تابوهات ليلى سليماني

حققت مبيعات عالية على المستوى العالمي وتُرجمت أعمالها إلى 18 لغة

تابوهات ليلى سليماني
TT

تابوهات ليلى سليماني

تابوهات ليلى سليماني

تفضل ليلى سليماني، الكاتبة الفرنسية المغربية الأصل، أن تكشف الجانب الخفي من حياة البورجوازيين المنزلية: شخصياتها المخبوصة بحكاياتها الدرامية النفسيجنسية مدهشة بذات الطريقة التي تدهشنا بها كرة من الشَّعر تسببت في حجز الماء حين نظل نسحب ونجد المزيد مما تحمله، مقاومين رغبةً في التقيؤ. روايتا سليماني الأوليان: «في حديقة الوحش» (نُشرت مترجمة عام 2019 بعنوان «أديل»)، وروايتها الفائزة بجائزة الغونكور «الأغنية الحلوة» (نُشرت مترجمة عام 2018 بعنوان «المربية الكاملة»)، تعرضان، على التوالي، الشبق النسوي وقتل الأطفال، مع أنهما تَحدثان في مشاهد باريسية منزلية مريحة.
ليلى سليماني كاتبة حققت مبيعات عالية على المستوى العالمي –تُرجمت أعمالها إلى 18 لغة والمزيد قادم– ونشرت مطبوعات محترمة مثل «النيويورك تايمز بوك ريفيو» و«النيويوركر» مراجعات متوهجة حول أعمالها. ويمكنني أن أفهم لماذا يجد العديد من القراء هذه المتعة الكبيرة في قراءة سليماني: إنها تكتب رواياتها كما لو كانت أفلاماً؛ فهي مفعمة بتحكم عفوي بأنواع التحرك والترقب والصور المفاجئة التي تجعل مشاهدي السينما على أعصابهم.
وفي حين أن هذه مقادير مناسبة للنجاح التجاري، فإنها ليست معياراً للقيمة الأدبية. على الرغم من كل القوة والجسارة التي تتعامل بها سليماني مع الموضوعات التي «لا تقال»، فإن موهبتها تكمن في مجالين رئيسين: إقناع الآخرين بأنها أول مَن كسر حدود تابوهات مكسورة سلفاً، واختراع حبكات مثيرة تمنح القارئ كمّاً لذيذاً من الصدمات وتُنتج ما في الخطيئة من قشعريرة تتراوح بين المعتدلة والضخمة (حسب حساسيات القراء) وكلها نتيجة لإغراق معظم القراء في أفعال من المتوقع أنهم يتنكرون لها –مثلاً قلب عربة رضيع مملوءة برضيع ومشتراوات البقالة.
منذ فازت روايتها «المربية الكاملة» بأرفع الجوائز الأدبية الفرنسية (الغونكور) عام 2016، وسليماني تحتل الواجهة بوصفها أكثر وجوه الأدب الفرنسي حضوراً في المشهد (واللغة الفرنسية حيث عملت سفيرة الرئيس ماكرون للشؤون الفرنكوفونية، وهي وظيفة قَبِلتها بعد أن رفضت عرضاً بأن تكون وزيرة للثقافة). ومع الصعود المستمر لمكانة سليماني وتأثيرها، من المهم الاقتراب أكثر من أعمالها والتعرف على قيمتها سواء من حيث هي أدب ومن حيث هي تدخّل في السياسات النسوية الدولية، مثل الصراع ضد القوانين القمعية في المغرب التي تعاقب المثلية والجنس خارج الزواج.
هل الإثارة التي سبّبتها سليماني تستحق فعلاً التكريم (والمبيعات الضخمة) التي حققتها أعمالها؟ وإذا نظرنا إلى أن روايات سليماني وأعمالها غير السردية تتصل بالطبقة والجنس والجنسية، هل لكسرها التابو فعلاً تأثير يؤدي إلى تسوية التعقيدات الصعبة؟ أخشى أن أسلوبها المميز يؤدي في النهاية إلى تعميق، ربما دون قصد، الثنائيات والتقسيمات التي ستنتقدها سليماني بالتأكيد من حيث هي مثيرة للبغضاء.
