار الله للسلطة من خلال اتخاذ قرارات نافذة عبر اللجان الثورية في المؤسسات الحكومية من موقع المعارضة سبب هذا في حد ذاته مشكلات إضافية إلى ما يعيشه الوضع السياسي من توتر انزلق نحو استخدام القوة»، وتضمنت مبادرة الحزب الاشتراكي مقترحات أبرزها: «التنفيذ العاجل والسريع للملحق الأمني في اتفاق السلم والشراكة، وسحب المسلحين من دار الرئاسة وحول منزل الرئيس، وإنهاء الانسحاب من مرافق الدولة، وعدم التعرض بالعنف للاحتجاجات السلمية، وهو حق مكفول للأفراد وفقا للدستور، ورفع السيطرة عن قناة عدن والإذاعة والمؤسسات الإعلامية، والتصحيح العاجل للخروقات التي تمت على اتفاقية السلم والشراكة وفي المقدمة منها تصحيح الاختلالات في هيئة متابعة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، إلغاء القرار الجمهوري الذي انتقص من مستوى شرعيتها واختزل مهامها في مجرد الرقابة الشكلية، تطوير وثيقة الضمانات في مخرجات الحوار الوطني الشامل بحيث تضمن الأبعاد التشريعية والرقابية والحضور الشعبي الذي يراقب عدم انحراف السلطة عند القيام بمسؤولياتها عن المسارات التوافقية وتمنع بالمقابل أي محاولات للاستيلاء على السلطة سواء عبر الهيمنة أو الإزاحة»، وضمن مبادرة «الاشتراكي اليمني»: «تصحيح أو تنقية مسودة الدستور مما لم يرد في مخرجات الحوار الوطني الشامل وما تم فيها تجاوز لاتفاق السلم والشراكة، إحياء العملية السياسية بعدول رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وحكومته عن استقالتيهما مخرج آمن للأزمة الراهنة».
على صعيد آخر، شهدت العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات مظاهرات ومسيرات ضد الحوثيين وتندد بما سماه المتظاهرون «انقلاب الحوثيين على الشرعية الدستورية واغتصاب السلطة في اليمن»، وقال مشاركون في المظاهرات التي انطلقت من جولة سبأ مرورا بشارع القاهرة وحتى ساحة التغيير جوار جامعة صنعاء الجديدة، إن المتظاهرين رفعوا «شعارات تطالب بإخلاء العاصمة والمحافظات من الميليشيات، ورفضا للانقلاب الحوثي واستعادة الدولة وتندد بأعمال (البلطجة) التي تمارسها الميليشيا ضد المتظاهرين»، ورددوا هتافات ضد الانقلاب ومصادرة ممتلكات الدولة من قبل ميليشيات الحوثي، بالإضافة إلى شعارات تدعو إلى استعادة العمل الثوري لوقف انهيار البلاد، وأكدت مصادر طلابية وشبابية أن المظاهرات شملت محافظات تعز والحديدة وإب والبيضاء وغيرها، وهتف فيها المشاركون، أيضا، بما وصفوه بـ«عودة نظام العبودية في اليمن»، في إشارة إلى نظام الملكية الذي سقط مطلع ستينات القرن الماضي في شمال اليمن، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر في حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي أن ميليشيا الحوثيين اعتقلت، بعد صلاة الجمعة، أمس، رئيس اتحاد طلاب اليمن، رضوان مسعود، من منزله في حي مذبح بغرب العاصمة صنعاء، بعد تطويق المنزل بعدة أطقم مسلحة تتبع الميليشيا التي اقتادته إلى مكان مجهول، وذلك في ظل استمرار المظاهرات الطلابية بجامعة صنعاء والمناوئة للحوثيين خلال الأيام القليلة الماضية.



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».

عاجل قطر تودع كأس العالم وسويسرا تهزم كندا وترافقها إلى دور 32