فرنسا.. من التطرف الأصولي إلى العلماني

منذ قانون 1905 أصبح رجال الدين متفرغين للشؤون الدينية والروحية

فولتير   -  ديكارت
فولتير - ديكارت
TT

فرنسا.. من التطرف الأصولي إلى العلماني

فولتير   -  ديكارت
فولتير - ديكارت

ابتدأ القادة الفرنسيون يطالبون المسلمين بالتحلحل والتحرك ضد التيار الجهادي المتطرف الذي أصبح يمثل مشكلة عظمى بالنسبة للمجتمع الفرنسي. نقول ذلك وبخاصة بعد كل ما حصل مؤخرا من أحداث جسام هزت فرنسا. لنتفق على الأمور منذ البداية: جاليتنا العربية الإسلامية في أغلبيتها وسطية معتدلة تحترم القانون وليست مسؤولة عما حصل من اعتداءات آثمة على مجلة «شارلي إيبدو». إنها طيبة، عاملة، متواضعة، تسعى إلى لقمة عيشها وتربية أطفالها ونجاحهم في الحياة كبقية البشر. إنها من أعظم الجاليات وأشرفها وأكثرها مكارم أخلاق. ولكن هناك أقلية متطرفة داخلها وهي التي ستجر عليها الويلات والشبهات للأسف الشديد. في كل الأحوال فإن رؤساء الجالية الذين نددوا بالاعتداءات الدموية الأخيرة مضطرون لإجراء تغييرات واتخاذ قرارات بغية مصالحة الإسلام مع الحداثة والدولة العلمانية الديمقراطية. ولكن ذلك سيكون عسيرا ولن ينجح بين عشية وضحاها. يخطئ من يظن أن هذه هي المواجهة الأولى لفرنسا مع الأصولية التوتاليتارية الإرهابية. للدلالة على ذلك يكفي أن نستعرض هنا قصة الصراع الذي جرى بين الدولة الفرنسية وأصوليتها الخاصة بالذات: أي الأصولية المسيحية الكاثوليكية. ومعلوم أن المذهب الكاثوليكي يشكل أغلبية الشعب الفرنسي تاريخيا، أي بنسبة 90 في المائة. ولذلك فإن الصراع كان ضاريا بين الطرفين العلماني والكاثوليكي على مدار مائة و50 سنة قبل أن يصل إلى حل معقول عام 1905 عندما صدر قانون فصل الكنيسة عن الدولة، بمعنى لا يحق للكنيسة أن تتدخل في الشؤون السياسية بعد اليوم، ولا يحق للدولة أن تتدخل في الشؤون الدينية. فللسياسة رجالها وللدين رجاله ومن مصلحة الجميع أن يعرف كل طرف حدوده وينشغل بمهامه. ولكن رجال الدين المسيحيين لم يقبلوا بهذا القانون عن طيبة خاطر، وإنما قاوموه زمنا طويلا قبل أن يستسلموا له، بل ويجدون فيه فوائد جمة لمصلحتهم. فقد أصبحوا متفرغين للشؤون الدينية والروحية ومرتاحين من تحمل عبء الشؤون الدنيوية والسياسية. ما عاد الدين يتلوث بكل شاردة وواردة.
لنلقِ نظرة إذن على التيار الكاثوليكي المسيحي الذي حاربته الثورة الفرنسية والجمهورية الوليدة منذ عام 1789. فنحن نجد مثلا أن الحكومة العلمانية الفرنسية سنت الكثير من القوانين المضادة للحزب الأصولي الكاثوليكي بين عامي 1901 ـ 1904. وهي قوانين منعت رجال الدين من ممارسة التعليم في المدارس الفرنسية لأن عقليتهم أصولية تبث سموم المذهبية والطائفية وتحدث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد والمتعدد في آن. كما صادرت الدولة أملاك الجمعيات الرهبانية وطردت ما لا يقل عن 30 ألف راهب وراهبة، فاضطروا للذهاب إلى الخارج والعيش في المنفى (غالبا في بلجيكا المجاورة).
