قلق أممي من «تسوماني سوري»... وكتل معارضة تحشد ضد «هيمنة تركيا»

رسالة سياسية من منصتي موسكو والقاهرة و«التنسيق» لمبعوث الأمم المتحدة كي يحل إشكالية «الهيئة» قبل اجتماع اللجنة الدستورية

قلق أممي من «تسوماني سوري»... وكتل معارضة تحشد ضد «هيمنة تركيا»
TT

قلق أممي من «تسوماني سوري»... وكتل معارضة تحشد ضد «هيمنة تركيا»

قلق أممي من «تسوماني سوري»... وكتل معارضة تحشد ضد «هيمنة تركيا»

لجأت ثلاث كتل سياسية في «هيئة التفاوض السورية» المعارضة إلى المبعوث الأممي غير بيدرسن وروسيا ودول إقليمية لمعالجة نفوذ تركيا في «الهيئة» و«اللجنة الدستورية» و«هيمنة» أنقرة على القرار السياسي، في وقت يضع بيدرسن اللمسات الأخيرة على الجولة الخامسة من اجتماعات «الدستورية» يوم الاثنين المقبل، لتبدأ للمرة الأولى في مناقشة جوهر الدستور السوري.
بيدرسن كان في مزاج آخر لدى تقديمه الإيجاز إلى مجلس الأمن الأربعاء. لأول مرة، هو في صدد الإعداد لجولة اجتماع لـ«اللجنة» يتناول الدستور، و«صياغته»، بموجب اتفاق وفدي الحكومة و«الهيئة» المعارضة، ذلك بعد جولات عقدت خلال أكثر من سنة كان الانقسام فيها سيد الموقف: دمشق تريد مناقشة «المبادئ الوطنية». المعارضة كانت تريد مناقشة «مقدمة الدستور ومبادئه».
في إيجازه الأممي، انطلق هذه المرة من الأزمة الاقتصادية في سوريا، والصورة العسكرية جراء وجود خمسة جيوش أجنبية (روسيا، أميركا، تركيا، إيران، إسرائيل) قبل مناقشة التفاصيل الخاصة بـ«الدستورية»، حيث يعاني الملايين داخل سوريا وملايين اللاجئين خارجها من «صدمات عميقة، وفقر مدقع، وانعدام الأمن الشخصي، وغياب الأمل في المستقبل. بالنسبة للكثيرين، فإن المعاناة اليومية لمجرد البقاء على قيد الحياة تغلب على معظم القضايا الأخرى».

