عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

غانتس: أضاع فرصة خروج نادرة من الحلبة السياسية بشكل محترم

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو
TT

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

عندما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إسقاط نتنياهو

المثل المشهور عن الجندي الذي يطلق الرصاص على قدميه، في أوج المعارك الحربية، ينطبق تماماً على اليمين الإسرائيلي عموماً، وعلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بشكل خاص. فهذا المعسكر هو الذي بادر إلى هذه المعركة. ونتنياهو بالذات، كان المحرّك الأول لهذه المغامرة. في محيطه يتساءلون، وهم لا يصدقون ما جرى لهم: «لماذا تدهورنا إلى هذه المرحلة». وبعضهم يهمس بعيون جاحظة: هل ارتكب نتنياهو «الشاطر» حماقة عمره وخط بيده نهاية عهده؟ لكن، ليس كل معسكر اليمين قلقاً من هذا التطوّر. والسبب أن التنافس على رئاسة الحكومة لا يدور بين معسكر اليمين وبين معسكر الوسط أو اليسار، بل بالأساس بين قادة اليمين نفسه. وكما يبدو حتى الآن، من نتائج استطلاعات الرأي ومن شكل ومضمون القوائم المتنافسة، فإن اليمين لن يخسر الحكم. بل سيزيد من قوته. لكنّ المرشحين للقيادة البديلة عن نتنياهو هم من ذوي التجارب القليلة وجميعهم يواجهون سقفاً منخفضاً من الأصوات.
كما هو معروف، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو الذي دفع نحو هذه الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الجديدة. ولقد بات واضحاً أن حساباته فيها لم تكن دقيقة. فوفقاً لتخطيطه، كان يريد إجراء انتخابات مبكرة، تضمن عودته إلى الحكم أقوى من وضعه الحالي كي يشكّل «حكومة يمين صرف» توفر له أدوات جديدة للتخلص من محاكمته بتهم الفساد (خيانة الأمانة والاحتيال وتلقي الرشى).
هذا ما كان أراده في الانتخابات المبكرة الأولى التي أُجريت في شهر أبريل (نيسان) من سنة 2019، وحصل فيها على 35 مقعداً (بزيادة 5 مقاعد عمّا كان له في الدورة الأسبق)، لكنه لم يفلح. وهذا ما أراده عندما توجه ثانية إلى الانتخابات في سبتمبر (أيلول) من السنة نفسها ولم يفلح، إذ هبط رصيده إلى 32 مقعداً، وهذا ما أراده في الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في مارس (آذار) الماضي، ولم يفلح مع أن حصته زادت إلى 36 مقعداً.
اضطر نتنياهو إلى تشكيل حكومة مع حزب الجنرالات «كحول لفان» بقيادة بيني غانتس، على أساس اتفاق تقاسم رئاسة الوزراء والمناصب الحكومية. وعندما أدرك أن غانتس لن يسمح له قطعياً بأن يمرّر قانوناً يضمن تجميد محاكمته، ويرفض إجراء تغييرات في الجهاز القضائي تتيح تشويش محاكمته، قرر اللجوء إلى الانتخابات من جديد. لكن جائحة «كوفيد - 19» سبقته. وأدخلته في صراع حاد، مثله مثل زعماء العالم أجمعين.
الجائحة شكّلت اختباراً للزعامة الحقيقية. وهو عندما بدأ مجابهتها، حقق نجاحات أولية جعلته يرفع رصيده في الاستطلاعات إلى 40 مقعداً، فتحمّس كثيراً للانتخابات. لكنه ما فتئ أن بدا يخسر من شعبيته، مع إدخاله حسابات حزبية في قرارات الحكومة إزاء الجائحة. فكي لا يُغضب حلفاءه قادة الأحزاب الدينية، أعفاهم من الحجر الصحي فازدادت الإصابات بينهم أكثر بكثير من المعدل العام. وكي لا يبدو متحيزاً أوقف الإغلاقات مبكراً، ودعا المواطنين إلى العودة للمطاعم وشرب الكحول، وأعاد فتح المطار الدولي للمسافرين فازدادت الإصابات أكثر، ما اضطره لفرض إغلاقٍ ثانٍ قاسٍ. وبذا دخلت إسرائيل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وبلغ عدد العاطلين عن العمل مليون شخص، وأعلن ثلث أصحاب المتاجر الإفلاس، وساد الفزع بين الناس. وفشلت الحكومة في عقد جلسات، وشُل عملها لأكثر من شهر. وعندما عادت إلى اجتماعاتها، اتخذت سلسلة قرارات متناقضة. ودلّت الاستطلاعات على أن نحو ثلثي المواطنين يرون أداء الحكومة فاشلاً في معالجة الجائحة.
