«المهمة المستحيلة» لـ«الصحة العالمية» في ووهان

تسعى إلى تحديد منشأ «كورونا» في البؤرة الأولى

صينيون يزورون معرضاً عن محاربة «كورونا» في ووهان (أ.ف.ب)
صينيون يزورون معرضاً عن محاربة «كورونا» في ووهان (أ.ف.ب)
TT

«المهمة المستحيلة» لـ«الصحة العالمية» في ووهان

صينيون يزورون معرضاً عن محاربة «كورونا» في ووهان (أ.ف.ب)
صينيون يزورون معرضاً عن محاربة «كورونا» في ووهان (أ.ف.ب)

منذ وصولهم الخميس الماضي إلى مدينة ووهان الصينية حيث يخضعون لأسبوعين من الحجر الصحي الصارم في أحد الفنادق الفخمة، يعقد خبراء بعثة منظمة الصحة العالمية المكلّفة بالتحرّي عن منشأ فيروس كورونا المسبب لمرض «كوفيد - 19»، اجتماعات افتراضية كل يوم بعضهم مع بعض، ومع عشرة من زملائهم الصينيين، لتحضير الأنشطة التي من المقرر أن يقوموا بها قبل بداية عطلة رأس السنة القمريّة.
مقابلات مع عشرات الأطباء والمرضى المعافين والتجّار، ومقارنة مئات التحاليل والبيانات، والبحث عن أجوبة لما يحملون وينشأ لديهم من استفسارات. كل ذلك عليهم إنجازه في أقل من أسبوعين عندما يخرجون من الحجر في 28 من يناير (كانون الثاني) الحالي.
الهدف من هذه البعثة التي ولِدت بعد مفاوضات قيصرية وطال انتظار وصولها إلى الصين، هو محاولة تحديد منشأ الفيروس الذي منذ أكثر من عام يقضّ مضاجع حكومات العالم والأوساط العلمية، علماً بأن خبراء البعثة أنفسهم قد نبّهوا مراراً أن التوصّل إلى استنتاج نهائي قد يستغرق سنوات، هذا إذا تمكّنوا من ذلك.
وفيما صرّحت رئيسة قسم الطوارئ الناشئة في منظمة الصحة ماريّا فإن كيركوفي بأنه «من المحتمل ألا نتوصّل أبداً إلى تحديد المريض صفر، أي الذي تعرّض للإصابة الأولى بالفيروس»، قالت عالمة الفيروسات الشهيرة أنجيلا راسموسين: «مثل هذه البحوث التي ستقوم بها بعثة منظمة الصحة هي مشاريع طويلة الأمد. والبحث عن المصدر الحيواني لفيروس قد يحتاج لعقود، وربما لا نتمكّن أبداً من تحديد موقع الخفّاش أو الجنس الحيواني الوسيط الذي انتقل هذا الفيروس عبره إلى البشر».
لكن رغم ذلك، فإن البعثة حيوية في رأي رئيسها بيتر بن امباريك، الأخصائي في سلامة الأغذية وأحد كبار العلماء في الصحة الحيوانية، الذي يقول: «إذا تمكّننا من تحديد المصدر، نستطيع عندئذ منع عودة الفيروس إلى الانتشار بين البشر... وإذا تبيّننا كيف انتقل إلى الإنسان بوسعنا منع تكرار مثل هذه الجائحات في المستقبل... وإذا عثرنا عليه وعرفنا كيف كان قبل أن ينتشر بين البشر، سنكون في وضع أفضل لتطوير علاجات ولقاحات ضد الوباء».
ويشير التوافق الراهن في الآراء بين خبراء البعثة إلى أن الفيروس نشأ في خفّاش، ومنه انتقل إلى الإنسان عبر حيوان وسيط لم تتوصّل البحوث حتى الآن إلى تحديده. وترجّح منظمة الصحة أن يكون هذا الوسيط من فصيلة الثدييات، لكن عدد المشتبه بها يزيد عن 500.
