الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

قال إن التفسير المتطرف للدين ظلم للمسلمين أكثر مما هو ظلم للآخرين

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب
TT

الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب

يعتبر الدالاي لاما بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، مثلما أن فرنسيسك هو بابا المسيحيين. فكلمته مسموعة ليس فقط في بلاد التيبت، وإنما في كل أرجاء العالم البوذي، بل وفيما وراء ذلك.. فهو أحد حكماء العصر الراهن، وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام على الصعيد العالمي كله. و«الدالاي لاما» هو لقبه وليس اسمه الحقيقي، وهو يعني حرفيا «بحر العلوم» أو «بحر الحكمة». أما اسمه الحقيقي، فهو تنزان غياتسو، وهو لا يعني شيئا بالنسبة للآخرين ولا أحد يعرفه به.
سوف أعتمد في هذه الدراسة أساسا على كتابه التالي: «الإسلام والمسيحية واليهودية: كيف يمكن أن نعيش بسلام؟ نحو الإخاء الكوني بين الأديان». يرى هذا الزعيم الديني أن خصوصية الإسلام التي تميزه عن غيره تكمن في تلك العلاقة القوية جدا التي تربط بين المسلم وربه. فهنا يوجد قبول مطلق ولا مشروط بالتعالي الرباني لغة وفكرا وهيئة. وهذا التعالي الرباني يرافقه اقتراب الله من المؤمن كما تقول الآية القرآنية الكريمة: «..ونحن أقرب إليه من حبل الوريد». وبالتالي، فالله قريب وبعيد في الوقت ذاته. والإسلام يطلب من معتنقيه الإيمان بالطبيعة اللانهائية والأبدية الخالدة لله. وكل تصوير لله ممنوع، لأن ذلك يشجع على عبادة الأوثان التي يحرمها الإسلام تحريما قاطعا. ولذلك لا توجد صور في أماكن العبادة الإسلامية. ومن سمات هذا الدين أن المسلم يسلم نفسه كليا للإرادة الإلهية ويخضع لها دون نقاش. ومن هنا جاءت كلمة «إسلام».
لكن الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباه الدالاي لاما هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح. فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومع ذلك، فان الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حاليا هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟ قبل أن يجيب الدالاي لاما عن هذا السؤال، نلاحظ أنه يتوقف مطولا عند سورة الفاتحة، بل ويوردها مترجمة بشكل كامل. ويبدي أشد الإعجاب بورود كلمتي «الرحمن الرحيم» أكثر من مرة فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
الرحمن الرحيم.
مالك يوم الدين.
إياك نعبد وإياك نستعين.
إهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
لماذا يتوقف الدالاي لاما عند هذه النقطة أكثر من غيرها؟ لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها. والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينا عظيما. من هنا سر إعجابه بالإسلام ودهشته واستغرابه عندما اكتشفه أو تعرف عليه لأول مرة. فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فإذا به يكتشف العكس تماما. ويقول بأنه لم يكتشف الإسلام إلا متأخرا، وقد فوجئ بما اكتشفه وأعجب به أشد الإعجاب. وقد حصلت أول زيارة له إلى بلد عربي مسلم عام 2005 حيث استقبلوه بحفاوة في الأردن. وقد أعجب بالأذان الذي يتعالى من المساجد كثيرا. وفي إحدى المرات قال له شيخ مسلم: «إن من يقتل إنسانا آخر لا يمكن أن يكون مسلما حقيقيا. فقتل النفس محرم كليا في القرآن؛ حيث تقول الآية الكريمة: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)». وقال له شيخ آخر بأنه ينبغي على المسلم أن يحب مخلوقات الله كما يحب الله ذاته. ثم يعلق على ذلك: «وهذا رائع». ثم يضيف: «بالطبع، فإن اللغة التي يستخدمها الإسلام للتعبير عن التعاطف الكوني أو الشفقة الكونية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الديانة البوذية. ولكن المفهوم هو ذاته في نهاية المطاف. ثم إن التأثير النفسي الذي يحدثه على أخلاقية الفرد وسلوكه متطابق في كلتا الحالتين. إنه متطابق مع المبدأ البوذي الذي يدعو إلى التعاطف الكوني والشفقة والرحمة مع جميع البشر والكائنات».