هكذا، انخفضت شعبية نتنياهو من جديد لتصل إلى 30 مقعداً، فحاول تأجيل الانتخابات من جديد. والصحيح أنه كان بمقدوره الامتناع عن هذه الانتخابات تماماً، والاحتفاظ بحكومته الحالية حتى نهاية الدورة. لكن محاكمته وقفت بالمرصاد. فهو يدرك أن بقاء الحكومة يعني أنه سيتخلى عن رئاسة الحكومة لصالح بيني غانتس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وعندها سيصبح رئيس حكومة بديلاً بلا صلاحيات، بينما تجري محاكمته ثلاث مرات في الأسبوع. عندها حاول إقناع غانتس بالتنازل عن التناوب على رئاسة الحكومة. وعندما رفض، راح يراوغ حتى يتوجه إلى الانتخابات في وقت مريح له خلال مايو (أيار) أو يونيو (حزيران) المقبلين. وفعل ذلك بطريقة مهينة لحلفائه من حزب الجنرالات.

المساس بهيبة الجيش
من جهته، حاول غانتس، زعيم حزب الجنرالات، التعاون مع نتنياهو، فوافق على نكث عهوده للناخبين وقَبِل الشراكة مع نتنياهو في الحكم. وتنازل عن عدة بنود في الاتفاق الائتلافي حتى يحافظ على الحكومة ويُنجِح معركتها ضد «كوفيد - 19» و«بلع» الكثير من تجاوزات نتنياهو بصمت. ومنها إخفاء الأخير عنه أمر اتفاق السلام مع الإمارات ثم مع البحرين، مع أن غانتس هو رئيس الحكومة البديل. ومع أن التوقيع على الاتفاق في واشنطن تم على مستوى وزراء الخارجية، لم يدعُ نتنياهو وزير خارجيته الجنرال غابي أشكنازي (حليف غانتس) للحفل واختار مكانه رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات، للتوقيع. وحصلت فضيحة بهذا الشأن، إذ تبين أن القانون الإسرائيلي يُلزِم بأن يوقّع فقط وزير الخارجية على الاتفاق. وقبيل ساعات من حفل التوقيع، راحوا يصارعون الوقت، حتى أرسل لهم أشكنازي ورقة بالفاكس أوكل فيها بن شبات بالتوقيع مكانه. وأعاد نتنياهو تكرار التصرف نفسه مع الاتفاقيات مع السودان والمغرب. كذلك أخفى عن غانتس (بصفته وزير الدفاع) موافقته على صفقة بيع طائرات «إف 35» الأميركية للإمارات، ولم يشاوره ولم يشاور قادة الجيش بشأنها.
وخلال حديث جانبي معه، أشار غانتس إلى هذه التصرفات، وعدّها «ظاهرة مزعجة للغاية» له ولرفاقه جنرالات الجيش السابقين، ووصف نتنياهو بـ«العقرب، الذي لا يتركك من دون أن يقرص». وذكّر بذلك بتصريحات سابقة كان قد أدلى بها رئيس سابق لهيئة أركان الجيش، وزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون، الذي كان قد وصف الحلبة السياسية الإسرائيلية بـ«حقل يعجّ بالأفاعي».
غانتس قال إنه يلمس نهجاً عند نتنياهو وغيره من قادة اليمين يهدف إلى المساس بالجنرالات والظهور في الشارع على أنه أقوى منهم. وإلى جانب ذلك، لوحظ أن ثمة نهجاً في السنوات الأخيرة عند اليمين «للمساس بهيبة» الجيش الإسرائيلي وقراراته، بشكل متعمد. ويبرز ذلك عبر تصريحات زعمائه ومن خلال الأبحاث والمقالات التي تنشرها مواقع ومعاهد الأبحاث التابعة لليمين كموقع «ميدا» و«المركز الأورشليمي للبحوث في الشؤون العامة وشؤون الدولة» وصحيفة اليمين «يسرائيل هيوم» وصحيفة المستوطنين «مكور ريشون». وهذه تُكثر من نشر التقارير عن إخفاقات الجيش ولا تتردد في نشر مقالات بعنوان «جيش جبان».