وإلى جانب أهميتها العلمية تحمل البعثة وزراً سياسياً ثقيلاً، خاصة أن الصين تحاول بشتّى الطرق رفض أن يشار إليها بالبنان على أنها مصدر الجائحة التي أصابت أكثر من 90 مليون نسمة وقضت على ما يزيد عن مليوني شخص في العالم حتى الآن. ولا توفّر السلطات الصينية مناسبة إلا وتشدّد فيها على أن الوباء يمكن أن يكون قد ظهر في مكان آخر ثم انتقل إلى الصين التي كانت أول من اكتشفه. وتسعى بكين منذ أشهر إلى تسليط الأضواء الإعلامية على الأنباء التي تشير إلى العثور على بقايا فيروسية في أغلفة أسماك مجلّدة مستوردة من الخارج إلى الصين، أو إلى الدراسات التي رصدت آثار الوباء في أوروبا قبل أشهر من ظهوره في ووهان.
وتوجّه بلدان عدة، في طليعتها الولايات المتحدة، انتقادات للصين بسبب من تعتيمها على كل ما يحيط بالفترة التي ظهر فيها الوباء، ولمماطلتها في السماح للبعثة بالسفر إلى ووهان، مما أدى مؤخراً إلى احتجاج شديد اللهجة من المدير العام لمنظمة الصحة تادروس أدحانوم غيبريسوس، علماً بأن اثنين من الخبراء، أحدهما بريطاني والآخر سوداني، منعا من مواصلة الرحلة واضطرا للبقاء في سنغافورة بحجة عدم استيفائهما الشروط الصحية المفروضة على المسافرين إلى الصين.
يضاف إلى ذلك أن الإدارة الأميركية ما زالت تصرّ على ترجيحها نظرية تسرّب الفيروس من معهد العلوم الفيروسية في مدينة ووهان. وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قد طلب أول من أمس السبت أن تشمل البعثة في برنامجها معاينة لهذا المعهد الذي أكد أن واشنطن تملك معلومات تفيد أنه قبل أشهر من الأزمة الصحية ظهرت على عدد من عمّال المعهد عوارض شبيهة بتلك التي تظهر على المصابين بـ«كوفيد - 19».
الصين من جهتها تصرّ على أن تحديد منشأ الفيروس مهمة علمية، وأن خبراء البعثة يجب أن يواصلوا تحرياتهم في بلدان أخرى. وكان مدير المركز الصيني لمكافحة الأمراض السارية فينغ زيجان قد صرّح بقوله: «منذ اليوم الأول طالبت الصين بتحقيق جماعي تشارك فيه الأسرة الدولية لتحديد منشأ الفيروس، والخبراء الصينيون على استعداد للتعاون مع خبراء البعثة عندما يصلون إلى ووهان لإنجاز مهمتهم».
ومن ناحيته، صرّح مدير برنامج الطوارئ في منظمة الصحة مايك رايان قائلاً: «البعثة ليست في وارد إلقاء اللوم على أحد. نبحث عن أجوبة يمكن أن تنقذنا من جائحات أخرى في المستقبل».
ومن المقرر أن يعقد خبراء البعثة أربعة اجتماعات مع نظرائهم الصينيين قبل الاطلاع على الملفات الطبية للمرضى المعافين والضحايا ودراسة البيانات والعينات البيئية التي لم تكشف عنها بعد السلطات الصحية الصينية، وذلك في محاولة لمعرفة ما الذي حصل بالضبط، وما كان يمكن أن يحصل أو ما لم يخضع لتحليل الكافي، وما يمكن ولا يمكن القيام به الآن لانقضاء فترة طويلة عليه.
وسيقوم خبراء البعثة بزيارة سوق المحار في هوانان الذي يعتبر نقطة بداية الأزمة، ومعاينة الوضع الميداني لمعرفة طريقة عمل سلاسل الإمداد التي كانت تستخدم لنقل الحيوانات التي تباع هناك، وذلك لمعرفة ما إذا كان السوق فعلاً هي المكان الذي انتقل عبره الفيروس إلى البشر.
ومن المنتظر أيضاً أن يزور خبراء البعثة المستشفيات التي عولجت فيها الإصابات الأولى، وأن يتحدثوا إلى الباعة والتجار في السوق، لكن لم يتأكد بعد إدراج معهد العلوم الفيروسية على برنامج زياراتهم.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».