عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

غانتس: أضاع فرصة خروج نادرة من الحلبة السياسية بشكل محترم

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو
TT

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

المثل المشهور عن الجندي الذي يطلق الرصاص على قدميه، في أوج المعارك الحربية، ينطبق تماماً على اليمين الإسرائيلي عموماً، وعلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بشكل خاص. فهذا المعسكر هو الذي بادر إلى هذه المعركة. ونتنياهو بالذات، كان المحرّك الأول لهذه المغامرة. في محيطه يتساءلون، وهم لا يصدقون ما جرى لهم: «لماذا تدهورنا إلى هذه المرحلة». وبعضهم يهمس بعيون جاحظة: هل ارتكب نتنياهو «الشاطر» حماقة عمره وخط بيده نهاية عهده؟ لكن، ليس كل معسكر اليمين قلقاً من هذا التطوّر. والسبب أن التنافس على رئاسة الحكومة لا يدور بين معسكر اليمين وبين معسكر الوسط أو اليسار، بل بالأساس بين قادة اليمين نفسه. وكما يبدو حتى الآن، من نتائج استطلاعات الرأي ومن شكل ومضمون القوائم المتنافسة، فإن اليمين لن يخسر الحكم. بل سيزيد من قوته. لكنّ المرشحين للقيادة البديلة عن نتنياهو هم من ذوي التجارب القليلة وجميعهم يواجهون سقفاً منخفضاً من الأصوات.
كما هو معروف، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو الذي دفع نحو هذه الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الجديدة. ولقد بات واضحاً أن حساباته فيها لم تكن دقيقة. فوفقاً لتخطيطه، كان يريد إجراء انتخابات مبكرة، تضمن عودته إلى الحكم أقوى من وضعه الحالي كي يشكّل «حكومة يمين صرف» توفر له أدوات جديدة للتخلص من محاكمته بتهم الفساد (خيانة الأمانة والاحتيال وتلقي الرشى).
هذا ما كان أراده في الانتخابات المبكرة الأولى التي أُجريت في شهر أبريل (نيسان) من سنة 2019، وحصل فيها على 35 مقعداً (بزيادة 5 مقاعد عمّا كان له في الدورة الأسبق)، لكنه لم يفلح. وهذا ما أراده عندما توجه ثانية إلى الانتخابات في سبتمبر (أيلول) من السنة نفسها ولم يفلح، إذ هبط رصيده إلى 32 مقعداً، وهذا ما أراده في الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في مارس (آذار) الماضي، ولم يفلح مع أن حصته زادت إلى 36 مقعداً.
اضطر نتنياهو إلى تشكيل حكومة مع حزب الجنرالات «كحول لفان» بقيادة بيني غانتس، على أساس اتفاق تقاسم رئاسة الوزراء والمناصب الحكومية. وعندما أدرك أن غانتس لن يسمح له قطعياً بأن يمرّر قانوناً يضمن تجميد محاكمته، ويرفض إجراء تغييرات في الجهاز القضائي تتيح تشويش محاكمته، قرر اللجوء إلى الانتخابات من جديد. لكن جائحة «كوفيد - 19» سبقته. وأدخلته في صراع حاد، مثله مثل زعماء العالم أجمعين.
الجائحة شكّلت اختباراً للزعامة الحقيقية. وهو عندما بدأ مجابهتها، حقق نجاحات أولية جعلته يرفع رصيده في الاستطلاعات إلى 40 مقعداً، فتحمّس كثيراً للانتخابات. لكنه ما فتئ أن بدا يخسر من شعبيته، مع إدخاله حسابات حزبية في قرارات الحكومة إزاء الجائحة. فكي لا يُغضب حلفاءه قادة الأحزاب الدينية، أعفاهم من الحجر الصحي فازدادت الإصابات بينهم أكثر بكثير من المعدل العام. وكي لا يبدو متحيزاً أوقف الإغلاقات مبكراً، ودعا المواطنين إلى العودة للمطاعم وشرب الكحول، وأعاد فتح المطار الدولي للمسافرين فازدادت الإصابات أكثر، ما اضطره لفرض إغلاقٍ ثانٍ قاسٍ. وبذا دخلت إسرائيل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وبلغ عدد العاطلين عن العمل مليون شخص، وأعلن ثلث أصحاب المتاجر الإفلاس، وساد الفزع بين الناس. وفشلت الحكومة في عقد جلسات، وشُل عملها لأكثر من شهر. وعندما عادت إلى اجتماعاتها، اتخذت سلسلة قرارات متناقضة. ودلّت الاستطلاعات على أن نحو ثلثي المواطنين يرون أداء الحكومة فاشلاً في معالجة الجائحة.
