رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

فصول من تاريخ الإمارات بداية الخمسينات

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية
TT

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

تستفيد الكاتبة من التراث المحلي في لغة الرواية، من حيث إبرازها للهجة أهل البادية ومشاهد احتفالات العشائر بالولائم وسباقات الهجن التي تقام ابتهاجًا بمناسبة حفر بئر ماء تبدو رواية «خبايا اللال»، الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة للكاتبة الإماراتية وداد خليفة، وكأنها معادل سردي لمسالك الثروة والشقاء في مناخ صحراوي قاحل، فجأة تتفجر فيه ينابيع الذهب الأسود، فتنقلب الحياة من اليأس إلى الأمل.
وتمتاز الرواية ببنيان لغوي مشرب أحيانا بمفردات من اللهجة البدوية، تمنح تفاصيلها الكثير من الحيوية، في تناولها تاريخ دولة الإمارات في بداية خمسينيات القرن الماضي وتحديدا في المنطقة الغربية من مشيخة أبوظبي، قبيل اكتشاف ذهبها الأسود الضامر في أعماقها لأول مرة في تاريخها.
تفتتح الرواية بمشهد لبطلها «هزاع بالمجادي» في قلب الصحراء والشمس تصب حممها على رأسه، الضاج بالأسئلة عن سر الدأب الذي يبذله الإنجليز وهم يحشدون معسكراتهم في مثل هذا المكان المقفر: «ماذا وجد الإنكريز في هذه المنطقة التي عقمت، لا ماء يسكن باطنها، ولا نبات بترابها، ولماذا يجازفون باختيارها مقرًا لمعسكر شركتهم؟».
يتسع المشهد مع وصول هزاع إلى خارج أسوار معسكر لشركة النفط البريطانية الذي يضم عدداً كبيراً من رجال القبائل، جميعهم في انتظار فتح بوابة المعسكر أو «الكمب»، كما في لغة الرواية، ينتظرون ما بين صبر وتصبر: «الصبر يا خوية، فنحن من تواصوا بالصبر حتى صار الصبر الجميل سجيتنا»، يقول أحدهم، لكن لهزاع، بطبيعته الناقدة، رأياً آخر: «نعم الصبر سجيتنا، لكن في انتظارنا كل تلك الأيام، عل (الإنكريزي الحمر) يتفضل علينا بالعمل بأرضنا، فيه مهانة لنا».
استعادة التراث الشعبي
على مدار صفحات الرواية، 446 صفحة، لم تتبدل نبرة «هزاع» ولا خطابه الأبي الحماسي رغم الفقر وعسر الحال، فهو مثل عشرات رجال العشائر الذين كانوا يتنقلون مع معسكرات الإنجليز وشركة النفط البريطانية، التي ترافقها بعثات تضم فرقا تنقيبية وجيولوجية تستعين بالعمال المحليين من بدو العشائر لأداء مهمات النقل والتركيبات، في ظروف عمل جائرة. تمر الرواية على مشاهدها واحدًا تلو الآخر، جاعلة من بطلها «هزاع» الشاهد والمعبر عن جور تلك الأوضاع، وذلك الصراع الدائر بداخلهم بين فقر وعوز، وسط ترقب لما يعد به الإنجليز من ثروات في باطن الأرض.
تستفيد الكاتبة من التراث المحلي في لغة الرواية، من حيث إبرازها للهجة أهل البادية كما في نعتهم لـ«الإنكريز»، أو توظيفها لأمثالهم وأشعارهم، وأسماء الثياب مثل «الغترة» و«الخزام»، والحيوانات مثل «الدبش» أي الغنم، واللال، وتعني سراب الصحراء، ومشاهد احتفالات العشائر بالولائم وسباقات الهجن التي تقام ابتهاجًا بمناسبة حفر بئر ماء، والإبل وحنينها ومدى ارتباطها عاطفيًا بأصحابها، مرورًا بالاستبشار بالمطر وترنيماته الشعبية (ديمة على ديمة... مسمنة البهيمة)، والتفاؤل بـ«نجم سهيل» الذي كان يتفاءل به العرب آنذاك: «هيض السكون قلبه لمناجاة نجوم السماء، فأرسل أمنياته مع نجم سهيل»، كما تزخر الرواية بالموروثات الشعبية الحميمة كطقوس القهوة التي ترسم لها الكاتبة مشاهد ذات دلالات متفرقة، منها مشهد التفاف العمال بعد العمل الشاق حول فناجينها: «غير فنجان القهوة الأول مزاج العمال، بأن صاح أحدهم (والله القهوة قناد الراس)» وهو مثل يضرب في قدرة القهوة على تطييب الكيف واعتدال الحالة المزاجية وكأن القهوة هي سلوانهم الوحيد في سنوات خدمتهم المضنية.
