أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

بعد أربعين عاماً يصدر ديوانه الأول «حد أدنى»

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر
TT

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

بكلمة اعتذارية للقارئ، يدشن الشاعر أسامة مهران ديوانه الأول «حد أدنى» الذي تأخر صدوره طيلة 40 عاماً، محاولاً استعادة مناخ شعراء جيل السبعينات في مصر الذي ينتمي إليه. ويبرر ذلك بالمراجعة والفرز والتمهل والخوف من الفشل، وسط ظروف ومناكفات متشددة في قضايا الفن والواقع، لم يعد فيها «الحسن العربي» خالصاً لنفسه وزمنه وفطرته. لذلك أراد أن يتقدم إليه بأوراق اعتماد «ليست مصابة بجروح، أو معيبة بطموح، أو معنية فقط بتاريخ. كان لزاماً عليّ أن أفرز كل ما يخرج ليعيش». وبتواضع جم، يطلب من القارئ العفو عن التقصير في حقه على مدار كل هذه السنين، ويهيئه لمصالحة يرى أنها «ضرورية بين كل ما كتبت، وكل ما قررت أن أقدمه إلى المتلقي».
نعم، اعتذر الشاعر للقارئ، ولم يعتذر للشعر، قارئه الأول الاستثنائي، الشعر ابن الحياة والجمال، ينتفض الزمن ويلهو فيه كطفل، ويتسابقان على من يلمس الحقيقة أولاً. ثم ماذا لو لم يوجد القارئ، هل يكف الشاعر عن كتابة الشعر، تماماً مثل الفنان لو لم يوجد المشاهد للوحته، وماذا أيضاً لو اعتذر الشاعر للشجرة أو البحر أو الصمت، بصفتها قراءه، وكراسه المفتوح على براح الطبيعة والجمال، يخط فيه ويمحو ما يشاء من دلالات ورموز، ومعاني وأفكار؛ هل نحسبه مختلاً أو مجنوناً. الشعر لا ينتظر أحداً، لا يحمل حقائب أو جوازات سفر إلى أمكنة محددة، الشعر ينتظر نفسه دائماً.
ورغم ذلك، يبدو هذا الاعتذار وعياً هارباً من الشاعر على مدار كل تلك السنوات، مشكلاً ما يشبه المرثية الخاصة، ليس فقط باعتبار ما كان، وإنما باعتبار ما سيكون، هذه المنطقة المراوغة في حفرة الزمن التي تناور وتلعب فوق سطحها الذات الشاعرة، كأنها تريد أن تستعيد بئرها الأولى، بعد ما لحق بها من عطش وجفاف.
الديوان صدر منذ بضعة أشهر عند دار «الأدهم» للتوزيع والنشر بالقاهرة، ويشكل عنوانه «حد أدنى» عتبة أساسية للوقوف على عالمه الفني... نعم، ثمة حد أدني لكل شيء، بل للوجود نفسه، هناك سقف يجب المحافظة عليه حتى لا نعرى، ونصبح نهباً للفراغ. لكن، ما أقسي الحد الأدنى في الشعر، ابن المغامرة والتجريب المفتوح على كل شيء، بلا فواصل وعقد زمنية سميكة في العناصر والأشياء، هناك قواعد وقوانين وركائز لا حد أدني لها، فجدلها صيرورة دائماً بين الحركة والثبات، بين الوجود في هشاشته وضعفه الإنساني وقوته التي تنهض من بين ركام هذا الضعف، وتحيله إلى نقطة مضيئة كاشفة في مثلث الذاكرة والحلم والواقع، ناهيك من أن معيار الحد الأدنى يشي بأن ماهية الأشياء فيما ينتسب إليها، وليس في كيفية العلاقة بينها وبين هذا الانتساب.
ربما لذلك، يحرص الشاعر دائماً على أن يوفر حداً أدنى من الوضوح لقصيدته ذات البنية التفعيلية الراسخة، فهي مسكونة دائماً بالهم العام، بدلالته السياسية والاجتماعية والتاريخية؛ يحكم هذه الهم مدار القصيدة، ويشكل فاعليتها حتى في علاقة الذات العاطفية بالمرأة والحب والحياة. يلوح هذه الهم في الديوان، ويراوح بين الوضوح، ابن المباشرة الممسوسة بما يمكن تسميته «واقعية اللحظة»، وبينه حين يتخفى في غلالة الرمز والدلالة. يطالعنا ذلك في قصيدة «مشربية من زمن المعز» التي يستهل بها الديوان، ويقول فيها:
«منذ سلامة مقصدنا
دمدمتُ
هل ما يفعله نخيلُ الرغبة
في أنفسنا يشفع للمتشفَّي
فينا أن يرتاحْ
أن يصفح عنَّا
أو يمنحنا سر المفتاحْ؟
هل ما ترقبه أيدينا
أو ما تنثره سوءاتُ مشاربنا
أو ما ينقصنا في حَلق معانينا
يسمح ببكاء آخر
أو فَرحْ؟
قد تنغمس اللذة في الأوجاع
وفي الجرح.
قد يندمل الإسهابُ
وقد يكتمل الشرح».