هكذا، انخفضت شعبية نتنياهو من جديد لتصل إلى 30 مقعداً، فحاول تأجيل الانتخابات من جديد. والصحيح أنه كان بمقدوره الامتناع عن هذه الانتخابات تماماً، والاحتفاظ بحكومته الحالية حتى نهاية الدورة. لكن محاكمته وقفت بالمرصاد. فهو يدرك أن بقاء الحكومة يعني أنه سيتخلى عن رئاسة الحكومة لصالح بيني غانتس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وعندها سيصبح رئيس حكومة بديلاً بلا صلاحيات، بينما تجري محاكمته ثلاث مرات في الأسبوع. عندها حاول إقناع غانتس بالتنازل عن التناوب على رئاسة الحكومة. وعندما رفض، راح يراوغ حتى يتوجه إلى الانتخابات في وقت مريح له خلال مايو (أيار) أو يونيو (حزيران) المقبلين. وفعل ذلك بطريقة مهينة لحلفائه من حزب الجنرالات.

المساس بهيبة الجيش
من جهته، حاول غانتس، زعيم حزب الجنرالات، التعاون مع نتنياهو، فوافق على نكث عهوده للناخبين وقَبِل الشراكة مع نتنياهو في الحكم. وتنازل عن عدة بنود في الاتفاق الائتلافي حتى يحافظ على الحكومة ويُنجِح معركتها ضد «كوفيد - 19» و«بلع» الكثير من تجاوزات نتنياهو بصمت. ومنها إخفاء الأخير عنه أمر اتفاق السلام مع الإمارات ثم مع البحرين، مع أن غانتس هو رئيس الحكومة البديل. ومع أن التوقيع على الاتفاق في واشنطن تم على مستوى وزراء الخارجية، لم يدعُ نتنياهو وزير خارجيته الجنرال غابي أشكنازي (حليف غانتس) للحفل واختار مكانه رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات، للتوقيع. وحصلت فضيحة بهذا الشأن، إذ تبين أن القانون الإسرائيلي يُلزِم بأن يوقّع فقط وزير الخارجية على الاتفاق. وقبيل ساعات من حفل التوقيع، راحوا يصارعون الوقت، حتى أرسل لهم أشكنازي ورقة بالفاكس أوكل فيها بن شبات بالتوقيع مكانه. وأعاد نتنياهو تكرار التصرف نفسه مع الاتفاقيات مع السودان والمغرب. كذلك أخفى عن غانتس (بصفته وزير الدفاع) موافقته على صفقة بيع طائرات «إف 35» الأميركية للإمارات، ولم يشاوره ولم يشاور قادة الجيش بشأنها.
وخلال حديث جانبي معه، أشار غانتس إلى هذه التصرفات، وعدّها «ظاهرة مزعجة للغاية» له ولرفاقه جنرالات الجيش السابقين، ووصف نتنياهو بـ«العقرب، الذي لا يتركك من دون أن يقرص». وذكّر بذلك بتصريحات سابقة كان قد أدلى بها رئيس سابق لهيئة أركان الجيش، وزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون، الذي كان قد وصف الحلبة السياسية الإسرائيلية بـ«حقل يعجّ بالأفاعي».
غانتس قال إنه يلمس نهجاً عند نتنياهو وغيره من قادة اليمين يهدف إلى المساس بالجنرالات والظهور في الشارع على أنه أقوى منهم. وإلى جانب ذلك، لوحظ أن ثمة نهجاً في السنوات الأخيرة عند اليمين «للمساس بهيبة» الجيش الإسرائيلي وقراراته، بشكل متعمد. ويبرز ذلك عبر تصريحات زعمائه ومن خلال الأبحاث والمقالات التي تنشرها مواقع ومعاهد الأبحاث التابعة لليمين كموقع «ميدا» و«المركز الأورشليمي للبحوث في الشؤون العامة وشؤون الدولة» وصحيفة اليمين «يسرائيل هيوم» وصحيفة المستوطنين «مكور ريشون». وهذه تُكثر من نشر التقارير عن إخفاقات الجيش ولا تتردد في نشر مقالات بعنوان «جيش جبان».