كذلك، لا يتردد أنصار غانتس في اتهام نتنياهو بتعمّد المساس بالجيش وقادته، حتى لا يخرج من صفوفه منافسون له على كرسي الحكم. ويصفون ذلك بانه «تصرف غير وطني وغير مسؤول لأنه يوفر لأعداء إسرائيل سلاحاً خطيراً ضدها». وليس سراً أن جنرالات الجيش، بزعامة غانتس، كانوا قد أسسوا حزبهم في مطلع 2019 بغرض الإطاحة بحكم نتنياهو في «انقلاب أبيض»، نتيجة لاقتناعهم بأنه يدير سياسة تضرّ بمصالح إسرائيل الاستراتيجية. وبالإمكان القول اليوم إنهم فشلوا في ذلك. فحتى الآن انتصر نتنياهو عليه، وأدار معركة انتهت بتفكيك حزبهم هذا وهرب عدد غير قليل منهم، إذ ترك الساحة الحزبية الجنرالان غابي أشكنازي، الذي اختار الاعتزال، وغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي تباحث مع عدة أحزاب لخوض السياسة معها، لكنه تراجع وقرر الانتظار.
وما يُذكر أن آيزنكوت كتب مقالاً في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، في 31 ديسمبر (كانون الأول)، حاول فيه أن يفسر قدوم الجنرالات إلى اقتحام السياسة، وفيه أوضح أن همّه ورفاقه الأساسي كان إنقاذ الدولة من نفسها. وقال إن «التهديد المركزي الوجودي على إسرائيل هو من داخلها، وليس من أعدائها في إيران أو سوريا أو الحلبة الفلسطينية أو غيرها».

الجمهور في مكان آخر
لكن مشكلة الجنرالات الآن أن نتنياهو نجح بوضعهم في خانة الهزيمة والدفاع عن النفس. فحزب «كحول لفان» انهار في غضون تسعة أشهر، فانقسم على نفسه إلى ثلاثة فرق. ومن 33 مقعداً بقي مع غانتس حتى ما قبل شهر، فقط 15 نائباً. ثم إن حلفاءه من حزب العمل، الذي يعدّ مؤسس الحركة الصهيونية والقائد المطلق لإسرائيل حتى سنة 1977 والقائد الشريك حتى سنة 2001 تلاشى والاستطلاعات تُجمع على أنه لن يَعبر «نسبة الحسم» وسيبقى خارج الكنيست (البرلمان). والأمر نفسه ينطبق على عدة أحزاب صغيرة أخرى تحالفت مع غانتس. وخلال الأسبوعين الأخيرين ترك حزب غانتس بقية وزرائه ونوابه.
والمشكلة الكبرى أن ناخبي غانتس -الذين بلغ عددهم أكثر من مليون شخص- انتقلوا في معظمهم، وفقاً لجميع الاستطلاعات، إلى حزب اليمين الجديد بقيادة جدعون ساعر، المتمرد على نتنياهو، وأيضاً إلى تحالف أحزاب اليمين «يمينا» بقيادة نفتالي بنيت. وفي المقابل تراجع حزب الوسط «يوجد مستقبل» بقيادة يائير لبيد. وقام حزب وسط إلى يساره بقيادة رون خولدائي رئيس بلدية تل أبيب، وآفي نيسان كورن وزير القضاء، الذي ترك غانتس. وبالتالي، يدل آخر الاستطلاعات على أن الصراع على الحكم يتركز داخل معسكر اليمين، ولم يعد هناك مرشح جدّي في الوسط أو اليسار. في المقابل، مع أن «ليكود» بقيادة نتنياهو يحظى بأكبر نسبة من الأصوات وتدل النتائج على أنه سيحصل على 28 – 29 مقعداً (له اليوم 36)، فإن القوى الملتزمة مع نتنياهو تقلصت. وحتى الأحزاب الدينية، التي كانت ملتصقة به وتعهدت له دائماً بالوقوف معه، بات دعمها له مشروطاً. وهذا يعني أن احتمالات بقاء نتنياهو في المعارضة باتت واقعية، في حال استمرار الاستطلاعات على هذا النهج.
