توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

عيد صالح يكشف تناقضاته في «ماذا فعلت بنا يا مارك؟»

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً
TT

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

يبدو سؤال الشاعر عيد صالح في ديوانه «ماذا فعلت بنا يا مارك؟» الصادر عن «دار الأدهم» بالقاهرة، وجودياً بامتياز لا يبحث عن يقين ما ولا ينتظر إجابة محددة، مسكوناً بغرابة انخفض فيها سقف الخيال المفتوح على براح المجهول، وأصبح حقيقة تمشي على الأرض بقدم عرجاء وروح مشوهة. كما ينفتح على ضجر العالم وصخبه، ويبرز كسؤال هوية مبتورة وهشة، تفتش في الانتماء عن معنى الانتماء نفسه، وفي الحرية عن معنى الحرية نفسها، وفي الفوضى عن معني آخر للجنون والهذيان.
لا شيء قابلاً للصدق والكذب في الفضاء السيبراني، بل لا شيء موجوداً أصلاً. هكذا على عتبة نفي كأنه الإثبات، وإثبات كأنه النفي، تبني الذات الشاعرة موقفها من الوجود والواقع والعالم والأشياء؛ متخذة من هذا الفضاء دلالة على المسخ والتكرار، ونفي القدرة على التفرد والخصوصية، في وقت أصبحت فيه الحياة مجرد مجموعة من الحجرات مفتوح بعضها على بعض، كاسرة أفق التجاور الرخو في اللامكان واللازمان، إلى حد شرعنة التعرّي كملاذ وحيد للتخفي، حيث لا حقيقة مجردة مكتفية بذاتها، إنما في قدرتها على العيش في كنف الضد، كأنه كينونتها الهاربة المسكوت عنها...
يحدث هذا في اللحظة نفسها والزمن نفسه، سواء هنا أو هناك، أو فيما مضى، وما هو كائن، وما سيكون. على هذه الأرضية، تتناثر أسئلة الذات وحيرتها الشائكة الملتبسة المستريبة من كل شيء في قصائد الديوان وصفحاته التي تربو على المائتين. وبروح غاضبة يخاطب الشاعر «مارك زوكربيرغ» مؤسس موقع «فيسبوك» وصانعه، ويصب جام غضبه عليه إلى حدّ اللعنة، في نص بعنوان «مارك» يقول فيه:
«هذا اللعين مارك
نزع الفرادة والخصوصية
حتى الجينات تمازجت
لتُنتج مسخاً
أراني في كثير من الوجوه والنصوص
حتى ذلك القروي الذي كان يقف بالساعات
ليحظى بنظرة خاطفة
والذي طارد في أحلامه مارلين مونرو
وظلت صورة شيري ماكلين بالأبيض والأسود
مع صورة هيمنغواي وجون كينيدي
في حافظته حتى بليت.
كلهم شعراء وفلاسفة وجنرالات
كلهن ملكات جمال الفيس
هكذا يبدو المشهد في هذا الفضاء السيبراني اللاهث حيث كل شيء مركب ومتجزّأ، مادي وغير مادي، محسوس ولا محسوس، ما ينعكس على مغامرة الذات في فضاء الشعر الرجراج، ويصبح الشك نزعة أصيلة لمحاولة المعرفة، بل محاولة التكيف والإذعان.
ولا يهم أن تتم هذه المحاولة باسم التمرد أو الرفض أو الخديعة، فكلها صور للاستلاب يكشف عنها الديوان، ويعرّي تناقضاتها على مسرح لا بداية له ولا نهاية، فليس ثمة نص محدد، أو صراع معلوم، أو حبكة يمكن أن تكسر منطق التأويل المفرط للشيء، واللا شيء معاً، في الفهم والإدراك وفك التباس الدالّ بالمدلول، التباس الشك باليقين، الفوضى بالضرورة، الصورة بالأصل، وقبل كل شيء التباس الحقيقة بظلالها، في هذا الفضاء اللاهث المجنون.
ومن ثمّ يبرز في الديوان ما تمكن تسميتها «ازدواجية المعنى»، وتتجلى على مستويات شتى: اللغة والشكل والمضمون، الرؤية والمغامرة مع الداخل الذاتي والواقعي العام، كما تعلو نبرة التهكم والسخرية وتصبح سلاح الذات في مواجهة رعب عالم افتراضي، لم يعد فيه المجهول أسطورة إنما حقيقة معيشة ومعطى يومي، أصبح من مفردات الحياة ونثرياتها الاعتيادية المألوفة... تعي الذات الشاعرة ذلك، وأنه ليس أمامها، سوى الاشتباك مع هذا العالم الجديد والتفاعل مع مغامرته السيبرانية، حتى تخلص لسؤالها الخاص، ابن الشعر والحياة، وتدفعه نحو الجِدة والمغامرة.