وفي نهاية المطاف لا يتوانى الدالاي لاما عن طرح هذا السؤال:
إذا كانت حقائق الإسلام هكذا، إذا كان يفتتح كل سوره بعبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم».. إذا كان يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد، فمن أين شاعت عنه كل هذه الصورة المرعبة المشوهة؟ ولماذا؟ يرى الحكيم البوذي الكبير أن السبب يعود إلى التفسير الحرفي والسطحي لبعض الآيات الداعية إلى الجهاد والقتال. وهو يرى أن التفسير الحرفي لهذه الآيات لا يتوافق مع تركيز القرآن الكريم على صفة «الله الرحمن الرحيم». لا ريب في أن القراءة الحرفية لهذه الآيات الإشكالية الصعبة ممكنة وواردة. وعليها تعتمد الحركات المتطرفة، ومنها تستمد قوتها الضاربة وجرأتها على القتل والذبح. ولكن هناك قراءة أخرى للقرآن الكريم، والدليل أن بعض علماء المسلمين قالوا له بأن الجهاد يمكن تفسيره على أساس مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء لا على أساس الحرب والقتال. بمعنى آخر، فهناك الجهاد الداخلي الروحاني الذي ينساه الإسلام السياسي كثيرا.
على أي حال، فان الدالاي لاما يقول لنا بأن التفسير الحرفي المتشدد لهذه الآيات القليلة نسبيا في القرآن هو الذي يوهم الناس بأن الإسلام هو دين عنف بشكل حصري. (أفتح هنا قوسا وأقول ما يلي: من خلال قراءاتي المتنوعة لاحظت أن معظم شخصيات العالم خائفة، بل ومرعوبة من بعض آيات القتال الواردة في القرآن الكريم. وجميعهم يترجوننا لكي نعيد تأويلها عن طريق ربطها بسياقها التاريخي الصعب الذي كان سائدا في الفترة النبوية الأولى. بمعنى آخر فإنهم يطالبوننا بعدم تعميمها على جميع العصور وبالأخص على عصرنا الحالي.. لماذا؟ لأن ذلك يعني إدانة الآخرين إلى أبد الآبدين وإباحة دمائهم بشكل لا رجوع عنه. إنه يعني تبرير كل التفجيرات العمياء التي تحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بحجة أنهم كفار أو غير مسلمين. وحتى اللاهوتي الكبير هانز كونغ المنفتح جدا على الإسلام وتراثه يطالبنا بذلك. وبالتالي، فإن المثقفين العرب والمسلمين مطالبون بإيجاد مخرج لهذه المشكلة الشائكة التي تتوقف على حلها إزالة الصورة المرعبة والمشوهة السائدة عنا وعن ديننا في شتى أنحاء العالم).
لكن لنعد إلى الزعيم البوذي الشهير ولنستمع إليه يقول:
«في عام 2008 تلقيت دعوة من الجامع الكبير بمدينة دلهي بالهند لكي أحضر مؤتمرا عن الإرهاب. وقد سعدت جدا بهذه الدعوة الكريمة. وكان من بين الحاضرين مشايخ كبار من الهند وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا والأردن.. وأمام الجميع قلت ما يلي: (إنه لمن المهم جدا أن يعلن كل زعماء الدين في العالم أن العنف المرتكب باسم الدين شيء مرفوض قطعيا وبلا نقاش. فالعنف والدين الحق شيئان متضادان لا يجتمعان. ينبغي علينا جميعا أن نقول لأتباعنا بأن الشفقة والرحمة ببني البشر هما شيئان أساسيان بالنسبة لكل الأديان. رحمة الله وسعت كل شيء. ولكن من يستطيع أن يقنع (داعش) بذلك؟ إذا كان هناك شيء واحد لا يدخل في قاموس (داعش) والداعشيين فهو مفهوم الشفقة والرحمة. انظروا ما فعلوه بالرهينة الياباني المسكين مؤخرا».
ثم يردف الدالاي لاما قائلا:
«إن الصورة المشكلة حصريا عن الإسلام كدين عنف خاطئة. ولكن ينبغي على كبار شيوخ الإسلام أن يتخذوا منها موقفا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. ينبغي عليهم أن يقولوا لأتباعهم بأنه لا توجد أي علاقة بين الله والعنف، أو بين الإسلام والتفكير الإقصائي. ينبغي عليهم أن يقولوا بأن التفسير المتطرف للدين ليس فقط مسيئا للتراث الإسلامي ومشوها لسمعة المسلمين، وإنما هو أيضا مخالف للغنى الفكري والروحي والأخلاقي الذي يمثله تراث الإسلام الكبير. إنه ظلم للإسلام أكثر مما هو ظلم للآخرين».