مع هذا، نتنياهو لا يستسلم، وهو يبني الخطة تلو الأخرى للفوز بالحكم. وفي جلسة سرية للجنة الدستور في حزبه، بحضور أبرز الوزراء والنواب، ألقى خطاباً حماسياً قال فيه إنه يستطيع الفوز بـ40 مقعداً. وأردف: «نتائج الاستطلاعات الآن تظلمنا وهي مبنية على مصائب جائحة (كوفيد – 19) ونتائجها الاقتصادية السيئة. وهذا تحدٍّ لنا نستطيع مجابهته والتغلب عليه. إذ نجحنا في توفير اللقاح ونقف اليوم على رأس قائمة الدول التي باشرت عملية التطعيم، وسنقرّ خطة لتعويض أصحاب المصالح التجارية المتضررة فوراً، وسنعيد معظم العاملين إلى العمل، حالما نُنهي عملية التطعيم في شهر فبراير (شباط)، ولا تنسوا أن لدينا إنجازات ضخمة في المجال السياسي والعلاقات الخارجية، فالولايات المتحدة تعترف بضم الجولان والقدس ونقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ومع إقامة العلاقات مع الإمارات والمغرب والسودان والبحرين نصل إلى علاقات دبلوماسية مع 164 دولة، وهذا رقم قياسي لم يسبق لإسرائيل أن وصلت إليه. ونحن نحقق هذا من دون الحاجة إلى التنازل عن أراضٍ في الضفة الغربية. نحن أصحاب الفكر اليميني الذي ينتصر اليوم. ولا يوجد الناس يتخلّون عنا. كل ما نحتاج إليه هو أن نشمّر عن سواعدنا وننطلق إلى العمل».
ورفاق نتنياهو يحتاجون إلى هذا الشحذ للهمم. فقسم كبير منهم محبَط بسبب الاستطلاعات، ويرى أن المنشق ساعر ينجح في الاقتراب من نتائج حزبهم ويصل إلى 19 – 20 مقعداً. وهو يستطيع تشكيل ائتلاف يشمل أكثرية 62 مقعداً من القوى التي ترفض نتنياهو. ويحصل على الأصوات على حسابهم في المستوطنات، حيث يتهمون «ليكود» بالتخلي عن دعم المستوطنات ولا ينسون له القبول بشرط الإمارات وتجميد مخطط ضم 30% من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
نتنياهو يخطط لأن يعمل بين صفوف كل الشرائح الاجتماعية التي تركته، بمن في ذلك المستوطنون وأصحاب المصالح التجارية واليهود الروس. ويحاول جذب مصوّتين جدد من قوى الوسط وحتى من العرب. وقد زار أخيراً مدينتي الطيرة وأم الفحم، وراح يتحدث بلهجة ودّية، قائلاً إنه قدّم للعرب أكثر مما قدّم أي رئيس حكومة آخر. وهذا صحيح، فعام 2015 وضع خطة لدعم المجتمع العربي بميزانية تعادل 5.5 مليون دولار على مدة خمس سنوات، وكان قد بنى علاقات رتيبة مع «الحركة الإسلامية» بقيادة النائب منصور عباس، وهي أحد الأركان الأربعة التي تضمها القائمة المشتركة للأحزاب العربية. لكن من الصعب أن تثمر جهوده للحصول على أصوات عند العرب.
أيضاً، تمكن نتنياهو من تحصيل تفويض من حزبه بأن يختار ست شخصيات من خارج الصفوف لضمهم إلى لائحته الانتخابية، ومن بين هذه الشخصيات يمكن أن يكون جوناثان بولارد، المواطن الأميركي الذي عمل جاسوساً لإسرائيل عندما كان محللاً في سلاح البحرية الأميركي، وبسبب المعلومات التي سرّبها لإسرائيل تعرفت استخباراتها على الكثير من الأسرار العسكرية عن إيران وتمكنت من تنفيذ عمليات اغتيال عديدة، منها اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد»، الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ياسر عرفات، وهو يخطط لمفاجآت أخرى.