لقد حصلت سليماني في فرنسا على تكريم مبهر: اعتُبرت ثاني شخص فرنسي في العالم من حيث التأثير (بعد مصمم الأزياء هيدي سليمان مباشرةً وقبل نجم كرة القدم كيليان مبابي)؛ وأُثنيَ على مناداتها الشرسة بحقوق المرأة (في المغرب بصفة خاصة)؛ وأُفردت لها صفحات المجلات البرّاقة التي تُظهرها تلبس الأزياء على طاولة مطبخها، وبأناقة آسرة.
كان صعود سليماني صاروخياً إلى درجة أن السياسي الاشتراكي مانويل فالز، حين أعلن ترشحه للرئاسة الفرنسية عام 2016 وضع سليماني على نفس المستوى الذي يقف عليه عمالقة الأدب: «روح فرنسا هي الثقافة، الإبداع، وتميزنا الرائع، إرثنا، مشاهدنا، إبداعنا، هي التقنية الفرنسية المعروفة في كل القارات، ولكنها أيضاً لغتنا، اللغة الفرنسية: لغة رابيليه، هوغو، كامو، سيزير، بوفوار، موديانو، أو ليلى سليماني».
تعمل اللغة بيدي سليماني على صدمة القارئ على مستويين: أولاً، بتقديم محتوى مثير يتضمن الجنس والقتل (بين موضوعات أخرى)، وثانياً، بسرد المحتوى بعاطفة ونغمة متماسكة على نحو درامي. نستطيع أن نرى ذلك النزوع إلى الصدمة في روايتي سليماني الأوليين.
تتضمن رواية «أديل» قصة صحافية باريسية تتسم بالشبق النسوي ولا تستطيع السيطرة على رغبتها في معاشرة الرجال دون تمييز، وبغضّ النظر عن الخطر الذي يمثله هذا الإدمان على حياتها البورجوازية المحترمة التي يشاركها فيها زوج جراح وابنهما الصغير. تمضي الحبكة إلى الأمام مثل سيارة تتحرك نحو حافة جبل وباتجاه نهاية غير سعيدة لا يحصل فيها أحد على ما يريد ويخسر فيها الجميع ما يملكون.
«المربية الكاملة» تقدم أيضاً نهايات غير سعيدة للجميع في حكايتها المرعبة التي تدور حول مربية بيضاء اسمها «لويس» تنضم أو تتسلل إلى حياة زوجين باريسيين من المهنيين الشباب (مريام شارفا، محامية متخصصة في قانون الجريمة، وزوجها، بول ماسي، مهندس صوت في بداية صعوده). «لويس» التي يطاردها ماضٍ بائس وما يبدو أنه اضطراب في الشخصية، تصل إلى نهاية تقتل فيها الطفلين اللذين في عهدتها.
رغبة سليماني في إحداث صدمة تتضح منذ السطر الأول لرواية «المربية الكاملة»: «الرضيع ميت». بتعبير أورسولا ليندسي، في مراجعة للرواية في «النيويورك بوك ريفيو»، «تملك سليماني القدرة على تعليق القارئ بمقدمات مثيرة توصلها بنغمة واقعية على نحو مرعب. نثرها الموجز يبدو لي –على الرغم من تصميمه على إحداث صدمة– حَذِراً ومحاطاً بطوق ضيق ولكنه مؤثر».
إذا كان نثر سليماني مؤثراً في سحب القارئ معه، فإن ذلك بالتأكيد نتيجة للواقعية الصارمة التي تروي بها أشياء مرعبة. هذا الإفراغ من العاطفة، الخلو الذي تتسم به الكتابة، أدى إلى مقارنات مع ألبير كامو وإرنست همنغواي. لكن تخلَّف نثر سليماني عن اللحاق بأسلوب أيٍّ من الكاتبين يتضح في كونه مصمَّماً لهدف واحد هو جعل القارئ يقف على قدميه.
التلقي النقدي الإيجابي شبه العالمي لأعمال سليماني يتكئ على نزعة قرائية باتجاه التماهي: يثير عملها أولئك الذين يقرأون ليقيموا في نص وفي شخصيات ذلك النص، ليتوحدوا بهم. تعبّر لورين كولنز، فيما نشرته في مجلة «النيويوركر» عن هذه الدينامية بدقة حين تصف مشهداً يطاردها أكثر من غيره في رواية «المربية الكاملة»: «إنك تشعر بغضب بول، بقدر ما تشعر بمقدار الصدمة التي لا بد أنه سبّبها للويس».
