ميريل سبارك.. البحث عن الجزة الذهبية

صدرت لها الأعمال النثرية الكاملة بعد 8 سنوات من رحيلها

ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
TT

ميريل سبارك.. البحث عن الجزة الذهبية

ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
ميريل سبارك ... غلاف الكتاب

«الجزة الذهبية: مقالات» The Golden Fleece: Essays كتاب من تأليف الروائية والناقدة الاسكوتلندية ميريل سبارك Muriel Spark حررته وقدمت له بنيلوب جاردين Penelope Jardine وصدر عن دار النشر كاركانيت Carcanet بمانشستر.
وميريل سبارك قاصة وشاعرة ولدت في إدنبرة عام 1918. عاشت 6 سنوات في روديسيا متزوجة، ثم عادت إلى إنجلترا بعد طلاقها حيث رأست تحرير مجلة «بويتري رڤيو» في الفترة 1947 - 1949. ونشرت أول ديوان شعري لها عام 1952. في مطلع ستينات القرن الماضي عملت في نيويورك، وأخيرا استقرت في إيطاليا. أصدرت في حياتها 22 رواية منها: تذكر الموت (1959) زهرة عمر الآنسة ﭼين برودي (1961) فتيات رقيقات الحال (1963) رئيسة دير كرو (1974)، كما صدرت لها عدة مجموعات قصصية. وتوفيت في إيطاليا في 13 أبريل (نيسان) 2006 عن 88 عاما.
وتقول بنيلوب جاردين محررة الكتاب إن سبارك، التي رحلت العام الماضي، طلبت منها أن تجمع شمل ما كتبت من مقالات ومراجعات للكتب ومساهمات صحافية ومقابلات وأحاديث إذاعية وخطب وآراء - أو، بكلمة أخرى، كل أعمالها النثرية غير القصصية. وكانت جاردين صديقة حميمة للمؤلفة تولت متابعة معاملاتها مع الناشرين، وترجمات أعمالها إلى اللغات الأجنبية، ومراسلاتها، وأرشيفها، كما صحبتها عام 1991 في رحلة إلى جزيرة سيلت ببحر الشمال (وهي تابعة لألمانيا - قرب ساحل الدانمرك).
وقد اختارت جاردين أن تقسم محتويات الكتاب إلى 4 أقسام:
فالقسم الأول يحمل عنوان «الفن والشعر» ويضم مقالات عن فن النظم، ومدينة راڤينا الإيطالية، والناقد الفني الإنجليزي ﭼون رسكين من القرن الـ19 مقارنا بناقد فني آخر من القرن العشرين هو السير هربرت ريد، والشاعر الاسكوتلندي روبرت بيرنز، و3 مقالات عن ت. س. إليوت، والشاعر الأميركي روبرت فروست، والشاعر الإنجليزي جون ميسفيلد، والفن الزخرفي، وعلاقة الفن بالسياسة، والأديبة الإنجليزية إميلي برونتي صاحبة رواية «مرتفعات وذرنغ».
والقسم الثاني من الكتاب يحمل عنوان «سير ذاتية وأسفار» ويضم ذكريات سبارك عن طفولتها حين كانت في سن العاشرة، والتعليم الذي تلقته في اسكوتلندا، وكيف أصبحت روائية، والحياة في روما، ومدينة البندقية، وإسطنبول، ومقاطعة توسكانيا، وأيامها في إيطاليا.
أما القسم الثالث فيحمل عنوان «أدب» ويضم مقالات عن فن كتابة السير والتراجم، وبطلها المفضل في الأدب (اختارت هيثكليف بطل رواية «مرتفعات وذرنغ»)، والكتب التي تحب أن تعيد قراءتها والسبب في ذلك، وتقديم روايتها «الآنسة جين برودي» على خشبة المسرح (تحولت الرواية أيضا إلى فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني)، وفن القصة القصيرة، والعنصر الخارق للطبيعة في الأدب والحياة.
كذلك يضم هذا القسم عددا من المقالات عن أدباء اللغة الإنجليزية: الشقيقات برونتي (إميلي وشارلوت وآن)، وإليزابث جاسكل، وماري شللي (مؤلفة رواية «فرانكنستين» وزوجة الشاعر شللي)، وروبرت لويس ستڤنسون مؤلف رواية المغامرات «جزيرة الكنز»، وإديث ستويل (وهي شاعرة إنجليزية ميالة إلى التجريب أثرت في الشاعر بدر شاكر السياب)، والروائي الألماني هاينريش بول، والروائي البلجيكي مؤلف القصص البوليسية جورچ سيمنون.
والقسم الرابع والأخير من الكتاب يحمل عنوان «دين وسياسة وفلسفة» ويضم مقالات عن المفكر الديني الإنجليزي جون هنري نيومان (من القرن التاسع عشر) ومواعظه ويومياته، والروائي الفرنسي مارسيل بروست صاحب رواية «بحثا عن الزمن المفقود»، وسفر أيوب من أسفار العهد القديم، والفيلسوف المسيحي الوجودي الدانمركي كيركجارد.
وينتهي الكتاب ببيان تواريخ كل هذه المقالات وأماكن نشرها في الصحف والمجلات.
