{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

جمهوريون يدعمون الخطوة... ومجلس الشيوخ يستعد لمحاكمة تاريخية

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية
TT

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

للمرة الثانية في عهده، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب شبح عزله في الكونغرس. فقد مضت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قدماً بخطتها لعزل ترمب بسبب «تحريضه على التمرد» في عملية اقتحام الكابيتول، في خطوة حظيت بدعم بعض الوجوه البارزة من الحزب الجمهوري. فانضمام النائبة الجمهورية ليز تشيني إلى داعمي العزل سلّط الضوء على انقسام الجمهوريين التقليديين عن الرئيس الأميركي. إذ إن تشيني هي الثالثة من حيث تراتبية القيادات الجمهورية في مجلس النواب، ودلالات انضمامها للمصوّتين لصالح العزل كبيرة. وقد فسّرت موقفها ببيان قاسي اللهجة، قالت فيه: «ما فعله الرئيس هو خيانة عظمى لمنصبه وقسم اليمين الذي أدلى به لحماية الدستور». وتابعت تشيني، وهي ابنة نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني: «الرئيس ترمب دعا هذه العصابة، وجمعها وأشعل نار هذه الاعتداء. وكل أمر حصل بعد ذلك كان من فعله هو. هذه الأمور ما كانت لتحصل من دون الرئيس. سوف أصوت لعزله».
وقد دفع موقف تشيني بعدد من الجمهوريين لدعم جهود العزل، فقالت الجمهورية جايمي هيريرا بوتلر: «أنا استمعت إلى الحجة التي تقول إن تجنب العزل هو أفضل طريق لعدم إشعال البلاد أو تجاهل الناخبين الجمهوريين. لكني ناخبة جمهورية وأعتقد أن حزبي سيكون أفضل عندما نختار الحقيقة». واتهمت بوتلر الرئيس بالفشل في اتخاذ أي خطوات لوقف اعتداء الكابيتول ووصفت التصريحات التي أدلى بها بعد الحادث بأنها «إدانة مشفقة لأعمال العنف أرسل من خلالها رسالة ضمنية لمباركة المقتحمين».
كما انضم النائب الجمهوري آدم كيزينغر إلى داعمي العزل، فاتهم الرئيس بتحريض «عصابة غاضبة» ما تسبب بمقتل 5 أشخاص. وقال كيزينغر الذي صوت كذلك لدفع نائب الرئيس باتجاه تفعيل التعديل 25 من الدستور: «لا شك لدي أن ترمب نكث بقسم اليمين وحرّض على التمرد».
والتحريض على التمرد كان البند الوحيد المطروح في ملف عزل ترمب الذي صوت عليه المجلس بالأغلبية، لتكون هذه المرة الأولى في التاريخ الأميركي التي يتم عزل فيها رئيس أميركي بسبب هذه التهمة. ويقول البند إن الرئيس الأميركي «أدلى عمداً بتصريحات شجعت ضمنياً وأدت إلى التحركات الخارجة عن القانون في الكابيتول». وذكر نص العزل تصريحات ترمب التي قال فيها: «إن لم تقاتلوا بقوة، فلن يكون لدينا بلد بعد الآن». وغيرها من التصريحات الصادرة عنه والتي اعتمدها المشرعون كحجج أساسية لإثبات قضيتهم. وقال رئيس لجنة القواعد الديمقراطي جيم ماكغوفرن خلال طرح بند العزل: «نناقش هذا الإجراء التاريخي في موقع الجريمة نفسه هنا. والسبب هو رئيس الولايات المتحدة».
وبهذا التصويت، يكون ترمب قد أصبح الرئيس الأول في التاريخ الأميركي الذي يعزل مرتين في مجلس النواب، بعد عزله العام الماضي في قضية أوكرانيا.
* مجلس الشيوخ والمحاكمة
تتوجه الأنظار الآن إلى مجلس الشيوخ، الذي لم يعلن بعد عن برنامج محدد لعقد محاكمة ترمب. وقال دوغ أندريس، المتحدّث باسم زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل، إن الأخير لن يستدعي المجلس قبل تاريخ انعقاده في 19 يناير (كانون الثاني)، أي قبل يوم واحد من تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن، وهو ما يعقّد جهود إطلاق محاكمة الرئيس المنتهية ولايته.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت قبل ذلك بساعات أن ماكونيل يعتبر أن ترمب ارتكب مخالفات يستحق العزل من خلالها، معرباً عن أمله في أن تساعد إجراءات العزل على فصل الحزب الجمهوري عن ترمب. وترددت أصداء هذه التسريبات في صفوف أعضاء الحزب الجمهوري، الذي تحفظ البعض منهم على دعم جهود العزل. وإن تأكد موقف ماكونيل الداعم لجهود الديمقراطيين، فقد ينضم عدد من الجمهوريين إلى زملائهم للتصويت لصالح إدانة الرئيس الأميركي في مجلس الشيوخ، حيث تحتاج العملية هناك إلى أغلبية ثلثي الأصوات.
