علاوي لـ«الشرق الأوسط»: نحن أمام فرصة أخيرة لإنقاذ العراق

نائب الرئيس العراقي قال إنه يعمل على عقد مؤتمر إقليمي لبحث «أزمات المنطقة»

علاوي لـ«الشرق الأوسط»: نحن أمام فرصة أخيرة لإنقاذ العراق
TT

علاوي لـ«الشرق الأوسط»: نحن أمام فرصة أخيرة لإنقاذ العراق

علاوي لـ«الشرق الأوسط»: نحن أمام فرصة أخيرة لإنقاذ العراق

بعد مرور 100 يوم على تشكيل حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بناء على اتفاقات هدفها توحيد صف الأحزاب السياسية المختلفة، بدأت تظهر خلافات عدة مع تأخير تطبيق بنود أساسية من تلك الاتفاقات.
وعلى رأس القضايا المتأخرة التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الحرس الوطني الذي يتطلع إليه ساسة، مثل نائب الرئيس العراقي الدكتور إياد علاوي، لضمان حماية المناطق التي يتم تحريرها من قبضة تنظيم داعش.
«الشرق الأوسط» التقت علاوي خلال مشاركته في «منتدى الاقتصاد العالمي» في دافوس الأسبوع الماضي، حيث عبر عن قلقه من افتقاد الحكومة استراتيجية واضحة لمواجهة «داعش». يذكر أن المقابلة تمت قبل أن يغادر علاوي سويسرا ويتوجه إلى السعودية لتقديم التعزية في وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله. وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:

* نسمع تصريحات من مسؤولين عراقيين يقولون إن الموصل ستحرر قريبا من قبضة «داعش» ولكن مرت 7 أشهر وما زال الوضع متأزما. كيف تقيم الوضع الأمني؟
- هذا سؤال مهم. أعتقد أن هناك مبالغات من قبل الحكومة فيما يتعلق بالموصل ومناطق أخرى لأن المعلومات التي أمتلكها تفيد بأنه لا توجد استراتيجية واضحة وكاملة لإزاحة «داعش» الآن. حتى الجهد الاستخباراتي محدود ولا وزن له والقصف الجوي من بلدان التحالف محدود التأثير وقد يمنع انتشار «داعش» إلى حد ما، لكنه لن ينقض على «داعش» ما لم تشترك قوات أمنية عراقية في المعارك. والقوات الأرضية العراقية يجب أن تكون قادرة كقوات خاصة أن تقوم بعمليات جراحية ونوعية تستهدف مراكز القيادة والسيطرة في «داعش». هذا ليس موجودا حاليا. لكن الأهم من ذلك كله، هو كيف نحقق تعبئة جماهيرية ضد «داعش» في المناطق التي يسيطر عليها. بالطبع، سيطرة «داعش» كان لها أسباب من بينها ضعف البنية المجتمعية والانقسام المجتمعي الذي صار في العراق، ومنها السياسات الخاطئة الطائفية والتهميش والإقصاء وإلى آخره. وحتى تفكيك وحل الجيش، حتى الذي أعددته أنا وأيضا تم تفكيكه مرة أخرى بطريقة غير مباشرة، أيضا هذا كله ساهم في أن تكون المنطقة حاضنة لقوى التطرف.
بصراحة هناك مساران، المسار الأول المسار العسكري لتحرير هذه المناطق وهو مهم طبعا، ولكن المسار الأهم هو كيف ننفتح على هذه الجماهير وكيف نحشدها وكيف نضمن لها مستقبلا واعدا. لكن هذا الجانب مفقود، بالإضافة إلى جوانب مهمة في استراتيجية مكافحة «داعش» ولهذا أعتقد أن المعارك ستطول ومن غير المعروف أيضا ماذا سيحصل بعد أن تطرد «داعش» من هذه المناطق، فيما يتعلق بقوانين اجتثاث البعث وقوانين الإرهاب والتمييز الطائفي والسياسي وفيما يتعلق بتنمية هذه المناطق وإعادة الإعمار. يضاف إلى هذا، الانقسامات في بعض الأحيان تحصل خارج هذه المدن بسبب حالات النزوح الواسع للمواطنين الأبرياء ومحاولات إيجاد مأوى لهم تتراجع يوما بعد يوم، خاصة في هذه الظروف القاسية. لهذا الموضوع كله يحتاج إلى استراتيجية واضحة غير موجودة حتى الآن.

