أميركا تحبس أنفاسها لمعرفة نتائج انتخابات جورجيا... ومصير «الشيوخ»

«الشرق الأوسط» تابعت عمليات الاقتراع والمنافسة المحتدمة

أحد مراكز الاقتراع في جورجيا أمس (الشرق الأوسط)
أحد مراكز الاقتراع في جورجيا أمس (الشرق الأوسط)
TT

أميركا تحبس أنفاسها لمعرفة نتائج انتخابات جورجيا... ومصير «الشيوخ»

أحد مراكز الاقتراع في جورجيا أمس (الشرق الأوسط)
أحد مراكز الاقتراع في جورجيا أمس (الشرق الأوسط)

حبس الجورجيون أنفاسهم لمعرفة نتائج عمليات الاقتراع القياسية التي شهدتها ولايتهم في دورة الإعادة للانتخابات الخاصة باختيار سيناتورين اثنين في مجلس الشيوخ، وسط ترقب من بقية الأميركيين ليس فقط لمعرفة ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالغالبية في هذه المؤسسة التشريعية أو أنها ستنتقل إلى الديمقراطيين بعد حملات وُصفت بأنها «طاحنة»، بل أيضاً إلى بقية التطورات المرتبطة بمصادقة الكونغرس المتوقعة على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن رغم الضغوط الاستثنائية التي يمارسها الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب وأنصاره لإبطال هذه العملية.
وشكّلت محطة الانتخابات في جورجيا ساحة معركة انتخابية نهائية بين كل من ترمب وبايدن اللذين شاركا في حملات انتخابية داخل هذه الولاية الجنوبية التي أعطت الفوز للمرشح الرئاسي الديمقراطي بعدما كانت محسوبة طويلاً على المعسكر الجمهوري. وكذلك حشد الفريقان طاقاتهما، بما في ذلك أيضاً عبر كل من نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس، ونائب الرئيس المنتهية ولايته مايك بنس، في دلالة على الطابع الاستثنائي لهذه المعركة التي تابعتها «الشرق الأوسط» عن كثب، بالإضافة إلى الجولات التي قام بها المرشحان الجمهوريان السيناتوران المنتهية ولايتهما ديفيد بيردو وكيلي لوفلر، عشية يوم الانتخابات وخلاله في جورجيا.
وبدت الاختلافات في وجهات النظر متباعدة إلى حد بعيد بين المقترعين، علماً بأن أولئك الذين يعيشون في المدن الكبيرة يتنوعون عرقياً ويميلون أكثر لمصلحة الديمقراطيين، فيما يفضل الريفيون وأهل الضواحي من الغالبية البيضاء نهج الجمهوريين. وانعكس ذلك في استطلاعات الرأي الكثيرة علماً بأن الفارق في أكثرها ضئيل للغاية ويقع دائماً ضمن هامش الخطأ.
- بايدن: صوت الشعب
وعشية بدء عمليات الاقتراع التي بلغت مستويات قياسية، خاطب بايدن تجمعاً حاشداً للناخبين في أتلانتا أن لديهم سلطة تقرير السيطرة على مجلس الشيوخ، وعلى مصير قانون الإغاثة الاقتصادية الإضافية التي يعتزم العمل من أجلها في مستهل عهده، ومنها تقديم ألفي دولار نقداً لكل مواطن أميركي يحتاج إلى المساعدة في الأوضاع العصيبة الراهنة بسبب تفشي فيروس «كوفيد - 19» على نطاق واسع في البلاد. وحض الناخبين في جورجيا على إعطاء أكثرية مجلس الشيوخ للديمقراطيين، مشيداً بالمرشحين الديمقراطيين الصحافي السابق جون أوسوف والقس رافاييل وارنوك. واتهم في الوقت ذاته السيناتورين الجمهوريين ديفيد بيردو وكيلي لوفلر، بأنهما يقدمان ولاءهما لترمب على الولاء للناخبين الجورجيين. كما أعرب عن استيائه من ترمب لطريقته في تقديم لقاح «كورونا»، قائلاً إن «تلقيح أميركا سيكون أحد أصعب التحديات التشغيلية التي واجهتها هذه الأمة، لكننا نعرف ذلك منذ أشهر وهذه الإدارة بدأت بطريقة مروعة».
وتجنب الرئيس المنتخب الخوض في الجدل الذي يجتاح الأيام الأخيرة لترمب في البيت الأبيض، عاكساً ضمناً نهجه الجديد المختلف للحكم بعد 20 يناير (كانون الثاني) الجاري. ولم يعلق طوال الأسابيع الماضية على جهود خصومه الجمهوريين لإلغاء الانتخابات، بما في ذلك عندما ضغط الرئيس المنتهية ولايته على سكرتير جورجيا الجمهوري براد رافينسبرغر لـ«إيجاد» أصوات كافية تقلب نتيجة الانتخابات في الولاية لمصلحته. واكتفى بالتلميح الساخر فقط إلى جهود ترمب هذه، إذ قال: «لا أعرف لماذا لا يزال يريد العمل - لا يريد أن يقوم بالعمل». ورغم التحديات التي يواجهها قبل أسبوعين من تسلمه السلطة، أشار إلى «أصدقاء معارضين» للديمقراطيين، لكنهم أدركوا أن «السلطة تنبع من الشعب»، وذكّر الأميركيين بأنه «لا يمكن للسياسيين تأكيد السلطة أو الاستيلاء عليها، فالشعب الأميركي وحده يمنح السلطة».
- ترمب: ارفضوا التزوير