سؤال الهوية
وتطرح الكاتبة عبر بطلتها «اليازعة بنت ذياب» الملقبة بـ«الحرة» الكثير من ثيمات الرواية، ما بين حنينها «هزاع» الذي عرفته منذ أيام الطفولة وهما يتباريان في حل الألغاز، وانجذابها لـ«الميجور لويس» الضابط الإنجليزي الذي تقدمه الرواية كرمز للقلة الإنجليزية البعيدة عن عنجهية المستعمر، عبر احترامه للآخر وتقاليده، وهو في الرواية يفتتن بالحضور الطاغي لـ«الحرة»، وجمالها واعتدادها بذاتها، فيراها «خيط فضة في الصحراء»، ويفصح السرد من خلال هاتين الشخصيتين عن سؤال الهوية والنظرة الغربية للصحراء ما بين استخفاف بالبداوة، وشغف بما قاله الشعراء والرحالة عن سحر تبرها.
مع كل محطة من محطات التحري عن النفط، كان الاستخفاف بالعمال من أهل العشائر يأخذ منحى أكثر قتامة، مع سقوط ضحايا منهم وسط قلة حيلة من الباقين، وسط ساعات عمل طويلة وفترات راحة قصيرة تحت حمم الشمس اللاهبة. وفي كل مرة، يرتفع صوت هزاع معترضاً على ظروف العمل غير الإنسانية، التي أبسطها شربة ماء: «لن نواصل العمل قبل أن نستريح ونشرب الماء»، غير أن الأمور تفاقمت مع سقوط قتيل بين العمال بعد حادث تسرب غاز، ما جدد ثورتهم حيال غياب الرعاية الصحية للعمال وإسعافات الطوارئ في مواقع الحفر، يقابله تعال من الإنجليز ممثلا في القائد «كلايتون»، مدير معسكر طريف ورئيس مهندسي البترول، الذي يوجه حديثه لأحد الضباط: «يبدو أنك نسيت أنك هنا في صحراء بين أناس بسطاء سذج لا يعرفون أن لهم حقوقًا ولا يطالبون بها».
معادلة النفط والماء
وسط هذا التوتر، يتكرر عبر السرد سؤال الجدوى عن البحث عن النفط: «ليتكم حفرتم بئر ماء، فالماء يمنحنا الحياة وبترولكم الذي تبحثون عنه أخذ منا الحياة»، ويتصاعد السؤال وكأنه صرخة مكتومة، خاصةً مع تنقل البعثات بين المعسكرات فيما يبدو أن البترول سراب. لكن فجأة، ينبثق النفط من موقع «مربان3» وسط صيحات المهندسين والجيولوجيين.
إلا أن المعادلة تتبدل مع تحولات السياسة في العالم، والتي يتردد صداها في الرواية عبر صوت إذاعة «صوت العرب» التي كانت نافذة العمال لمعرفة حركة التمرد الواسعة من حولهم في العالم العربي والثورة على وجود المحتل البريطاني في منتصف الخمسينيات، وما واكبها من مقاومة للمستعمر متمثلة في قرار الحكومة البريطانية مضاعفة حجم قوة ساحل عمان واستمالة المواطنين للالتحاق بالقوة، وهو الوضع الذي يتبدل مع نجاحات اكتشاف النفط في أبوظبي، في لعبة يفرض فيها العمال كلمتهم على شركات النفط الأجنبية بعد سنوات من التضحيات والمناداة بحقوقهم في الرعاية الصحية والترقيات، لترتفع صيحة الفرح وكأنها شارة عتق وحرية: «حين توزعت أبراج النفط في كبد الصحراء تتوهج في أعلاها شعلة تعلن للبدوي أن الغد أفضل».



«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.