* فيما يخص تعبئة الجماهير، اجتمعت الحكومة مرات عدة مع شيوخ وممثلين عن المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، ألا يوجد لهم تأثير في تلك المحافظات؟
- الحقيقة هم يمثلون جزءا، ولكن مع احترامي لمن تدعي الحكومة أنهم يمثلون المناطق فإنهم لا يمثلون القوى الرئيسة الفاعلة. وبصراحة فإن الانتقائية مسألة خطيرة تصب في شق المجتمع وزيادة الانشقاقات حتى في الوسط المعادي للتطرف. وحذرت بعض الحكام في بغداد وحذرت الدول المعنية بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ودول في المنطقة نفسها، من أن الاعتماد على مجموعة من دون المجاميع الأخرى العاملة ومن دون المواطنين الساكنين في مناطق سيطر عليها «داعش» سيؤدي إلى المزيد من الانقسامات في الواقع الاجتماعي، مما يشكل خطورة مستقبلية واضحة. هناك قوى كثيرة مفصولة عن الاهتمام والدعم الحالي وذلك يمتد إلى ما تم الاتفاق عليه قبل تشكيل الحكومة. ففي حينها تم إقرار صيغة من قبل كل القوى السياسية تقريبا وفي مقدمتها نحن وآخرون منها جبهة الحوار وكتلة متحدون تنص على أنه لا بد من تشكيل الحرس الوطني ضمن إطار الدولة وبإشراف الدولة وبشكل قانوني. هناك تلكؤ في هذا الأمر، فحتى مسودة مشروع قرار لم تقدمه الحكومة، مما يشكل خطورة حالية ومستقبلية. فلن يكون بمقدور مجموعة من العشائر والوجهاء فقط السيطرة على الأوضاع في المحافظات عندما يفر، بإذن الله، «داعش». والخطورة تكمن فيمن سيضمن الاستقرار في المحافظات، خصوصا إذا عرفنا أنه مع الأسف الشديد هناك بعض حالات التطهير المذهبي الذي يسيء إلى الوضع العراقي ويعقد الأزمات أكثر مما يفرجها، منها في حزام بغداد ومحافظة ديالى وغيرها من المناطق.

* من يقوم بهذا التطهير العرقي؟
- هناك ميليشيات وهناك أناس خارجون عن القانون وهناك جهات غير معروفة أصلا. في بعض المناطق، مثل حزام بغداد وجرف الصخر والمدائن والمناطق القريبة من أبو غريب، حصل نزوح مدني واسع، وترك السكان أماكنهم وأصبحوا لاجئين في مدارس وكنائس وجوامع. ولا تزال عمليات الاعتقال والخطف والترويع مستمرة. هذا يعكس غياب منظومة الدولة الأمنية في متابعة الأمور ومعالجتها. هذه كلها تضيف تعقيدات إلى محاربة «داعش».

* موضوع الحرس الوطني سيحتاج سنوات عدة من حيث التشكيل والتدريب حتى في حال تمت الموافقة على قانونه، فهل يمكن انتظار سنوات لحل هذه المعضلة؟
- بالتأكيد لا يوجد وقت يكفي. تحدثت مع وزير الدفاع والولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول العربية وطلبت منهم إعادة تدريب ما لا يقل عن 3 فرق من القوات الخاصة حتى تقوم بالجهد الرئيسي. وكنا ننتظر أن يخرج مشروع يناقش ويضع الحرس الوطني في إطار القوات المسلحة وتحت رقابة ولا يبقى مقتصرا على محافظات معينة بل يكون في جميع المحافظات. ولكن لم يتم تقديم مثل هذا المشروع لبحثه. وخلال الأشهر الماضية منذ تشكيل الحكومة إلى اليوم لم تنفذ الحكومة هذا الوعد الذي أطلقته. خارطة الطريق الذي قدمناها حول الحرس الوطني كانت واضحة، ودارت حوارات حول تشكيل الحكومة على أساس أن يكون الالتزام بخارطة الطريق، لكن حتى الآن لم يتم هذا الشيء.

* هناك من يخشى أن الحرس الوطني سيؤدي إلى اقتتال بين أبناء المحافظات، مع بقاء المشكلات السياسية القائمة؟
- كلا، إذا صدر قانون واضح يحدد صلاحيات الحرس الوطني وتسليحه ومدى صلاحيته ومن سيكون المسؤول عنه ومن في الحكومة يشرف عليه، بالإمكان أن يمنع القانون مثل هذا الانفلات. لكن تأخرنا في تحقيق ذلك وتمرير القانون. هناك بالطبع خوف من عسكرة المجتمع التي تصب في تمزيق المجتمع وإذا لم يضبط الأمر وبحدود معقولة للمحافظة على أرواح المواطنين يمكن أن تحصل مشكلات كبيرة في حال انتقل النهج الطائفي السياسي إلى صراع مسلح لا سمح الله.