إذا كانت «كولنز» مطارَدة بمشهد يُظهر «بول» البورجوازي البوهيمي غاضباً من «لويس» البيضاء المنتمية إلى الطبقة العاملة لأنها أغرقت «ميلا» الصغيرة بالمساحيق، فإن ذلك لأنها تتماهى مع هاتين الشخصيتين المختلفتين جداً وتعيش عواطفهما كما لو كانت عواطفها هي. مقطع مثل ذلك لا يراه قارئ مثلي لا يقرأ نصاً لكي يصير شخصاً آخر. ما يحدث بدلاً من ذلك هو مشهد مصطنع، مشهد مصنوع بعناية للتعبير عن هوّة تفغر فاهاً في الطبقة والتعليم اللذين يفصلان «بول» عن «لويس» (اختلاف يتكرر المرة تلو الأخرى عبر الرواية وبأساليب مبالَغ بها). «لويس»، مثلاً، لا تستطيع أن تتقبل إتلاف الطعام (تطلب من الأطفال الذين تعتني بهم أن يلعقوا علب الزبادي حتى تنظف، وتستعيد هياكل الدجاج التي لا تزال عظامها مكسوّة ببعض اللحم). بالنسبة إليّ قراءة سليماني تشبه تجربة الدغدغة حين يكون المرء غير قابل لذلك –أي ليست تجربة ممتعة كثيراً، حتى إن كانت متعة للآخرين.
بنشر سليماني رواياتها ذات الطابع التلصصي الاستثاري، نجحت في إيجاد الانطباع بأنها محطِّمة للتابوهات. تقول كولنز: «تحت غطاء حبكة استثارية تتحدى سليماني موضوعاً ممنوعاً آخر: رغبات المرأة». وسليماني بدورها تقبلت هذا الدور، متفقة معه بسرعة ومعيدة إنتاج تأطير المرأة بوصفه تابوهاً أبدياً. بتعاملها المباشر مع جنسانية المرأة ونفسانيتها في «أديل» و«المربية الكاملة»، تتقمص سليماني دور «التي تكسر الصمت المحيط بالمرأة». ومع ذلك فإن السؤال: أي تابوهات انكسرت يا ترى في أيٍّ من الروايتين؟
وفي حين يبدو بدهياً أن البطركية لا تزال حية تُرزق في العالم، فإن سليماني أبعد ما تكون عن الأسبقية في تناول القلم ورفع الغطاء عن تجارب المرأة ورغباتها وجسدها. منذ وُجد الأدب والنساء يرفعن أصواتهن، منذ العصور الوسطى حتى الآن (انظر: كريستين دي بيزان وإيلواز في «إيلواز وأبيلارد» اللتين تقطر رسائلهما بالهياج الجنسي والرغبة). في القرن الأخير وحده، في الأدب الفرنكوفوني، نجد العديد من الأمثلة. رواية كاترين مييه «الحياة الجنسية لكاترين م» (2001)، التي حصلت على جائزة «بري ساد»، ورواية بولين رياج «قصة أو (o)» (1954)، على سبيل المثال، كلتاهما تتناولان موضوعات «التابو» الجنسية، بينما رواية «الأيام الحية» (2013) لأناندا ديفي تبرز امرأة تفضّل الجنس مع الأطفال.
تناوُل سليماني للجنس في «أديل» يبدو مروَّضاً إلى حد بعيد بالمقارنة. أما التابو المفترض فيما يتعلق بموضوع رغبات المرأة خارج مملكة الجنس، فليس ثمة نقص في الأعمال الأدبية التي تتحدث عن طموحات النساء، شعورهن بالقيود في المجال البورجوازي المحلي –فرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار تحضران إلى الذهن هنا. أو لو أخذنا موضوع قتل الأطفال: ذلك أيضاً موضوع مطروق منذ أمد بعيد على يد ميديا (في الأسطورة اليونانية).
لكن الواضح من أعمال سليماني غير السردية أنها وضعت ثقلها في الأعمال السردية التي تُظهر حياة النساء ورغباتهن بوصفها موضوعات ممنوعة. في حين أن أعمال سليماني السردية المثيرة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن كتاباتها غير السردية المتسمة بالهدوء، فإن كلا اللونين من الكتابة يرويان ويؤكدان المرأة - التابو بطرق تضع سليماني كما لو كانت محطِّمة استثنائية للتابوهات: الكاتبة الهادئة المعنية بالجانب المثير والمظلم من حياة المنزل البورجوازية الأنثوية؛ المدافعة المتحمسة عن حقوق المرأة في كفاحها ضد السلطات البطركية القامعة والمبنية على الاحتفاظ بتابو المرأة ومحو تجارب النساء.