- تسونامي بطيء
تفصيلا، يقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن أكثر من 8 من كل 10 سوريين يعانون من الفقر. ويقدر صندوق الأغذية العالمي أن 9.3 مليون داخل سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي. لكن بالنسة إلى بيدرسن، فإن «المؤشرات ستزداد سوءاً» لأسباب مختلفة بينها «تأثير عقد من الصراع، وتردي الأوضاع الاقتصادية عالمياً بسبب جائحة (كورونا)، وتداعيات الأزمة اللبنانية، والعوامل الداخلية مثل اقتصاد الحرب، والفساد، وسوء الإدارة، والتدابير الخارجية (عقوبات، عزلة). كما يواجه المجتمع المقسم المزيد من التفكك لنسيجه الاجتماعي، وهو ما يؤسس لمزيد من المعاناة والمزيد من عدم الاستقرار».
كل ذلك يدفع إلى التحذير من «تسونامي بطيء يضرب سوريا». يضاف إلى ذلك، أنه مع ارتفاع معدلات التضخم ونقص الخبز والوقود، هناك توقعات أن تشهد قدرة الحكومة السورية وسلطات الأمر الواقع الأخرى على توفير الخدمات الأساسية والدعم للسلع الأساسية «تراجعاً مستمراً»، وأن تتسبب الجائحة أيضاً في خسائر إضافية. وفي «إشارة دبلوماسية» إلى آثار العقوبات الغربية، الأميركية والأوروبية، يلفت إلى أنه «يظل ضرورياً ألا تساهم أي عقوبات في تفاقم محنة السوريين».
- 6 إشارات مقلقة
هناك إشارات إيجابية، لكنها مقلقة، بالنسبة إلى بيدرسن وغيره من المراقبين. صحيح أن الأشهر العشرة الماضية كانت «الأكثر هدوءاً في تاريخ الأزمة» منذ 2011 حيث تغيرت في 2020 بـ«الكاد خطوط التماس». لكن هذا الهدوء يتسم بالهشاشة. ويمكن أن يتلاشى في أي لحظة. والمؤشرات في ذلك، هي: أولا، التصعيد الأخير حول بلدة عين عيسى في شمال شرقي سوريا. ثانيا، تكثيف للغارات الجوية المنسوبة لإسرائيل. ثالثا، استمرار هجمات «داعش» في شرق سوريا وباديتها. رابعا، هجمات متبادلة جنوب إدلب ومحيطها. خامسا، اضطرابات في الجنوب الغربي. سادسا، لا يزال المدنيون يُقتلون في تبادل إطلاق النار والهجمات بالعبوات الناسفة ويواجهون مخاطر الاحتجاز التعسفي والاختطاف وأنشطة الجماعات المصنفة إرهابية المدرجة على قوائم الأمم المتحدة.
وأمام هذا الواقع، عندما يجري الحديث عن تنفيذ القرار 2254 وهو المرجعية الوحيدة للتسوية السورية، فإن قناعة بيدرسن، أنه «لا يمكن لأي طرف فاعل أو مجموعة من الأطراف الفاعلة فرض إرادتها على سوريا أو تسوية الأزمة - وبالتالي يجب على كل الأطراف العمل معاً». لماذا؟ في ضوء تدويل الأزمة إلى حد كبير، ووجود خمسة جيوش أجنبية تنشط على الأراضي السورية «لا يمكننا التظاهر بأن الحلول في أيدي السوريين فقط - أو أن الأمم المتحدة يمكنها أن تقوم بذلك بمفردها». عليه، فإن الحاجة ملحة لـ«دبلوماسية دولية أكثر جدية وتعاوناً - وهو أمر ممكن، بالنظر إلى أنه رغم اختلافاتها، فإن الدول الرئيسية ملتزمة بالقرار 2254، ولديها مصالح مشتركة بما في ذلك حول مسائل مثل تحقيق الاستقرار، واحتواء الإرهاب، والعودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين، ومنع المزيد من الصراع».
- انتخابات ودستور
هناك موعد ملح حاليا، يتعلق بالانتخابات الرئاسية السورية المقبلة قبل نهاية ولاية الرئيس بشار الأسد في منتصف يوليو (تموز). وهناك نقاشات مختلفة بين الدول الفاعلة، بين حماس روسي لها وتجاهل أو انقسام أميركي - أوروبي حول التعاطي معها. وبالنسبة إلى بيدرسن، الواضح أنه قرر عدم التعاطي معها باعتبار أن لاعلاقة لها بالقرار 2254، ويقول: «تبدو الانتخابات الحرة والنزيهة التي تجري وفق دستور جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، وفقاً لأعلى معايير الشفافية والمساءلة، وبمشاركة جميع السوريين الذين يحق لهم المشاركة بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المهجر والمنصوص عليها في القرار 2254، بعيدة المنال...» أي ما بعد الانتخابات الرئاسية منتصف العام.