من يستطيع أن يقول أفضل من ذلك؟ ولكن الشيء الذي فات الدالاي لاما هو أن التفسير العنيف، بل والإرهابي، لرسالة الإسلام هو من صنع حركات الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين وكل ما تفرع عنها من حركات أشد عنفا وبطشا. وهذا ما يعترف به صراحة الأستاذ فريد عبد الخالق الذي كان عضوا في جماعة «الإخوان» لفترة طويلة قبل أن يبتعد عنهم.. لماذا؟ لأن الإسلام، كما يقول صراحة، ذو بعد إنساني فيه شفقة ورحمة بالعباد إذا ما فهمنا القرآن الكريم جيدا. وهذا ما لا يدركه «الإخوان» أو بعضهم. (انظر بالفرنسية كتاب: «الإخوان المسلمون». تأليف كزافييه تيرنسيان. ص: 41 - 42. والكتاب عموما متعاطف مع «الإخوان» لا متحاملا عليهم. ولذا لا يمكن اتهامه بأنه يحاول تشويه سمعتهم). وبالتالي، فسبب فشل «الإخوان» يعود إلى هذه النقطة بالذات: أي إلى إهمالهم جوهر القرآن الكريم القائم على الرحمة والمغفرة ومكارم الأخلاق، لا على الحرب والضرب والعنف والإكراه والقسر. «لا إكراه في الدين»، يقول النص العظيم. لكن لنعد مرة أخرى إلى الدالاي لاما وموقفه منا ومن تراثنا الديني. ولحسن الحظ، فقد وقعت أخيرا على أحدث مقابلة أدلى بها لمجلة «عالم الأديان» الفرنسية. وكان ذلك في نيودلهي بالهند. ومعلوم أنه لم يعد يعطي مقابلات إلا نادرا. المهم أنه عندما وصلوا بالسؤال إلى مسألة «داعش» صمت كثيرا قبل أن يجيب وعلى وجهه الهم والغم: «هذه أخطر مسألة في الوقت الراهن. هذا أكبر تحد تواجهه البشرية اليوم. فالجميع شرقا وغربا قلقون من هذه الظاهرة الجديدة التي لم تكن في الحسبان. في الواقع أن هذه عادة قديمة عند بعض المسلمين، ولكنها انتعشت كثيرا في هذا العصر. وفي غضبهم العارم، فإن هؤلاء الأشخاص مستعدون للقتل حتى بالقنبلة الذرية! لو كانوا يمتلكونها بالطبع. إنهم خطرون جدا جدا. وبالتالي، فينبغي أن نعالج الأساس العميق لهذا المرض لأنه أصل المشكل. والأصل هو انعدام الحوار الديني داخل الإسلام، ثم بين الإسلام من جهة وبقية الأديان من جهة أخرى».
ثم يقول لنا الدالاي لاما ما معناه: «انظروا إلى الهند. إنه بلد ضخم تتعايش فيه الأديان والمذاهب المتعددة منذ عشرين قرنا. هل هذا قليل؟ صحيح أنه حصلت أحيانا صدامات ومشكلات لا تنكر. ولكن بشكل عام، هناك تعايش سلمي مرموق. يوجد هنا في الهند هندوس ومسلمون، سنة وشيعة، يهود ومسيحيون.. إلخ، الخ، ومع ذلك فلا يتقاتلون إلا نادرا. وربما كان الفضل في ذلك يعود إلى وجود مفهوم هام جدا في الهند ألا وهو مفهوم: (اللاعنف). وقد استخدمه غاندي سلاحا سياسيا فعالا. ونحن البوذيين أخذناه عنه. وهو مهم جدا لكي يسود السلام العالم».
وهنا اعترض الصحافي الفرنسي قائلا: «ولكن البوذيين مارسوا العنف ضد المسلمين في بورما؟» فرد عليه الدالاي لاما: «نعم، وهذا ما آلمني جدا. وقد أعطيت الأوامر بإيقافه فورا».
وأخيرا، فأنا أقول: «يا ناس اسمعوا وعوا. لا توجد حقيقة واحدة في العالم، وإنما عدة حقائق وأديان. وهي ليست متناقضة فيما بينها، وإنما متكاملة إذا ما فهمناها على حقيقتها. وينبغي أن تتعايش بسلام في عصر العولمة الكونية على الرغم من أنف التطرف والمتطرفين. وهم عموما أقلية في كل الأديان. وهذا ما يقوله هانز كونغ أيضا. فجميع الأديان تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، فهناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الأديان على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها.. فاتبعوها وانسوا ما تبقى.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.