وتتفاوت هذه المقالات في الطول والعمق فمنها ما يحتل صفحات كاملة، ومنها ما لا يزيد على نصف صفحة. كذلك تختلف نغمتها باختلاف المناسبات التي ولدتها. فمنها ما هو بحث معمق، ومنها ما هو مجرد رد على سؤال صحافي. ولكنها تجتمع على رسم صورة وافية لتفكير مؤلفتها وتوجهاتها وما تحب وما تكره.
إن سبارك التي اشتهرت بوصفها روائية في المحل الأول توضح هنا أنها أكثر ولعا بفن القصة القصيرة. تقول في كلمة قصيرة مؤرخة في 1989 موضحة الفرق بين هذين اللونين من الإبداع: «إن للقصة القصيرة - عموما - فكرة واحدة مهيمنة عليها على حين يجمل بالرواية أن تشتمل على عدة أفكار متداخلة - وفي رأيي أنها يجب أن تحوي أفكارا بعدد ما فيها من فصول». وتنصح الروائي أن يكتب كل فصل من روايته وكأنه قصة قصيرة، قائلة إن هذا هو ما صنعته في روايتها المسماة «بوابة ماندلباوم» (1965). وقد مكنها هذا من أن تتحدث من وجهة نظر الشخصيات المختلفة في كل فصل من الرواية. ومن مزايا هذا المنهج أنه يمكن الروائي من نشر روايته مسلسلة (حيث إن كل فصل منها يمكن أن يقوم مستقلا بذاته) وأن يبيع أجزاء الرواية للصحف والمجلات قبل نشرها في مجلد واحد.
وتضيف سبارك أن النظر إلى المسألة من وجهة النظر التجارية هذه ليس بالضرورة معاديا للإجادة الفنية. فاعتبارات التجارة لا تختلف عن أي اعتبارات أخرى في الحياة، ويجب ألا تؤثر في العملية الإبداعية. إن العدو الوحيد للفن - في نظرها - هو الفن الرديء.
وتكرر سبارك أن وجود فكرة واحدة في القصة القصيرة هو الأفضل. وتجد - من خبرتها الشخصية - أن القصة القصيرة شكل فني أصعب من الرواية. إنها - على حد تعبيرها - «شكل من أشكال القصيدة. وهي لهذا السبب وحدة صعبة، ولكنها الشكل الذي استمد منه أكبر قدر من المتعة». والمقالة الافتتاحية في الكتاب «الجزة الذهبية» (وهي الأقدم من حيث التاريخ: 1948) تروي الأسطورة الإغريقية التي يستمد منها الكتاب عنوانه. تقول الأسطورة (وهي ترجع إلى القرن الثالث ق.م.) إن شابا وشابة من أقارب ملك ثيساليا - يدعوان هيلي وفريكسوس - أثارا حفيظة زوجة أبيهما إلى الحد الذي جعلها تقرر أن تقتلهما. ولكن حال دون تنفيذ خطتها كبش ذهبي مجنح أرسلته الأرباب لكي يحمل الشاب والفتاة بعيدا. سقطت هيلي من على ظهر الكبش إلى البحر، ومن ثم أصبح الآن يدعى هليسبونت نسبة إلى اسمها. أما فريكسوس فرحل سالما إلى البحر في كولخيس. وعلى الفور قدم الكبش أضحية يشكر بها رب الأرباب زيوس. وظلت جزة الكبش الذهبية الرائعة معلقة على غصن شجرة في حديقة، يحرسها تنين ضارٍ.
وتمضي الأسطورة قائلة إن ملك ثيساليا أراد أن يتخلص من ابن أخيه جيسون - الذي كان وريثا شرعيا للعرش - فادعى أن الجزة الذهبية إنما تنتمي إلى بيته. وإذ كان يعتقد أن استرداد الجزة أمر محال فقد أمر ﭼيسون أن يجئ بها، آملا أن يلقي حتفه خلال مخاطر الرحلة. ولكن ﭼيسون لم يخف، وأرسل مناديه إلى كل أجزاء بلاد اليونان، داعين أبطال الأساطير إلى الانضمام إلى الأمير الشاب في مغامرته الخطرة. وما لبث العملاق هرقل، والمغني أورفيوس، والعراف كاثنوس، والتوأمان كاستور وبولوكس وغيرهم كثيرون أن جاءوا ليشاركوا في الرحلة. وأبحرت الجماعة، وملؤها الحماس، على ظهر السفينة أرجو، غير آبهة بأن أشد الأخطار كانت تكمن في طريق الحصول على الجزة الذهبية.
وبعد عدة مغامرات تمكن جيسون من انتزاع الجزة بمساعدة ميديا وهي أميرة من كولخيس وقعت في حبه واقترنت به. ووسط مظاهر البهجة والاحتفال عاد ﭼيسون بالجزة إلى ثيساليا. غير أنه بدلا من أن يتسلم العرش من عمه وقع شجار بينهما وحرمه العم من حقه ونفاه عن الأرض.
لقد أحسنت بنيلوب ﭼاردين صنعا بجمع هذه الأشتات المتفرقة بما يكشف عن اتساع رقعة اهتمامات سبارك وخبراتها، ويبرز الأشخاص والأماكن والأفكار التي دخلت في نسيج فنها القصصي والشعري. إن عين الروائية اللماحة تتبدى هنا حين تصف مدنا مثل البندقية وروما وراڤينا وإسطنبول. لا يدعي أحد - ولا أظن سبارك ذاتها كانت تدعي - أنها كانت ناقدة عظيمة. ولكن نقدها ممتع وكاشف لأنه امتداد لموهبتها الإبداعية، ووثيق الصلة بها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.