في المقابل، شارك ترمب في تجمع انتخابي كبير تحدث فيه لأكثر من ساعة ونصف الساعة في مدينة دالتون بولاية جورجيا، مكرراً الادعاءات عن تزوير الانتخابات. ودعا أنصاره الجمهوريين إلى «عدم السماح بالتزوير في الانتخابات مجدداً عبر الإقبال بعدد هائل يمنع الديمقراطيين من إرساء حكم اشتراكي في الولايات المتحدة». وكرر وعيده للحكام الجمهوريين في الولاية، لا سيما الذين رفضوا الانصياع لأوامره بإلغاء نتيجة الانتخابات التي فاز فيها بايدن. وصوّب بصورة خاصة على الحاكم الجمهوري براين كمب، وسكرتير الولاية الجمهوري رافينسبرغر، قائلاً إنه سيقوم بحملات انتخابية ضدهما عندما تنتهي ولايتهما بعد عام ونصف العام. وإذ أشاد بمجموعة المشرعين التي ستتحدى فوز بايدن، اليوم، خلال جلسة الكونغرس، دعا إلى ترقب نزول الآلاف من أنصاره للاحتجاج على نتائج الانتخابات.
وتوقع ترمب أن يعمل نائب الرئيس مايك بنس «من أجلنا» في أثناء توليه، اليوم، رئاسة جلسة الكونغرس لفرز أصوات المجمع الانتخابي. وقال: «بالطبع، إذا لم ينجح (بنس)، فلن أحبه كثيراً»، علماً بأن «مايك رجل رائع، إنه رجل رائع، ورجل ذكي ورجل أحبه كثيراً». ولم يوضح ترمب ما يريده من بنس في تلك الجلسة. ولكنه تابع بطريقة مبهمة أنه «سيكون لديه الكثير ليقوله عن هذا الأمر وأنتم تعرفون أمراً واحداً معه، ستحصلون على تسديدات مباشرة». وكذلك شاركت هاريس في عدد من التجمعات الانتخابية في جورجيا. وكررت اتهاماتها لترمب بأنه «أساء استخدام السلطة بشكل فاضح» عندما طلب من وزير جورجيا بأن يسهم في جهوده لعكس نتائج الانتخابات الرئاسية. وقام بنس بجهد انتخابي في الولاية أيضاً لمصلحة كلٍّ من بيردو ولوفر. لكنه تجنب الخوض في السجالات حول تزوير الانتخابات.
- المساءلة
وبينما أثار بعض الديمقراطيين في تلة الكابيتول احتمال مساءلة ترمب على المكالمة المسربة، شددت القيادة الديمقراطية على أن تركيز الحزب ينصبّ على أجندة بايدن لا على مخالفات ترمب. ولكن بايدن ترك لمستشاره الرفيع بوب باور مهمة التنديد بشكل واضح بما سماه «هجوم ترمب على الديمقراطية الأميركية». وكذلك قالت مستشارته كايت بيدينغفيلد إن «البلد جاهز للمضيّ قدماً، وسيظل الرئيس المنتخب بايدن يركز على العمل الذي ينتظرنا في إكمال انتقال ناجح وتكوين إدارة من شأنها السيطرة على هذا الفيروس وإعادة بناء اقتصادنا بشكل أفضل». ورأت أن «هجوم دونالد ترمب على ديمقراطيتنا فشل، وفُضحت مزاعمه التي لا أساس لها حول تزوير الناخبين في كل المحافل القانونية، بما في ذلك من عشرات المحاكم والمدعين العامين». وقال رئيس التجمع الديمقراطي في مجلس النواب حكيم جيفريز: «نحن لا ننظر إلى الوراء. نتطلع إلى تنصيب جو بايدن في 20 يناير».
- «أكاذيب»
وغداة تسريب التسجيل الصوتي أيضاً، عقد كبير المسؤولين عن الانتخابات في جورجيا غابرييل ستيرلينغ، مؤتمراً صحافياً فنّد فيه ما سمّاها «ادعاءات الرئيس ترمب الكاذبة» في شأن تزوير الناخبين، حاملاً على نظريات المؤامرة التي فُضحت وكُشف زيفها. وأكد أنه رغم «إثبات خطئه، فإن الرئيس مستمر، وبهذا يقوّض إيمان الجورجيين بنظام الانتخابات»، داعياً مواطني الولاية الجنوبية إلى المشاركة بكثافة في عمليات الاقتراع. وقال: «إذا كنت تريد أن يعكس المسؤولون المنتخبون قيمكم، أتوسل إليكم وأشجعكم بشدة، اذهبوا إلى التصويت». وأشار إلى أن أحد الادعاءات من ترمب والمحامين التابعين له يتحدث عن آلاف الأصوات من أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاماً، أو لم يسجلوا للتصويت، أو تسجلوا في وقت متأخر، أو في عنوان سكني مختلف، مؤكداً أن مكتب وزير جورجيا «حقق في هذه الادعاءات، ولم يجد بطاقة اقتراع واحدة من أي شخص في أيٍّ من هذه الفئات». وأضاف أن «لديَّ قائمة طويلة جداً»، ومنها ما يدور حول اختراق أجهزة فحص بطاقات الاقتراع واستبدال الأشخاص لأجزاء في آلات التصويت وغيرها من المعلومات المضللة.
ورداً على سؤال عن رد فعله على المكالمة بين ترمب ورافينسبرغر، قال ستيرلينغ: «أردت أن أصرخ». وأضاف: «حسناً، صرخت على الكومبيوتر وصرخت على راديو سيارتي (...) وجدت الأمر غير طبيعي، وفي غير محله، ولا أعرف رئيساً يفعل أمراً مثل هذا مع وزير ولاية».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended