الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

قال إن التفسير المتطرف للدين ظلم للمسلمين أكثر مما هو ظلم للآخرين

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب
TT

الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب

يعتبر الدالاي لاما بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، مثلما أن فرنسيسك هو بابا المسيحيين. فكلمته مسموعة ليس فقط في بلاد التيبت، وإنما في كل أرجاء العالم البوذي، بل وفيما وراء ذلك.. فهو أحد حكماء العصر الراهن، وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام على الصعيد العالمي كله. و«الدالاي لاما» هو لقبه وليس اسمه الحقيقي، وهو يعني حرفيا «بحر العلوم» أو «بحر الحكمة». أما اسمه الحقيقي، فهو تنزان غياتسو، وهو لا يعني شيئا بالنسبة للآخرين ولا أحد يعرفه به.
سوف أعتمد في هذه الدراسة أساسا على كتابه التالي: «الإسلام والمسيحية واليهودية: كيف يمكن أن نعيش بسلام؟ نحو الإخاء الكوني بين الأديان». يرى هذا الزعيم الديني أن خصوصية الإسلام التي تميزه عن غيره تكمن في تلك العلاقة القوية جدا التي تربط بين المسلم وربه. فهنا يوجد قبول مطلق ولا مشروط بالتعالي الرباني لغة وفكرا وهيئة. وهذا التعالي الرباني يرافقه اقتراب الله من المؤمن كما تقول الآية القرآنية الكريمة: «..ونحن أقرب إليه من حبل الوريد». وبالتالي، فالله قريب وبعيد في الوقت ذاته. والإسلام يطلب من معتنقيه الإيمان بالطبيعة اللانهائية والأبدية الخالدة لله. وكل تصوير لله ممنوع، لأن ذلك يشجع على عبادة الأوثان التي يحرمها الإسلام تحريما قاطعا. ولذلك لا توجد صور في أماكن العبادة الإسلامية. ومن سمات هذا الدين أن المسلم يسلم نفسه كليا للإرادة الإلهية ويخضع لها دون نقاش. ومن هنا جاءت كلمة «إسلام».
لكن الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباه الدالاي لاما هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح. فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومع ذلك، فان الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حاليا هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟ قبل أن يجيب الدالاي لاما عن هذا السؤال، نلاحظ أنه يتوقف مطولا عند سورة الفاتحة، بل ويوردها مترجمة بشكل كامل. ويبدي أشد الإعجاب بورود كلمتي «الرحمن الرحيم» أكثر من مرة فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
الرحمن الرحيم.
مالك يوم الدين.
إياك نعبد وإياك نستعين.
إهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
لماذا يتوقف الدالاي لاما عند هذه النقطة أكثر من غيرها؟ لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها. والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينا عظيما. من هنا سر إعجابه بالإسلام ودهشته واستغرابه عندما اكتشفه أو تعرف عليه لأول مرة. فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فإذا به يكتشف العكس تماما. ويقول بأنه لم يكتشف الإسلام إلا متأخرا، وقد فوجئ بما اكتشفه وأعجب به أشد الإعجاب. وقد حصلت أول زيارة له إلى بلد عربي مسلم عام 2005 حيث استقبلوه بحفاوة في الأردن. وقد أعجب بالأذان الذي يتعالى من المساجد كثيرا. وفي إحدى المرات قال له شيخ مسلم: «إن من يقتل إنسانا آخر لا يمكن أن يكون مسلما حقيقيا. فقتل النفس محرم كليا في القرآن؛ حيث تقول الآية الكريمة: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)». وقال له شيخ آخر بأنه ينبغي على المسلم أن يحب مخلوقات الله كما يحب الله ذاته. ثم يعلق على ذلك: «وهذا رائع». ثم يضيف: «بالطبع، فإن اللغة التي يستخدمها الإسلام للتعبير عن التعاطف الكوني أو الشفقة الكونية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الديانة البوذية. ولكن المفهوم هو ذاته في نهاية المطاف. ثم إن التأثير النفسي الذي يحدثه على أخلاقية الفرد وسلوكه متطابق في كلتا الحالتين. إنه متطابق مع المبدأ البوذي الذي يدعو إلى التعاطف الكوني والشفقة والرحمة مع جميع البشر والكائنات».