تعاود الذات الشاعرة مساءلاتها لمارك برؤية مغايرة، تنصّبه خصماً، وتحت شرف الخصومة تحاوره بحدّة، مستندةً إلى حائط التاريخ، لإعادة القراءة واستجلاء الحقيقة، وطرح الأسئلة من جديد. مثلما يطالعنا في نص بعنوان «كيف؟» يقول فيه:
«كيف حدث هذا
مَن منّا حذف الآخر يا مارك
لا أتصور إلا أن تكون مشاغبة منكَ
لن أذهب حد المغامرة الكونية
التي تتربص بي فيمن أحبّ
دَعْكَ من ألاعيب الواقعية السحرية
والتي أشعلتَ بها الحروب والقلوب
وجمَّعتَ العشاقَ والمراهقين والمتصابين والفصاميين
بنواصيك ونواديك
لا يتصالح الشاعر مع «مارك» الأميركي اليهودي رغم أنه يخاطبه في النص الذي وسم عنوان الديوان (ص 88) بالعبقري الشرير، صاحب الفضاء الفاجر، وفي الوقت نفسه، يذكّره بـ(ألفريد روزينبورغ، الألماني مفكر النازية الشهير أحد المقربين من هتلر، في أثناء الحرب العالمية الثانية: «ككم لصوص يا روزينبورغ - ونحن قرويون سذج - لا نزال نصفق لمهرج السيرك - وهو يحصد أرواح العالم - في عنجهية»).
أيضاً لا يومض التاريخ في النصوص كعظة أو عبرة، أو قناع لحكاية مكتملة، انتهت فصولها إلى غير رجعة، وإنما يأتي كسؤال مفتوح على الماضي والحاضر، يتنوع بصيغ ورؤى فنية وشعرية متباينة، كاسراً أفق التوقع؛ تارةً بالموازاة مع الوجع والحلم الإنساني ونشدانه العدل والحرية والشعور بالأمان. وتارةً بتوظيف آلية الإرجاء والاحتمال، وتغييب المشبه به، لإبراز هشاشة العلاقة في عالم رتيب، أصبح الضجر قانونه السائد.
أضف إلى ذلك، إبراز «اللاءات»، في عناوين الكثير من النصوص (لا شيء، لا وقت، لا أحد، لا ضير، لا أجد ما أقوله، لا أجد ما يليق بك)، وفي الوقت نفسه تأكيد فعل الإرادة (أريد قصيدة لا تمثلني، أريد أن أبكي، أريد أن أحكي)، ناهيك بالاعتماد على صيغة التنكير والكلمة الواحدة، والضمائر المفردة، وأسماء الوصل والإشارة والحال والنفي (أنا، أنت، تلك، كيف، حيث، ليس) وغيرها، ما يجعل العناوين بمثابة مفاتيح خاطفة، تتماثل مع مفاتيح الفضاء السيبراني، والتي تعتمد على مجرد الضغط الخفيف على الزر.
يسهم هذا في تعدد خطاب الذات الشاعرة وينمّي حيوية حوارها مع مرآتها الخاصة، حيث صورة الأم والعائلة وظلال الصِّبا والطفولة وملامسة النشوى الأولى في الطبيعة والأشياء والعناصر، كما تنفتح على العالم في مرايا الآخر، بثنائياته الشرهة وكوارثه وكوابيسه التي لا تنتهي. فيما تصبح أكثر حميمية، تلتمس الونس والدفء في مرايا الشعراء والكتاب من أصدقاء الدرب ومكابدة الفرح بالشعر والحياة... يقول في نص بعنوان «كأن» يختم الديوان:
«كأن المكان يشبه المكان
والمدينة كأنها هي
والمقهى والنادل
والعابرون في الشارع
والرصيف المتهدم
والجونلة المتطايرة
والأعين المتلصصة
والشيخ المحوقل
يصب نظراته ولعناته
مشهد من عمق الواقع اليومي، أراد الشاعر أن يخفف من وطأته بعلاقة مضمَّرة من التشبيه الناقص، تاركاً صداها يتردد في التنديد باغتيالات الزعماء المؤسسين ومنهم: الحريري، وياسر عرفات، والشيخ يس، وفي نداءات الأمل المجهَضة اللاهثة، على رموز الثورة والتحرر (يا عبد الحليم ليست الصورة كما غنيت - يا ناصر، رفعنا الرأس في الميدان - وجزّها الرفاقُ والعسس)... لا يخلو المشهد من إحساس ما بالدراما، لكنه يمر سريعاً فوق السطح، بينما يتكثف في النصوص المشدودة إلى الداخل، حيث الذات تحنُّ لمرثيتها المعلّقة بين الماضي والحاضر، والذي يجسدها الشاعر في نص لافت بعنوان «جريمة» يقول فيه:
«أنا الميت الحي
أجترُّ ماضي الذي كان
كخرقة بجوار حائط متهالك
كقطة تكاثَر الذبابُ حولها
كآثار حذاء مثقوب
في وحل حارة معتمة
كنت أبحث فيها عن أختي الضائعة»
وبعد: عيد صالح، أحد الأصوات المهمة في جيل شعراء السبعينات في مصر، جمع بين خبرة الطب وكهانة الشعر، وها هو يواصل صوته في هذا الديوان، ويدفعه إلى آفاق أرحب بشغف المغامرة والحب.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.