عليه، فإن التصور المقبل لاجتماعات اللجنة الدستورية، هو واقعي. أي، عقد ثلاث أو أربع جلسات قبل الانتخابات وأخرى بعدها، تتضمن بدء وفود الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني مناقشة الدستور. ومن المقرر أن تعقد الدورة الخامسة للهيئة المصغرة للجنة الدستورية في جنيف بين 25 إلى 29 الشهر الجاري. وكما هو متفق، ستناقش، وفقاً لولاية اللجنة والمعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية «المبادئ الدستورية الأساسية في الدستور».
الجلسة المقبلة، بالنسبة له، «ستكون مهمة للغاية»، إذ إنه على مدار أكثر من عام تمت مناقشة العديد من الموضوعات، و«أعتقد أن الوقت قد حان للرئيسين المشاركين للاتفاق على آلية ومنهجية عمل فعالة وعملية، بحيث تكون الاجتماعات منظمة بشكل أفضل وأكثر تركيزاً». ماذا يعني ذلك؟ ضمان أن تبدأ اللجنة في الانتقال من «إعداد» الإصلاح الدستوري إلى عملية «الصياغة»، وفقاً للولاية المنوطة بها. ويمكن للجنة القيام بذلك من خلال البدء في النظر في قضايا دستورية محددة ومسودات للمواد الدستورية. ويأمل بيدرسن أن يقوم رئيسا الوفدين، الحكومي والمعارضة، بـ«التوصل إلى اتفاق بشأن خطة عمل للاجتماعات القادمة وجداول أعمال وموضوعات واضحة والمضي بوتيرة أسرع في هذه العملية»... خلال الجلسات المقبلة.
لا توافق كل الدول الغربية على هذا التقييم. هناك دول أوروبية، باتت ترفع صوتها باتجاه ضرورة التخلي عن «اللجنة الدستورية»، بل إن بعض الدول ينتقد بيدرسن لأنه يعطي «اللجنة» أكثر مما تستحق، حسب اعتقاد هذه الدول. وهي تريد فتح بوابات جديدة لتنفيذ القرار 2254، مثل الانتقال السياسي، البيئة المحايدة، السجناء، إجراءات بناء الثقة.
ارتفاع الصوت الأوروبي إزاء ذلك أو انخفاضه بانتظار تشكيل إدارة جو بايدن فريقها السوري واكتماله في الخارجية الأميركية بعد تعيين فريق مجلس الأمن القومي، وضم باربرا ليف وبريت ماغورك وزهرا بيل، علما بأن الأخيرين لعبا دوراً رئيسياً في الزاوية الكردية من الملف السوري.
- مفاجأة منصات
بيدرسن المشغول بـ«اختراق الدستورية»، جاءته المفاجأة من حيث لا يحتسب، إذ قام ممثلو «منصة القاهرة» و«منصة موسكو» و«هيئة التنسيق»، وهي قوى رئيسية في «هيئة التفاوض» التي تمثل المعارضة في اجتماعات «اللجنة الدستورية»، بإرسال رسالة له كي يساهم في حل إشكال داخل «الهيئة».
الخلاف الفني يتناول تمثيل المستقلين، الذين انتخبوا في مؤتمر في الرياض نهاية 2019 لتمثيل كتلة المستقلين ذات الثمانية أعضاء في «الهيئة». كما يتناول تمثيل «منصة القاهرة» في «الهيئة». وجرى خلال سنة تقديم سلسلة مقترحات لتسوية الخلاف حول المستقلين، بينها تقاسم الأعضاء القدامى والجدد لكتلة المستقلين بين أعضاء بين «الهيئة» و«اللجنة الدستورية» (5 مقابل 3 أو 6 مقابل 2). لكن ذلك، لم يتحقق وتمسكت الكتلة الأخرى، أي «الائتلاف»، بآلية التشكيل والانتخابات وصولاً إلى تحديد اسم ممثل «منصة القاهرة» قبل أيام.
وتضم «الهيئة» 36 عضوا، 8 من «الائتلاف» و4 من «منصة موسكو» و4 لـ«منصة القاهرة» و5 لـ«هيئة التنسيق» و7 للفصائل العسكرية (التي تغير وضعها كثيرا منذ تشكيل «الهيئة» قبل سنوات) و8 مستقلين، إضافة إلى عضو كردي مع «الائتلاف»، لكن الخلاف السياسي، هو وراء هذا الفني، إذ إن التوازن الحالي للأعضاء يميل لصالح كتلة سورية مدعومة إقليمياً. الكتل السياسية في «الهيئة»، أي «منصة موسكو» و«منصة القاهرة» و«هيئة التنسيق»، تتهم أنقرة بالسيطرة على «الهيئة»، أو وقوع الأخيرة في الحضن التركي، وهي تحاول إدخال المستقلين الجدد إلى «الهيئة» لتحقيق نصاب كاف في آلية الانتخابات يحول دون سيطرة الطرف الآخر على القرارات.
هذه الكتل الثلاث لجأت إلى بيدرسن للتدخل وحل الخلاف، استنادا إلى القرار 2254 للعام 2015 الذي نص على «تطلع لقيام المبعوث بوضع اللمسات الأخيرة على الجهود المبذولة تحقيقا لغاية»، وحدة القوى المعارضة، مع ذكر منصتي القاهرة وموسكو.
أغلب الظن، لن يدخل بيدرسن في هذا الملف الفني - السياسي، ويريد التركيز على اجتماعات «اللجنة الدستورية»، في وقت يُعتقد أن «الضامنين» الثلاثة لعملية آستانة، روسيا وتركيا وإيران، سينقاشون هذا الملف لدى اجتماعهم السياسي في سوتشي الروسية في الشهر المقبل.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.