وفي نهاية المطاف لا يتوانى الدالاي لاما عن طرح هذا السؤال:
إذا كانت حقائق الإسلام هكذا، إذا كان يفتتح كل سوره بعبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم».. إذا كان يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد، فمن أين شاعت عنه كل هذه الصورة المرعبة المشوهة؟ ولماذا؟ يرى الحكيم البوذي الكبير أن السبب يعود إلى التفسير الحرفي والسطحي لبعض الآيات الداعية إلى الجهاد والقتال. وهو يرى أن التفسير الحرفي لهذه الآيات لا يتوافق مع تركيز القرآن الكريم على صفة «الله الرحمن الرحيم». لا ريب في أن القراءة الحرفية لهذه الآيات الإشكالية الصعبة ممكنة وواردة. وعليها تعتمد الحركات المتطرفة، ومنها تستمد قوتها الضاربة وجرأتها على القتل والذبح. ولكن هناك قراءة أخرى للقرآن الكريم، والدليل أن بعض علماء المسلمين قالوا له بأن الجهاد يمكن تفسيره على أساس مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء لا على أساس الحرب والقتال. بمعنى آخر، فهناك الجهاد الداخلي الروحاني الذي ينساه الإسلام السياسي كثيرا.
على أي حال، فان الدالاي لاما يقول لنا بأن التفسير الحرفي المتشدد لهذه الآيات القليلة نسبيا في القرآن هو الذي يوهم الناس بأن الإسلام هو دين عنف بشكل حصري. (أفتح هنا قوسا وأقول ما يلي: من خلال قراءاتي المتنوعة لاحظت أن معظم شخصيات العالم خائفة، بل ومرعوبة من بعض آيات القتال الواردة في القرآن الكريم. وجميعهم يترجوننا لكي نعيد تأويلها عن طريق ربطها بسياقها التاريخي الصعب الذي كان سائدا في الفترة النبوية الأولى. بمعنى آخر فإنهم يطالبوننا بعدم تعميمها على جميع العصور وبالأخص على عصرنا الحالي.. لماذا؟ لأن ذلك يعني إدانة الآخرين إلى أبد الآبدين وإباحة دمائهم بشكل لا رجوع عنه. إنه يعني تبرير كل التفجيرات العمياء التي تحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بحجة أنهم كفار أو غير مسلمين. وحتى اللاهوتي الكبير هانز كونغ المنفتح جدا على الإسلام وتراثه يطالبنا بذلك. وبالتالي، فإن المثقفين العرب والمسلمين مطالبون بإيجاد مخرج لهذه المشكلة الشائكة التي تتوقف على حلها إزالة الصورة المرعبة والمشوهة السائدة عنا وعن ديننا في شتى أنحاء العالم).
لكن لنعد إلى الزعيم البوذي الشهير ولنستمع إليه يقول:
«في عام 2008 تلقيت دعوة من الجامع الكبير بمدينة دلهي بالهند لكي أحضر مؤتمرا عن الإرهاب. وقد سعدت جدا بهذه الدعوة الكريمة. وكان من بين الحاضرين مشايخ كبار من الهند وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا والأردن.. وأمام الجميع قلت ما يلي: (إنه لمن المهم جدا أن يعلن كل زعماء الدين في العالم أن العنف المرتكب باسم الدين شيء مرفوض قطعيا وبلا نقاش. فالعنف والدين الحق شيئان متضادان لا يجتمعان. ينبغي علينا جميعا أن نقول لأتباعنا بأن الشفقة والرحمة ببني البشر هما شيئان أساسيان بالنسبة لكل الأديان. رحمة الله وسعت كل شيء. ولكن من يستطيع أن يقنع (داعش) بذلك؟ إذا كان هناك شيء واحد لا يدخل في قاموس (داعش) والداعشيين فهو مفهوم الشفقة والرحمة. انظروا ما فعلوه بالرهينة الياباني المسكين مؤخرا».
ثم يردف الدالاي لاما قائلا:
«إن الصورة المشكلة حصريا عن الإسلام كدين عنف خاطئة. ولكن ينبغي على كبار شيوخ الإسلام أن يتخذوا منها موقفا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. ينبغي عليهم أن يقولوا لأتباعهم بأنه لا توجد أي علاقة بين الله والعنف، أو بين الإسلام والتفكير الإقصائي. ينبغي عليهم أن يقولوا بأن التفسير المتطرف للدين ليس فقط مسيئا للتراث الإسلامي ومشوها لسمعة المسلمين، وإنما هو أيضا مخالف للغنى الفكري والروحي والأخلاقي الذي يمثله تراث الإسلام الكبير. إنه ظلم للإسلام أكثر مما هو ظلم للآخرين».