يتوجه الخطاب بشكل ضمني إلى المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس مدينة القاهرة، في شكل رسالة مسكونة بالسؤال والحنين إلى لحظة غابرة لا تزال روائحها تفوح في غبار التاريخ والأيام. وبنظرة انتقائية، تتخذ القصيدة من رمزية «المشربية - الشرفة» دلالة على ذلك الزمن، لكن البون يتسع فنياً بين الرمز والدلالة، بين المشربية بنسقها «الأرابيسك» الفني المعشق، وجماليات تكرار العناصر والوحدات ودقة وبراعة التكوين، وبين القصيدة التي اعتورها أحياناً تعسف القافية ولي عنق اللغة من أجل الوصول إليها. وفي مقابل زمن المشربية بصفتها مرثية شعرية، يتراءى الحاضر المسفوك بالدم والذبح الذي لا يعرف كيف يرثي نفسه في «فوضي الأشياء الصغيرة» وفي «رمية قرص».
وتتكشف مأساوية الحاضر في قصيدة أخرى أكثر تماسكاً وانسجاماً، على مستويي الرؤية والتشكيل، بعنوان «أجراس معلقة على مآذن المعز»، حيث تبدو القاهرة صوتاً آخر، ومدينة أخرى، ابنة لحظتها الخاصة، ويتماهى سؤال الذات بالبحث عن الأنثى الخلاص، المستحيلة، وسط مشاهد من أجواء ثورة 25 يناير (كانون الثاني) تطل كوميض خافت، بزخمها في الشوارع والحناجر والميادين، بينما تتحول مآذن المعز وأجراسها وسط الغبار إلى رمز لصلاة منسية محرمة مجروحة على أرواح ضحايا وشهداء اغتالتهم يد الغدر والخيانة:
«لا أعرف من أين أتيتِ؟
وإلى أين ذهبت؟
ولماذا تنتصرين الآن على نفسكِ؟
هل كانت كل مقاومتكِ إفكاً
يتحكم في مشروع حياتي؟
هل أنفض عن جسدي
حِملَ كراماتك
وأطارد روحاً شريرة بفتات الصدقات؟
لا ينفع أن أتسامح أو أتصافحَ
في عز الثورات
فجميع القتلة مشغولون بوأد الفتنة
واستقبال العام القادم
كُفِّي عن غضبك سيدتي
وكفاكِ ظهوراً في المرآة».
يحتشد الديوان برموز الفيضان والنهر والخصب والرذاذ، والمطر والميدان، كما تتناثر بقع من الحزن والبكاء والفقد والرحيل والهديل، وأحياناً يضع نفسه في المفارقات الثنائية المتعارضة، محاولاً كسر المسافة وتضييق الفجوة بينها، والبحث عن مشترك إنساني يلم شتاتها، ولو في شكل بوح خاطف ومناجاة شجية لا تجد سوى حرقة المقارنة سبيلاً للوصول إلى الوطن، أو الأنثى، أو الحرية، أو إلى اللاشيء، فليس ثمة ما يوحد بين «أنتِ وأنا» سوي حرف «الواو» المضطرب الملول الذي يقبع مجرد أداة وعلامة عابرة للعطف والشفقة بين كيانين يفتشان عن ظل آخر يوحد بينهما في متاهة الحياة.
ربما لذلك، دائماً يطل الحاضر بدواله ورموزه في الديوان مشوباً بالخوف والقلق والتوتر، كما أنه لا يطل على ذاته من نافذة تخصه، إنما من نافذة بلاغة تقليدية وماض لا يعرف كيف يفارقه، ليلتصق به بإرادة حرة وعين أكثر اتساعاً وحيوية على المستقبل والوجود:
«كان الماضي الأجمل
يتوارى في الأذهان
يطل علينا من وادٍ
ينتحل النسيان
وعيونُ الصُّبح المرهقة الرؤيا
تتجلى في نظرة عشقٍ
في لفتة فنانْ
لبلادٍ جاءتْ
وبلاد رحلت
من دون مكان».
ويتناثر جدل الصدى والصوت، الصورة والأصل، في كثير من قصائد الديوان، في محاولة لإبراز حسية الصوت واللغة، وكسر أحادية المشهد واللقطة والرؤية، بحثاً عن مرثية خاصة للذات، والحلم والوطن والأشياء، مرثية تشبه النغم والأغنية، والمغفرة أحياناً. هنا، يرتفع إيقاع الغنائية في الديوان، وتصبح المرثية بمثابة صدى للحن قديم يتسلق أسوار الذاكرة والحلم، ويكمل دورته حضوراً وغياباً في ظلالهما... هكذا، يبدو المعنى في قصيدة بعنوان «وطني وصباي وأحلامي» تتناص مع أغنية عاطفية شهيرة بالاسم نفسه، توحد بين معنى الوطن والأنثى:
«أسميتكِ
تاريخ ميلادي
وحصوة ملحٍ
من طينة أجدادي
لن أسألكِ
عن لون طباعك
عن قفاز ذراعك
عن شكلكِ حين تلمين
الضوءَ الخافت
من جوف الأبعاد
لا أغزو صفحتك الرسمية
كي أعرف عنك
ما لا أعرفه بحرية
لم أفرض نفسي
أو أرمي حملي الأثقل
في حيرة عينيك
أو رعشة كفيك».
وبعد... لم يستطع أسامة مهران أن ينتظر وصول قطار السبعينات الشعري في موعده، فحمل حقيبة شعره الغض ورحل عن البلاد، وها هو يعود بعد كل هذه السنوات، بعدما وصل القطار وغادر المحطة إلى محطات كثيرة، لكن لا بأس من أن يفرغ حقيبته، ويتأمل في هذا الديوان وأعمال أخرى لاحقة، صورة أخرى لقطار آخر أرجو أن يصل إليه بحب وشعر.



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».