وقد تحدث ماكونيل، الذي أعرب عن غضبه الشديد من تصرفات ترمب الأخيرة والتي أدت إلى اقتحام الكابيتول، مع الرئيس المنتخب جو بايدن هذا الأسبوع لمناقشة توقيت المحاكمة. وأعرب بايدن عن قلقه من عقدها في الأيام الأولى من رئاسته، خشية أن تؤثر سلباً على أجندته والمصادقة على تعييناته الرئاسية التي يجب أن يبت فيها مجلس الشيوخ. وفسّر البعض هذا التواصل بين الرجلين على أنه محاولة من بايدن لدفع ماكونيل باتجاه استدعاء مجلس الشيوخ هذا الأسبوع للبت في موضوع المحاكمة تجنباً لعقدها بعد العشرين من يناير.
وخيّب رفض ماكونيل استدعاء «الشيوخ» قبل 19 يناير، أمل الديمقراطيين الذين كانوا يسعون لإقناعه بالتجاوب مع مطالبهم، خاصة في ظل تصريحاته الأخيرة الغاضبة من ترمب والتي تحمله مسؤولية خسارة الجمهوريين لأغلبيتهم في الشيوخ. كما أن ماكونيل معروف بنفوذه الشديد على بعض الجمهوريين في المجلس، ومما لا شك فيه أن يؤدي دعمه للعزل، أو عدم معارضته له، إلى انضمام عدد من الجمهوريين إليه، ما قد يزيد من احتمالات إدانة ترمب في مجلس الشيوخ.
لكن الإدانة وحدها غير كافية للحؤول دون ترشح ترمب مجدداً للرئاسة في عام 2024، و«إزاحته» عن الحزب الجمهوري كما يريد ماكونيل، لهذا يتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ في حال الإدانة على هذا الحظر، الذي يتطلب أغلبية الأصوات فقط في المجلس.
وبانتظار التوقيت النهائي للمحاكمة، عينت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي فريق الادعاء في المحاكمة، وسيكون هذا الفريق المؤلف من نواب مسؤولاً عن عرض القضية والأدلة والحجج خلال سير المحاكمة. ويتألف الفريق من تسعة نواب ديمقراطيين على رأسهم النائب جايمي راسكن، وهو أستاذ سابق للقانون الدستوري في الجامعة الأميركية في واشنطن.
** تاريخ العزل في الولايات المتحدة
قبل ترمب، صوت مجلس النواب لعزل رئيسين فقط في التاريخ: الأول هو أندرو جونسون في عام 1868 والثاني هو بل كلينتون في عام 1998. ويحتاج عزل الرئيس إلى الأغلبية البسيطة في مجلس النواب.
أما في مجلس الشيوخ فلم تتم إدانة أي منهما إذ تتطلب الإدانة والخلع أغلبية ثلثي الأصوات.
إذن في حال أدان مجلس الشيوخ ترمب، فسيكون الرئيس الأول في التاريخ الأميركي الذي يدان ويخلع من منصبه.
وبحسب الدستور الأميركي، فإن مجلس النواب هو المسؤول عن البدء بعملية العزل من خلال طرح بنود والتصويت عليها بالأغلبية البسيطة، فيما تنص مهمة مجلس الشيوخ على عقد محاكمة للنظر في الأدلة التي يقدمها لهم النواب المسؤولون عن القضية والتصويت لإدانة الرئيس أو تبرئته في المحاكمة التي يترأسها كبير قضاة المحكمة العليا، ويؤدي فيها أعضاء مجلس الشيوخ دور هيئة المحلفين.
وينص الدستور على أن المحاكمة في مجلس الشيوخ تبدأ في اليوم نفسه الذي يتلقى فيه المجلس بنود العزل من مجلس النواب. ويعطي الدستور رئيس مجلس النواب صلاحية تحديد الوقت المناسب لإرسال البنود.
وبهذا يطرح السؤال: هل يحق لمجلس الشيوخ عقد محاكمة لرئيس بعد انتهاء عهده؟
في حال اعتمد المجلس على محاكمة ترمب بعد نهاية عهده، فستكون هذه سابقة في التاريخ الأميركي، لهذا فليس هناك نص واضح في الدستور يحول دون عقد المحاكمة. الأمر الذي سيفتح الطريق أمام تأجيلها في حال قرر المشرعون اعتماد ذلك. ويشرح أحد المختصين في الدستور الأميركي مايكل غيرهارد القضية من خلال مقال قال فيه: «من غير المنطقي أن يتمكن مسؤولون سابقون أو أي شخص يستقيل في الوقت المناسب من التهرب من هذه الآلية التصحيحية. إذن من الطبيعي أن نقول إنه إذا بدأت إجراءات عزل شخص وهو في منصبه، فقد تستمر الإجراءات إلى ما بعد استقالته أو مغادرته لهذا المنصب». ويتفق الكثيرون مع هذا الرأي القانوني القاضي بأن إجراءات العزل تستمر طالما أنها بدأت خلال فترة حكم ترمب، ليبقى التساؤل الوحيد هو ما إذا كان كبير القضاة في المحكمة العليا سيترأس المحاكمة أم لا في هذه الحالة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».