كذلك، لا يتردد أنصار غانتس في اتهام نتنياهو بتعمّد المساس بالجيش وقادته، حتى لا يخرج من صفوفه منافسون له على كرسي الحكم. ويصفون ذلك بانه «تصرف غير وطني وغير مسؤول لأنه يوفر لأعداء إسرائيل سلاحاً خطيراً ضدها». وليس سراً أن جنرالات الجيش، بزعامة غانتس، كانوا قد أسسوا حزبهم في مطلع 2019 بغرض الإطاحة بحكم نتنياهو في «انقلاب أبيض»، نتيجة لاقتناعهم بأنه يدير سياسة تضرّ بمصالح إسرائيل الاستراتيجية. وبالإمكان القول اليوم إنهم فشلوا في ذلك. فحتى الآن انتصر نتنياهو عليه، وأدار معركة انتهت بتفكيك حزبهم هذا وهرب عدد غير قليل منهم، إذ ترك الساحة الحزبية الجنرالان غابي أشكنازي، الذي اختار الاعتزال، وغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي تباحث مع عدة أحزاب لخوض السياسة معها، لكنه تراجع وقرر الانتظار.
وما يُذكر أن آيزنكوت كتب مقالاً في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، في 31 ديسمبر (كانون الأول)، حاول فيه أن يفسر قدوم الجنرالات إلى اقتحام السياسة، وفيه أوضح أن همّه ورفاقه الأساسي كان إنقاذ الدولة من نفسها. وقال إن «التهديد المركزي الوجودي على إسرائيل هو من داخلها، وليس من أعدائها في إيران أو سوريا أو الحلبة الفلسطينية أو غيرها».

الجمهور في مكان آخر
لكن مشكلة الجنرالات الآن أن نتنياهو نجح بوضعهم في خانة الهزيمة والدفاع عن النفس. فحزب «كحول لفان» انهار في غضون تسعة أشهر، فانقسم على نفسه إلى ثلاثة فرق. ومن 33 مقعداً بقي مع غانتس حتى ما قبل شهر، فقط 15 نائباً. ثم إن حلفاءه من حزب العمل، الذي يعدّ مؤسس الحركة الصهيونية والقائد المطلق لإسرائيل حتى سنة 1977 والقائد الشريك حتى سنة 2001 تلاشى والاستطلاعات تُجمع على أنه لن يَعبر «نسبة الحسم» وسيبقى خارج الكنيست (البرلمان). والأمر نفسه ينطبق على عدة أحزاب صغيرة أخرى تحالفت مع غانتس. وخلال الأسبوعين الأخيرين ترك حزب غانتس بقية وزرائه ونوابه.
والمشكلة الكبرى أن ناخبي غانتس -الذين بلغ عددهم أكثر من مليون شخص- انتقلوا في معظمهم، وفقاً لجميع الاستطلاعات، إلى حزب اليمين الجديد بقيادة جدعون ساعر، المتمرد على نتنياهو، وأيضاً إلى تحالف أحزاب اليمين «يمينا» بقيادة نفتالي بنيت. وفي المقابل تراجع حزب الوسط «يوجد مستقبل» بقيادة يائير لبيد. وقام حزب وسط إلى يساره بقيادة رون خولدائي رئيس بلدية تل أبيب، وآفي نيسان كورن وزير القضاء، الذي ترك غانتس. وبالتالي، يدل آخر الاستطلاعات على أن الصراع على الحكم يتركز داخل معسكر اليمين، ولم يعد هناك مرشح جدّي في الوسط أو اليسار. في المقابل، مع أن «ليكود» بقيادة نتنياهو يحظى بأكبر نسبة من الأصوات وتدل النتائج على أنه سيحصل على 28 – 29 مقعداً (له اليوم 36)، فإن القوى الملتزمة مع نتنياهو تقلصت. وحتى الأحزاب الدينية، التي كانت ملتصقة به وتعهدت له دائماً بالوقوف معه، بات دعمها له مشروطاً. وهذا يعني أن احتمالات بقاء نتنياهو في المعارضة باتت واقعية، في حال استمرار الاستطلاعات على هذا النهج.