وفي أثناء الفترة نفسها أغلقت الحكومة العلمانية الفرنسية 14 ألف مدرسة دينية كاثوليكية، كما ضاعفت من المراقبة والتضييق على طبقة الإكليروس أو رجال الدين المسيحي. ثم عاقبت الضباط الذين يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد لأداء القداس الكاثوليكي باعتبار أنهم رجعيون! وأخرت من ترفيعهم في الرتب العسكرية.
ولكن ينبغي ألا ننسى أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت قد مارست القمع الفكري على الناس طيلة العهد القديم السابق على الثورة الفرنسية. فقد كانت تسيطر على نظام التعليم سيطرة كاملة وتمنع حرية الفكر والضمير والمعتقد على كل أراضي المملكة الفرنسية. وكانت تضطهد أتباع المذهب البروتستانتي وتقتلهم وتشردهم في شتى أنحاء العالم أو تجعلهم يعيشون غرباء في وطنهم. وهذا شيء ينبغي ألا ننساه أو نتناساه أبدا. وبالتالي فقد نالت جزاءها بعد الثورة التنويرية.
كما ينبغي ألا ننسى محاكم التفتيش سيئة الذكر، حيث لاحقت الكنيسة الكاثوليكية العلماء والمفكرين، بل وحتى الناس العاديين، وقتلت منهم الكثير أو حرقتهم حرقا، ويقدر عددهم بعشرات أو مئات الألوف. كما وحرمت تداول كتب الفلاسفة من أمثال ديكارت، وغاليليو، ومالبرانش، وسبينوزا، وفولتير.. إلخ. واعتبرتها مهرطقة، مزندقة.. وكفّرت العلماء والمثقفين وأطلقت الفتاوى في حقهم وأباحت دماءهم ففروا إلى المنافي البعيدة أو نزلوا تحت الأرض!
وبالتالي فلا ينبغي أن نستغرب رد الفعل العنيف على الكنيسة الكاثوليكية بعد اندلاع الثورة الفرنسية وانتصار نظام الحداثة العلمانية. فهذا الشيء كان متوقعا بعد مرور قرون كثيرة على تحكم رجال الدين برقاب الناس وضمائرهم. لقد أرعبوا الناس رعبا كما يفعل الداعشيون عندنا حاليا. ولذا أثأروا موجة عارمة من الغضب ضدهم. وهو نفس رد الفعل الذي نشهده حاليا على تيار الأصولية الإسلامية. وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة!
لماذا نقول ذلك؟ بغية توضيح الصورة أولا عن طريق المقارنة. فإذا كانت فرنسا قد رفضت أصوليتها الخاصة بالذات فإنها لن تقبل بأصولية أخرى وافدة عليها من الخارج. هذه نقطة. وأما النقطة الثانية فإننا نريد الرد على التيار المحافظ الفرنسي الذي ركز كل جهوده في السنوات الأخيرة على نقد أعداء الكنيسة الكاثوليكية. فهو يقول مثلا إن فرنسا احتفلت قبل بضع سنوات بمرور مائة عام على تأسيس النظام المدني العلماني وفصل الكنيسة عن الدولة 1905ـ 2005. وهذا صحيح. وهو يستغل هذه المناسبة لتصفية حساباته مع مؤسسي هذا النظام الجديد الذي حل محل النظام الكاثوليكي القديم الذي كان قد سيطر على فرنسا طيلة 18 قرنا. انظر قصة الانتقال من الدولة الدينية الثيوقراطية إلى الدولة المدنية الحديثة. وهي قصة تلخص تاريخ الحداثة كلها.
لا ريب في أن الأحزاب السياسية التي حكمت فرنسا بين عامي 1789 ـ 1914 كانت معادية لرجال الدين، وقد أزاحت الكاثوليكيين عن المراكز الرئيسية للسلطة، وفرضت قانون العلمنة فرضا على الشعب الفرنسي دون أي تفاوض أو استشارة سابقة مع الكنيسة الكاثوليكية التي تشكل أغلبية سكان البلاد كما ذكرنا.