* هل من الممكن تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية في العراق مع هذا النهج الحالي؟
- اشتراكي في الحكم هو لثلاثة أسباب، الأول أن قوى سياسية واسعة طلبت مني ذلك، والسبب الثاني هو أن المصالحة الوطنية من اختصاصاتي، وثالثا لقناعتي بأن العراق لم يستثمر هذه المرحلة لقد يتشظى لا سمح الله. وأعتبر أن هذه الفرصة الأخيرة للعراق ليخرج من هذه الأزمة وبخلافه فالعراق ماض نحو خطر كبير جدا. وعندما قدمت مشروع المصالحة، كانت هناك جهات نافذة رافضة له. المصالحة هي باتجاهين متكاملين، الأول إلغاء العقبات مع من يجب أن يتصالح المرء معهم وأن يكونوا جزءا من المجتمع، مثل البعثيين الذين لم يرتكبوا جرائم والقوات المسلحة والمقاومة التي قاتلت الأميركيين وهذا حق مشروع لأي شعب في حالة الاحتلال. هذه الأطراف ينبغي التصالح معها وإدخالها إلى العملية السياسية لتكون جزءا منها من دون تمييز وتهميش وترويع. نحن نستثني من ارتكب جرائم بالطبع. المسار الثاني هو الخروج من المحاصصة الطائفية التي لا تبني دولة أو مؤسسات دولة. لكن هناك رفض من بعض الفئات النافذة، من السنة والشيعة، الذين أصبحوا مستفيدين من هذه الحالة وترافقه اعتراضات وتدخلات من الخارج. لكنني مؤمن بأنه لن ننتصر على «داعش» ما لم تحصل مصالحة حقيقية ونطوي صفحة الماضي.

* لكن من يوجد في الحكم موجود بسبب المحاصصة الطائفية، فالمستفيد من الحال كيف يغيره؟
- هذا هو الامتحان الكبير. أنا اخترت رئيسا للوزراء وطلب مني تأجيل الانتخابات لمدة سنتين ورفضت، وطلب مني لاحقا أن أنضم إلى قائمة (انتخابية) تمثل طائفة بعينها ورفضت هذا الأمر لأن ذلك سيؤدي إلى تمزيق البلاد. وعندما أجريت انتخابات، علمت أنني لن أفوز ولكن مع هذا قمت بذلك. وهنا الامتحان الكبير للمسؤولين والسياسيين، هل هم جاهزون لكي يتقدم العراق باتجاه الوحدة المجتمعية أم غير جاهزين؟ مستعدون للتضحية بمواقعهم لأن أحدهم جاء تمثيلا للشيعة أو السنة؟ إذا تقوقعنا بحسب الطائفة والعشيرة سنُدمر. الانتماءات محترمة ومقدسة لكن عندما تصبح الهوية هوية تمييز في المجتمع هذا يؤدي إلى انكسار المجتمع.

* لماذا تعتبر أن هذه الفرصة الأخيرة، ماذا يعطي هذه المرحلة فرصة للانتقال من الخلافات؟
- هناك 3 مقومات، أولا التغيير الذي حصل بتسمية رئيس وزراء جديد وحكومة جديدة، ورغم المطبات الموجودة لكن هناك تغيير باتجاه تحقيق الديمقراطية. الجانب الثاني، هو أن المخاطر الإرهابية تهدد جميع العراقيين وكل المجتمع، والخطورة على الجميع لا مجموعة معينة. وثالثا، المنطقة كلها ملتهبة وأصبح الالتهاب في سوريا ينعكس على العراق مثلما رأينا في مسألة «داعش». هذه الجوانب الثلاثة يجب أن تحفز النخب السياسية من دون استثناء ودول المنطقة على ضرورة إنقاذ العراق، لأن انهياره لا سمح الله سيؤدي إلى المزيد من التمزق في المنطقة.

* هذا الخطر ينطبق على دول المنطقة، فكيف يمكن أن يساعد الانفتاح الأخير على الدول العربية في تخطي الخلافات؟
- أنا كنت دائما مع الانفتاح على الدول العربية على الرغم من الملاحظات الموجودة على الأنظمة المتعاقبة التي جاءت إلى العراق. ويجب ألا يخلع العراق ثوبه العربي ولا ثوبه الإسلامي ويجب ألا تنفرد دولة أو دولتان بالعراق مستغلة الضعف الذي حصل بعد الاحتلال بتفكيك الدولة.

* الإشارة هنا إلى إيران؟
- نعم وقمت سابقا بمبادرة اجتماع شرم الشيخ الأول وحضرته جميع أطراف المنطقة والآن أتقدم بنفس الدعوة. وقلت للأخ رئيس الوزراء إننا بحاجة إلى مؤتمر إقليمي لوضع خارطة طريق للخروج من الأزمة في المنطقة عموما وخاصة في المناطق الأكثر اشتعالا، مثل العراق وسوريا وليبيا وآخره. وهناك من وافق على مثل هذا المؤتمر في العراق وفي عدد من الدول العربية، ولكن هناك من تحفظ. لكن الأغلبية رحبوا لأن الحقيقة هي أن الجميع خائف.

* هل تشمل العودة الحكومة السورية؟
- لا باستثناء سوريا، لأن سوريا لا تملك حكما بمعنى الحكم، لكن الآخرين نعم ممكن أن يحضروا. نحن بحاجة إلى مبادرة قوية من العراق ورأيت استعدادا من جانب دول عربية.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».