الجيش الروسي يعزز وجوده في بلدة استراتيجية شمال شرقي سوريا

أرسل مزيداً من الجنود إلى عين عيسى قبل محادثات لافروف ـ جاويش أوغلو اليوم

قوات روسية قرب عين عيسى في ريف الرقة الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)
قوات روسية قرب عين عيسى في ريف الرقة الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الجيش الروسي يعزز وجوده في بلدة استراتيجية شمال شرقي سوريا

قوات روسية قرب عين عيسى في ريف الرقة الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)
قوات روسية قرب عين عيسى في ريف الرقة الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)

أعلنت موسكو أنها أرسلت مزيداً من عناصر الشرطة الروسية إلى عين عيسى، البلدة الاستراتيجية في ريف الرقة شمال شرقي سوريا، بعد تعرض المنطقة لمزيد من القصف من فصائل موالية لأنقرة.
ويأتي ذلك قبل محادثات تعقد في روسيا، اليوم (الثلاثاء)، بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو. ومن المقرر أن يكون الملف السوري من بين الموضوعات التي سيناقشها الوزيران. وتساند تركيا جماعات مسلحة معارضة للرئيس السوري بشار الأسد، بينما تدعم روسيا القوات الموالية له.
ويترأس جاويش أوغلو ولافروف في سوتشي، اليوم، الاجتماع الثامن لمجموعة التخطيط الاستراتيجي المشترك التركية - الروسية. وأفادت وزارة الخارجية التركية، في بيان أمس (الاثنين)، بأنه سيتم خلال الاجتماع تبادل شامل لوجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية، وكذلك العلاقات بين البلدين، وتوقيع خطة تشاورية لعامي 2021-2022.
وتتمتع عين عيسى بأهمية استراتيجية، نظراً لموقعها الحيوي المطل على الطريق الدولي السريع (M4)، إذ تربط محافظات الحسكة والرقة ودير الزور شرقاً بمدينة حلب شمالاً، كما تصل عبر شبكة طرق رئيسية شرق الفرات بغربه، وتسعى جميع الأطراف المتحاربة المدعومة من جهات دولية وإقليمية لفرض سيطرتها الكاملة على الناحية، لقطع طريق الإمداد بين مدينتي عين العرب «كوباني» ومنبج بريف حلب الشرقي؛ بمناطق الجزيرة السورية ومدن الرقة ودير الزور.
ونشبت معارك بين مقاتلين تدعمهم تركيا وقوات كردية قرب عين عيسى في شمال سوريا هذا الشهر. وتقع عين عيسى على الطريق السريع الذي يربط مدناً سورية كبرى. وسيطرت قوات تركية وحلفاء لها من المعارضة السورية المسلحة على أراض في المنطقة في هجوم العام الماضي ضد «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية التي تسيطر على مساحات من شمال وشرق سوريا.
وقال مصدر كبير في وزارة الدفاع التركية إن أنقرة ستستغل اجتماع اليوم للدفع بمطلبها المتعلق بانسحاب «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية التي تصفها بأنها منظمة إرهابية. وأضاف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه: «يجب بكل تأكيد أن تغادر (وحدات حماية الشعب) عين عيسى، وهناك استعداد لاتخاذ أي خطوة لازمة لتحقيق ذلك».
و«وحدات حماية الشعب» هي المكون العسكري الرئيسي في تحالف «قوات سوريا الديمقراطية» الذي تغلب في السنوات الماضية على تنظيم داعش في شمال شرقي سوريا، بمساعدة جوية أميركية. وتقول أنقرة إن «الوحدات» تربطها صلة وثيقة بجماعات مسلحة تمردت على الدولة التركية في جنوب شرقي البلاد.
وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، إنها أرسلت مزيداً من أفراد الشرطة العسكرية للمنطقة مساء الأحد. وتابع البيان: «في وقت سابق خلال المفاوضات مع الجانب التركي، توصلنا لاتفاقات على نشر مواقع مراقبة مشتركة روسية - سورية. وصلت وحدات إضافية من الشرطة العسكرية الروسية إلى منطقة عين عيسى (الأحد) لتعزيز جهود إعادة استقرار الوضع».