والواقع أن العلمانيين كانوا يريدون القضاء على الأصولية المسيحية البابوية في البلاد. وقد نجحوا في مشروعهم إلى حد كبير بدليل أن القانون المدني (أو قانون نابليون) حل محل القانون الكنسي أو الشريعة المسيحية. ويقال إن نابليون كان يفتخر بذلك في أواخر أيامه وهو منفي في جزيرة سانت هيلانة الشهيرة ويقول: هذا ما سيتبقى مني على مدار التاريخ. بل وحتى المحافظون أصبحوا يعترفون بإيجابيات قانون العلمنة أو فصل الكنيسة عن الدولة رغم كل معارضتهم السابقة له واتهامهم للعلمانيين بالكفر ومعاداة الدين. والحال أن القانون المدني ترسخ الآن في فرنسا ولم يعد أحد يفكر في التراجع عنه. ولكن هذا لا يعني أن المناقشة انتهت أو أغلقت كليا. فبعد العلمانية الحامية التي تشكلت في القرن الـ19 كرد فعل على الأصولية الحامية أصبحوا يفكرون الآن ببلورة علمانية جديدة متصالحة مع الدين لا معادية له. فالأصولية المسيحية أصبحت ضعيفة جدا في فرنسا إن لم تكن معدومة، وبالتالي فلا داعي لمحاربة طواحين الهواء. والإيمان إذا كان مستنيرا لا يشكل خطرا على العلمانية أو الدولة المدنية. بالعكس، تماما فإنه يخلع عليها قيما أخلاقية وروحانية لا تقدر بثمن.
ولكن نلاحظ أن الإيمان كقيمة عليا بحد ذاتها لم يعد له أي وجود بالنسبة للشبيبة الفرنسية. ونلاحظ أيضا أن مسؤولي البرامج التلفزيونية لا يدعون المثقفين الكاثوليكيين إلى المشاركة في البرامج، وإذا ما دعوهم فإنهم يهاجمونهم أو يضحكون عليهم أو يتخذونهم ككبش فداء. وعندما تعلن إحدى القنوات أنها ستتحدث عن الدين فإن ذلك يعني أنها تريد مهاجمة الدين واللاهوت المسيحي بتهمة الرجعية. ولا تسمح للمثقفين الكاثوليكيين بالرد على هذا الهجوم! وهكذا انتقلنا من النقيض إلى النقيض: من تطرف إلى تطرف آخر، من تطرف أصولي كاثوليكي إلى تطرف علماني ناهيك بالإلحادي.
وهناك برامج ساخرة كثيرة لا تتردد عن الاستهزاء بالبابا والعقائد المسيحية على هواها. بل وتنكر حتى وجود المسيح تاريخيا. وتقول إنه مجرد أسطورة لا حقيقة واقعة. ولكنها لا تتجرأ على أن تفعل الشيء نفسه مع الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية حتى ظهرت مجلة «شارلي إيبدو» مؤخرا ودفعت الثمن غاليا.. وعموما أصبح الجهل بالثقافة المسيحية عاما شاملا في فرنسا. فطالب الثانوية يمكن أن ينال البكالوريا من دون أن يعرف أي شيء عن الإنجيل أو عن يسوع المسيح أو عن دين آبائه وأجداده. ولكن الاستهزاء بالإسلام أصبح موضة رائجة في السنوات الأخيرة. وتصاعدت موجة الإسلاموفوبيا بشكل مقلق. ويخشى أن تزداد أضعافا مضاعفة في الأيام المقبلة ليس فقط في فرنسا، وإنما في كل أنحاء أوروبا. وهنا أقول لهم مع إدانتي الكاملة للمجزرة التي حصلت مؤخرا في عاصمة النور: على مهلكم يا سادة العالم، يا متطورون، يا حضاريون! خذونا بحلمكم! فالمسلمون لا يستطيعون أن يستوعبوا بين عشية وضحاها طفرات فلسفية وعلمية وسياسية هائلة كان قد استغرق استيعابها من المسيحيين الأوروبيين مدة مائتي سنة على الأقل. أقصد مائتي سنة من الصراعات الفكرية والمواجهات السياسية والتفاعلات الجدلية الخلاقة.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».