في عام 2017 نشرت سليماني كتاباً كاملاً بعنوان «الجنس والكذب: الحياة الجنسية في المغرب» (الذي تُرجم إلى الإنجليزية عام 2020 للأسف بعنوان «الجنس والكذب: حكايات حقيقية حول الحياة الحميمة للنساء في العالم العربي»، عنوان يمحو الخصوصية المغربية للكتاب). الكتاب مكرّس لمنح أصوات النساء منصة قد لا تُسمع تلك الأصوات من دونها. ليس لديّ شك في قوة مجموعة كهذه من الشهادات. لكن العمل لم ينشره ناشر مغربي أو يوجَّه إلى جمهور مغربي؛ نشره ناشر باريسي لجمهور فرنسي (والآن، بترجمته إلى الإنجليزية، يتوفر لجمهور أنغلو - أميركي).
بتناولها موضوعاً مغربياً وعينها على جمهور فرنسي، فإن سليماني تضع الخيط في إبرة تُعلي من شأن قيم التنوير الفرنسي (التي يُستشهد بها عدة مرات في الكتاب كما لو كانت قيماً كونية) وذلك بتصوير الكبت الجنسي المغربي على خلفية غرب أكثر حرية (دون أي نقد للوجوه التي تكشف أن فرنسا ليست فردوساً نسوياً، كما يتضح من ترقية متهم بالاغتصاب إلى أعلى مراتب الحكومة).
ترويج سليماني لقيم التنوير الفرنسي يتضمن نقداً لأولئك المفكرين الفرنسيين الذين قد يصفون مواقف كالتي اتخذتها هي –أنه لا توجد حرية جنسية في المغرب؛ أن الجنسانية في العالم العربي بؤس جنسي– بأنها نوع من الجوهرانية. إنها تتبنى موقع المؤيدة (تلك التي تمنح صوتاً لمن لا صوت له) في ممارسة خيرية مستجيبة لضمير حي ومنطلقة من امتيازها كفرنسية مغربية قادرة على التحرك بحرية بين كلا العالمين. إنني لا أشك في حسن نيات سليماني، ولا أشك في الحاجة إلى تأييد كهذا، لكن من الصعب ألا يرى المرء «الجنس والكذب» بوصفه عملاً يؤكد الاستثناء الفرنسي ويسمح بظهور الإسلاموفوبيا كما لو كانت اهتماماً بحقوق المرأة.
بعد فوز سليماني بجائزة «الغونكور» عام 2016، نشرت صحيفة «اللوموند» مقالة عنوانها «امرأة، شابة، مولودة في بلد أجنبي: ليلى سليماني، بروفايل غير معتاد بين جوائز الغونكور»، الأمر الذي يُبرز إلى أيِّ حد اختلفت سليماني، من حيث هي كاتبة مغربية وامرأة في ريعان الشباب، عن الرجل الفرنسي الأبيض الذي تذهب إليه الجائزة عادةً. أود أن أقول إن اختلاف سليماني عن النمط هو بالضبط ما جعل الجائزة تذهب إليها: استثمار الكاتبة في قيم التنوير (أي القيم الفرنسية) إلى جانب اختلافها العرقي والجنساني، يسمح للمؤسسة الأدبية والثقافية الفرنسية بأن تظل محافظة بينما تبدو كأنها تقدمية.
تدّعي فرنسا أنها أقل عنصرية من الولايات المتحدة، لكن سياساتها «المتعامية عن اللون» بصرامة هي سياسات تساوي نفور ترمب من اختبار «كوفيد». هنا يصبح منطق «إن لم نفحص لن تكون لدينا حالات» مساوياً لمنطق «إذا لم تقس العنصر، فلا عنصرية لديك». ومع ذلك، يُظهر نجاح سليماني أن فرنسا تستطيع أن ترى اللون ولا تخشى استعماله.
المصدر: «ببلِك بوكز» Public Books:
1 يناير (كانون الثاني)، 2021.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».