ودعت موسكو التي تنفذ طائراتها دوريات أيضاً في المنطقة الجانبين إلى وقف القصف المتبادل، وخفض التصعيد. وقالت إنها لم ترصد أي قصف من جانب القوات المدعومة من تركيا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية عن عضو هيئة «المصالحة الوطنية» عمر رحمون تأكيده قبول «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تسليم مدينة عين عيسى إلى النظام السوري خلال الأيام المقبلة.
وقال رحمون إن «قسد» تعهدت خلال اجتماع عقد، الأحد، في مدينة عين عيسى، بتسليم المدينة إلى روسيا والنظام السوري، وذلك بعد مفاوضات استمرت لأيام. وأشار إلى أن قبول «قسد» بتسليم مدينة عين عيسى إلى النظام السوري أوقف هجوماً على البلدة كانت تعد له تركيا.
ولفت رحمون إلى أنه «لا توجد حتى الآن معلومات دقيقة حول بنود الاتفاق الكاملة، لكن ممثلي (قسد) أخبروا الجانب الروسي بأنهم على استعداد للانسحاب من عين عيسى بشكل كامل، وأن الخطوات العملية على الأرض سوف تبدأ خلال الساعات القليلة المقبلة».
كانت القوات الروسية قد أنشأت، الأسبوع الماضي، قاعدة عسكرية جديدة في قرية كالطة جنوب عين عيسى، تزامناً مع اشتباكات شهدتها محاور قريتي جهبل والمشيرفة شمال البلدة، بين «قسد» و«الجيش الوطني» بدعم من تركيا.
وطالب الجانب التركي القوات الروسية خلال اجتماعٍ قبل أسبوع بانسحاب كامل لـ«قسد» من منطقة عين عيسى، شرطاً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى إيقاف أي عمل عسكري محتمل للقوات التركية على المنطقة.
وكشفت مصادر كردية أن القوات النظامية و«قوات سوريا الديمقراطية» توصلت إلى تفاهمات لتحديد مصير بلدة عين عيسى بريف الرقة، برعاية روسية، التي تتعرض لهجوم من قبل الجيش التركي وفصائل سورية موالية تعمل في صفوف «الجيش الوطني السوري»، تفضي إلى انتشار الأولى على الطريق الدولي السريع (M4)، ومداخل البلدة الشرقي والغربي، وفي جبهات القتال، ومن بينها قرى «جهابل» و«المشيرفة» و«صيدا» و«مخيم عين عيسى». وأكدت المصادر أن القوات النظامية لن تنتشر في مركز البلدة، وستبقى قواتها خارج المنطقة وفي حدود التماس.
وأشارت المصادر إلى أن قيادة «قسد» ومسؤولي الإدارة الذاتية في عين عيسى عقدوا، أمس، اجتماعاً موسعاً، بحثوا فيه آليات تطبيق بنود الاتفاق الذي يشمل إنشاء مربع أمني داخل البلدة، يضم مؤسسات الإدارة الذاتية، حيث لا تزال اجتماعاتها مستمرة مع ممثلي النظام، بحضور الجانب الروسي، لوضع صياغة لاتفاق نهائي، يسمح بانتشار الجيش السوري، وتسيير دوريات برفقة الشرطة العسكرية الروسية، وفتح الطريق السريع أمام تنقل المدنيين والحركة التجارية.
وكشفت المصادر أن موسكو طلبت من قيادة «قسد» سحب قواتها بعمق 5 كلم جنوب عين عيسى، وسحب كامل قواتها من مناطق التماس، ومن على جبهات القتال والطريق السريع، لتفادي عمل عسكري محتمل متوقع من الجيش التركي والفصائل السورية الموالية.
وفي غضون ذلك، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بمقتل 4 عناصر في صفوف «قسد»، وإصابة 7 عناصر آخرين، جراء القصف التركي والاشتباكات مع الفصائل الموالية لأنقرة على جبهات جهبل والمشرفة وصيدا ومعلق بعد منتصف الليلة قبل الماضية، كما قتل 6 مقاتلين من الفصائل بالاشتباكات ذاتها.
وعلى صعيد آخر، سيرت القوات الروسية ونظيرتها التركية، صباح أمس، دورية مشتركة ضمت 5 مدرعات روسية و4 مدرعات تركية، وانطلقت من معبر شيريك الحدودي مع تركيا، وجابت قُرى وبلدات دليك وملك وعباس وعالية وكسرى في ريف أبو رأسين، ومن ثم عادت وعبرت قُرى وبلدات قيروان وكوركوند وتعلك وعطيشان في ريف الدرباسية، قبل أن تعود إلى نقطة انطلاقها من معبر شيريك بريف الدرباسية، وسط تحليق مروحيتين روسيتين في أجواء المنطقة.
إلى ذلك، بدأت القوات التركية، أمس، إنشاء نقطة عسكرية جديدة في قرية كدورة، الواقعة في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة إدلب، حيث تعد القرية بوابة جبل الأربعين في ريف إدلب، وتطل على كفربطيخ وداديخ، الواقعتين على طريق دمشق - حلب (M5).



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.