مع هذا، نتنياهو لا يستسلم، وهو يبني الخطة تلو الأخرى للفوز بالحكم. وفي جلسة سرية للجنة الدستور في حزبه، بحضور أبرز الوزراء والنواب، ألقى خطاباً حماسياً قال فيه إنه يستطيع الفوز بـ40 مقعداً. وأردف: «نتائج الاستطلاعات الآن تظلمنا وهي مبنية على مصائب جائحة (كوفيد – 19) ونتائجها الاقتصادية السيئة. وهذا تحدٍّ لنا نستطيع مجابهته والتغلب عليه. إذ نجحنا في توفير اللقاح ونقف اليوم على رأس قائمة الدول التي باشرت عملية التطعيم، وسنقرّ خطة لتعويض أصحاب المصالح التجارية المتضررة فوراً، وسنعيد معظم العاملين إلى العمل، حالما نُنهي عملية التطعيم في شهر فبراير (شباط)، ولا تنسوا أن لدينا إنجازات ضخمة في المجال السياسي والعلاقات الخارجية، فالولايات المتحدة تعترف بضم الجولان والقدس ونقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ومع إقامة العلاقات مع الإمارات والمغرب والسودان والبحرين نصل إلى علاقات دبلوماسية مع 164 دولة، وهذا رقم قياسي لم يسبق لإسرائيل أن وصلت إليه. ونحن نحقق هذا من دون الحاجة إلى التنازل عن أراضٍ في الضفة الغربية. نحن أصحاب الفكر اليميني الذي ينتصر اليوم. ولا يوجد الناس يتخلّون عنا. كل ما نحتاج إليه هو أن نشمّر عن سواعدنا وننطلق إلى العمل».
ورفاق نتنياهو يحتاجون إلى هذا الشحذ للهمم. فقسم كبير منهم محبَط بسبب الاستطلاعات، ويرى أن المنشق ساعر ينجح في الاقتراب من نتائج حزبهم ويصل إلى 19 – 20 مقعداً. وهو يستطيع تشكيل ائتلاف يشمل أكثرية 62 مقعداً من القوى التي ترفض نتنياهو. ويحصل على الأصوات على حسابهم في المستوطنات، حيث يتهمون «ليكود» بالتخلي عن دعم المستوطنات ولا ينسون له القبول بشرط الإمارات وتجميد مخطط ضم 30% من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
نتنياهو يخطط لأن يعمل بين صفوف كل الشرائح الاجتماعية التي تركته، بمن في ذلك المستوطنون وأصحاب المصالح التجارية واليهود الروس. ويحاول جذب مصوّتين جدد من قوى الوسط وحتى من العرب. وقد زار أخيراً مدينتي الطيرة وأم الفحم، وراح يتحدث بلهجة ودّية، قائلاً إنه قدّم للعرب أكثر مما قدّم أي رئيس حكومة آخر. وهذا صحيح، فعام 2015 وضع خطة لدعم المجتمع العربي بميزانية تعادل 5.5 مليون دولار على مدة خمس سنوات، وكان قد بنى علاقات رتيبة مع «الحركة الإسلامية» بقيادة النائب منصور عباس، وهي أحد الأركان الأربعة التي تضمها القائمة المشتركة للأحزاب العربية. لكن من الصعب أن تثمر جهوده للحصول على أصوات عند العرب.
أيضاً، تمكن نتنياهو من تحصيل تفويض من حزبه بأن يختار ست شخصيات من خارج الصفوف لضمهم إلى لائحته الانتخابية، ومن بين هذه الشخصيات يمكن أن يكون جوناثان بولارد، المواطن الأميركي الذي عمل جاسوساً لإسرائيل عندما كان محللاً في سلاح البحرية الأميركي، وبسبب المعلومات التي سرّبها لإسرائيل تعرفت استخباراتها على الكثير من الأسرار العسكرية عن إيران وتمكنت من تنفيذ عمليات اغتيال عديدة، منها اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد»، الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ياسر عرفات، وهو يخطط لمفاجآت أخرى.