من يستطيع أن يقول أفضل من ذلك؟ ولكن الشيء الذي فات الدالاي لاما هو أن التفسير العنيف، بل والإرهابي، لرسالة الإسلام هو من صنع حركات الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين وكل ما تفرع عنها من حركات أشد عنفا وبطشا. وهذا ما يعترف به صراحة الأستاذ فريد عبد الخالق الذي كان عضوا في جماعة «الإخوان» لفترة طويلة قبل أن يبتعد عنهم.. لماذا؟ لأن الإسلام، كما يقول صراحة، ذو بعد إنساني فيه شفقة ورحمة بالعباد إذا ما فهمنا القرآن الكريم جيدا. وهذا ما لا يدركه «الإخوان» أو بعضهم. (انظر بالفرنسية كتاب: «الإخوان المسلمون». تأليف كزافييه تيرنسيان. ص: 41 - 42. والكتاب عموما متعاطف مع «الإخوان» لا متحاملا عليهم. ولذا لا يمكن اتهامه بأنه يحاول تشويه سمعتهم). وبالتالي، فسبب فشل «الإخوان» يعود إلى هذه النقطة بالذات: أي إلى إهمالهم جوهر القرآن الكريم القائم على الرحمة والمغفرة ومكارم الأخلاق، لا على الحرب والضرب والعنف والإكراه والقسر. «لا إكراه في الدين»، يقول النص العظيم. لكن لنعد مرة أخرى إلى الدالاي لاما وموقفه منا ومن تراثنا الديني. ولحسن الحظ، فقد وقعت أخيرا على أحدث مقابلة أدلى بها لمجلة «عالم الأديان» الفرنسية. وكان ذلك في نيودلهي بالهند. ومعلوم أنه لم يعد يعطي مقابلات إلا نادرا. المهم أنه عندما وصلوا بالسؤال إلى مسألة «داعش» صمت كثيرا قبل أن يجيب وعلى وجهه الهم والغم: «هذه أخطر مسألة في الوقت الراهن. هذا أكبر تحد تواجهه البشرية اليوم. فالجميع شرقا وغربا قلقون من هذه الظاهرة الجديدة التي لم تكن في الحسبان. في الواقع أن هذه عادة قديمة عند بعض المسلمين، ولكنها انتعشت كثيرا في هذا العصر. وفي غضبهم العارم، فإن هؤلاء الأشخاص مستعدون للقتل حتى بالقنبلة الذرية! لو كانوا يمتلكونها بالطبع. إنهم خطرون جدا جدا. وبالتالي، فينبغي أن نعالج الأساس العميق لهذا المرض لأنه أصل المشكل. والأصل هو انعدام الحوار الديني داخل الإسلام، ثم بين الإسلام من جهة وبقية الأديان من جهة أخرى».
ثم يقول لنا الدالاي لاما ما معناه: «انظروا إلى الهند. إنه بلد ضخم تتعايش فيه الأديان والمذاهب المتعددة منذ عشرين قرنا. هل هذا قليل؟ صحيح أنه حصلت أحيانا صدامات ومشكلات لا تنكر. ولكن بشكل عام، هناك تعايش سلمي مرموق. يوجد هنا في الهند هندوس ومسلمون، سنة وشيعة، يهود ومسيحيون.. إلخ، الخ، ومع ذلك فلا يتقاتلون إلا نادرا. وربما كان الفضل في ذلك يعود إلى وجود مفهوم هام جدا في الهند ألا وهو مفهوم: (اللاعنف). وقد استخدمه غاندي سلاحا سياسيا فعالا. ونحن البوذيين أخذناه عنه. وهو مهم جدا لكي يسود السلام العالم».
وهنا اعترض الصحافي الفرنسي قائلا: «ولكن البوذيين مارسوا العنف ضد المسلمين في بورما؟» فرد عليه الدالاي لاما: «نعم، وهذا ما آلمني جدا. وقد أعطيت الأوامر بإيقافه فورا».
وأخيرا، فأنا أقول: «يا ناس اسمعوا وعوا. لا توجد حقيقة واحدة في العالم، وإنما عدة حقائق وأديان. وهي ليست متناقضة فيما بينها، وإنما متكاملة إذا ما فهمناها على حقيقتها. وينبغي أن تتعايش بسلام في عصر العولمة الكونية على الرغم من أنف التطرف والمتطرفين. وهم عموما أقلية في كل الأديان. وهذا ما يقوله هانز كونغ أيضا. فجميع الأديان تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، فهناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الأديان على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها.. فاتبعوها وانسوا ما تبقى.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.