وأخيراً، فإن نتنياهو يخوض معركة حياته السياسية. وهو يدرك أن خسارة الحكم في هذه الانتخابات ستدفع به إلى مسار قضائي يمكن أن يقوده إلى السجن. وقد عبّر غانتس عن ذلك بكلمات مواربة قال فيها: «لقد أضاع فرصة نادرة لأن يخرج من الحلبة السياسية بشكل محترم، مع شريك نزيه. لن تكون له فرصة ثانية. فهو سيخسر الحكم ولن يستطيع تشكيل حكومة».

الانتخابات الإسرائيلية ... بالأرقام
> يوم الانتخابات: 23 مارس 2021. فيه يُنتخب 120 نائباً في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وفقاً للطريقة النسبية القُطرية.
- هذه هي الانتخابات الرابعة في غضون سنتين. والجمهور الإسرائيلي يتوجه إليها مرغماً، وغالبيته متذمرة وممتعضة وتشعر بأن السياسيين يجرّونه إليها لأغراض ومصالح شخصية وحزبية ضيقة.
- أصحاب حق الاقتراع 6 ملايين و500 ألف ناخب، هم المواطنون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويبلغ كل منهم 18 سنة فما فوق. ويدلي هؤلاء بأصواتهم في 15 ألف مركز اقتراع تقريباً، أي بزيادة 30% عن الانتخابات الأخيرة، وبسبب «كوفيد - 19» تَقرر زيادة عدد الصناديق. وسيكون هناك 191 صندوق اقتراع في المستشفيات و58 في السجون والمعتقلات و96 صندوق اقتراع في الممثليات الدبلوماسية يصوّت فيها الدبلوماسيون فقط. وعلى كل قائمة انتخابية أن تحصل على نسبة 3.25% من الأصوات الصحيحة، حتى تدخل الكنيست، أي نحو 150 ألف صوت.
- أصحاب حق الاقتراع من العرب (فلسطينيو 48) نحو مليون ناخب، يشكّلون نسبة 15% من مجموع الناخبين. وإذا بلغت نسبة التصويت لديهم 75% مثل اليهود، يستطيعون إدخال 18 نائباً إلى الكنيست. لكنّ نسبة تصويتهم تكون عادةً منخفضة (في انتخابات 2013 بلغت 54% وارتفعت في عام 2015 إلى 63% بسبب توحيد صفوفهم في قائمة مشتركة، وانخفضت إلى 49% في أبريل الماضي بسبب تفكك القائمة المشتركة، وعادت لترتفع إلى 59% في انتخابات سبتمبر الماضي بعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة) ثم ارتفعت إلى 64% في الانتخابات الأخيرة. وحصلت القائمة المشتركة على 15 مقعداً. وهي تتألف من تحالف أربعة أحزاب هي: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة أيمن عودة (ولها اليوم 5 نواب، أحدهم يهودي يساري)، و«العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي (3 نواب)، و«الحركة الإسلامية» برئاسة منصور عباس (4 نواب)، وحزب «التجمع الوطني» برئاسة أمطانس شحادة (3 نواب).
- ينص «القانون الأساس: الكنيست»، على شطب قائمة مرشحين ومنعها من الاشتراك في الانتخابات في حالة اشتمال أهدافها أو أعمالها، صراحةً أو ضمنياً، على أيٍّ من التالي: رفض قيام دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، أو رفض الصبغة الديمقراطية لإسرائيل، أو التحريض على العنصرية.
- جهاز الأمن العام (الشاباك)، وضع خطة لمكافحة محاولات دول أجنبية التدخل في الانتخابات الإسرائيلية عبر شن هجمات قرصنة.
- يكون يوم الانتخابات عبارة عن يوم عطلة من أجل تمكين جميع المصوتين المحتملين من الاشتراك.
بعد الانتخابات بأسبوع تُعلَن نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية. ويختار رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، رئيس الوزراء، من ضمن نواب الكنيست، إذ يسند المهمة إلى عضو الكنيست الذي يُعد صاحب أفضل احتمال للنجاح بتشكيل حكومة ائتلافية قابلة للاستمرار على ضوء نتائج الانتخابات. وهو يختار أولاً رئيس أكبر كتلة. وبما أن حكومة تحتاج إلى ثقة الكنيست لكي تتمكن من العمل، يجب أن تملك ائتلافاً داعماً يتكون على الأقل من 61 فرداً من ضمن النواب الـ120.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.