وأخيراً، فإن نتنياهو يخوض معركة حياته السياسية. وهو يدرك أن خسارة الحكم في هذه الانتخابات ستدفع به إلى مسار قضائي يمكن أن يقوده إلى السجن. وقد عبّر غانتس عن ذلك بكلمات مواربة قال فيها: «لقد أضاع فرصة نادرة لأن يخرج من الحلبة السياسية بشكل محترم، مع شريك نزيه. لن تكون له فرصة ثانية. فهو سيخسر الحكم ولن يستطيع تشكيل حكومة».

الانتخابات الإسرائيلية ... بالأرقام
> يوم الانتخابات: 23 مارس 2021. فيه يُنتخب 120 نائباً في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وفقاً للطريقة النسبية القُطرية.
- هذه هي الانتخابات الرابعة في غضون سنتين. والجمهور الإسرائيلي يتوجه إليها مرغماً، وغالبيته متذمرة وممتعضة وتشعر بأن السياسيين يجرّونه إليها لأغراض ومصالح شخصية وحزبية ضيقة.
- أصحاب حق الاقتراع 6 ملايين و500 ألف ناخب، هم المواطنون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويبلغ كل منهم 18 سنة فما فوق. ويدلي هؤلاء بأصواتهم في 15 ألف مركز اقتراع تقريباً، أي بزيادة 30% عن الانتخابات الأخيرة، وبسبب «كوفيد - 19» تَقرر زيادة عدد الصناديق. وسيكون هناك 191 صندوق اقتراع في المستشفيات و58 في السجون والمعتقلات و96 صندوق اقتراع في الممثليات الدبلوماسية يصوّت فيها الدبلوماسيون فقط. وعلى كل قائمة انتخابية أن تحصل على نسبة 3.25% من الأصوات الصحيحة، حتى تدخل الكنيست، أي نحو 150 ألف صوت.
- أصحاب حق الاقتراع من العرب (فلسطينيو 48) نحو مليون ناخب، يشكّلون نسبة 15% من مجموع الناخبين. وإذا بلغت نسبة التصويت لديهم 75% مثل اليهود، يستطيعون إدخال 18 نائباً إلى الكنيست. لكنّ نسبة تصويتهم تكون عادةً منخفضة (في انتخابات 2013 بلغت 54% وارتفعت في عام 2015 إلى 63% بسبب توحيد صفوفهم في قائمة مشتركة، وانخفضت إلى 49% في أبريل الماضي بسبب تفكك القائمة المشتركة، وعادت لترتفع إلى 59% في انتخابات سبتمبر الماضي بعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة) ثم ارتفعت إلى 64% في الانتخابات الأخيرة. وحصلت القائمة المشتركة على 15 مقعداً. وهي تتألف من تحالف أربعة أحزاب هي: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة أيمن عودة (ولها اليوم 5 نواب، أحدهم يهودي يساري)، و«العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي (3 نواب)، و«الحركة الإسلامية» برئاسة منصور عباس (4 نواب)، وحزب «التجمع الوطني» برئاسة أمطانس شحادة (3 نواب).
- ينص «القانون الأساس: الكنيست»، على شطب قائمة مرشحين ومنعها من الاشتراك في الانتخابات في حالة اشتمال أهدافها أو أعمالها، صراحةً أو ضمنياً، على أيٍّ من التالي: رفض قيام دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، أو رفض الصبغة الديمقراطية لإسرائيل، أو التحريض على العنصرية.
- جهاز الأمن العام (الشاباك)، وضع خطة لمكافحة محاولات دول أجنبية التدخل في الانتخابات الإسرائيلية عبر شن هجمات قرصنة.
- يكون يوم الانتخابات عبارة عن يوم عطلة من أجل تمكين جميع المصوتين المحتملين من الاشتراك.
بعد الانتخابات بأسبوع تُعلَن نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية. ويختار رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، رئيس الوزراء، من ضمن نواب الكنيست، إذ يسند المهمة إلى عضو الكنيست الذي يُعد صاحب أفضل احتمال للنجاح بتشكيل حكومة ائتلافية قابلة للاستمرار على ضوء نتائج الانتخابات. وهو يختار أولاً رئيس أكبر كتلة. وبما أن حكومة تحتاج إلى ثقة الكنيست لكي تتمكن من العمل، يجب أن تملك ائتلافاً داعماً يتكون على الأقل من 61 فرداً من ضمن النواب الـ120.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.