«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

العلاقات السودانية ـ الصينية من «فرقة الأكروبات» إلى «سد مروي»

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم
TT

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

«التنين» يخوض حربه الأخيرة لصالح حليفته الخرطوم

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.

على قلة استخدامها لحق النقض (فيتو) بشكل عام، ولصالح السودان بشكل خاص، فإن الصين استخدمت هي وروسيا - حق النقض (فيتو) لصالح الحكومة السودانية، لأول مرة، منذ بدء العلاقات السودانية الصينية أبريل (نيسان) 1955.
واعترضت الصين وروسيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2014 على مشروع قرار من مجلس الأمن بإدانة السودان لطرده موظفين كبار بالأمم المتحدة، وهو ما يعد عمليا إسقاطا لمشروع القرار، باعتبارهما دولتين تملكان حق النقض (فيتو) داخل المجلس.
واستخدمت الصين غير الميالة لممارسة الـ«فيتو» مثل غيرها من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حق النقض لصالح الخرطوم، بعد أن كانت قد اكتفت بالامتناع عن التصويت إبان قرار المجلس بإحالة جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار تبنته 11 دولة وتحفظت عليه دول «الجزائر، والبرازيل، والصين، والولايات المتحدة»، وصدرت بموجب تلك الإحالة مذكرتي قبض بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وعدد من معاونيه أبرزهم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين.
واستخدمت الصين حق النقض طوال تاريخها 7 مرات فقط، مرة لإعاقة عضوية «منغوليا» في الأمم المتحدة، ولإعاقة عضوية بنغلاديش، ومع الاتحاد السوفياتي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، ولإعاقة تمديد تفويض قوات الأمم المتحدة في مقدونيا، ولإعاقة إرسال مراقبين دوليين لغواتيمالا، ومرتين لوقف إدانة النظام السوري، أما المرة السابعة فقد جاءت لمنع إدانة السودان بسبب طرده لموظفي الأمم المتحدة.
ليس هذا الموقف وحده هو الذي يؤكد وضع الصين لثقلها مع الخرطوم، فرغم حجم التبادل التجاري الذي لا يقارن بين الولايات المتحدة والصين، وبينها والسودان، فإن الصين دفعت ثمن العلاقة مع السودان، بمواجهة قرار الكونغرس الأميركي 422 لدفعها لممارسة ضغوط على السودان، لكنها لم تأبه ومضت في إسنادها للسودان.
عسكرياً، فإن الصين وحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية ونزع السلاح، نشره موقع «الجيش العربي» على الإنترنت، وهو موقع يحوي معلومات عن قدرات الجيوش العربية القتالية وتسليحها وعقائدها القتالية، فإن الصين كانت تساعد السودان في اقتناء الأسلحة، إضافة إلى كونها مورد أسلحة رئيسي للسودان فإنها كانت تساعده على تطوير إنتاجه المحلي من الأسلحة.
ويقول الموقع إن أول شحنة أسلحة صينية معلنة للسودان مولتها إيران على عهد رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، وتضمنت مروحيات وذخائر، وتواصل بعدها استيراد الطائرات العسكرية من الصين طوال تسعينات القرن الماضي وتضمن طائرات مقاتلة أو مروحيات.
ويقول الموقع إن الصينيين ساعدوا السودان على تطوير صناعته الحربية، مما جعل زعيم الإسلاميين الحاكمين في السودان وقتها حسن يتباهى بأن السودان شرع في بناء مصانع دبابات وصواريخ.
كما كشفت قاعدة بيانات التجارة للأمم المتحدة، أن قيمة الأسلحة العسكرية والأسلحة الصغيرة المنقولة من الصين إلى السودان بلغت مليون دولار أميركي 2000، وارتفعت إلى 23 مليون دولار 2005.
واتهمت الصين بخرق فرض حظر التسلح على السودان، وبتزويده بشاحنات عسكرية وتدريب طيارين على مقاتلات إسرائيلية، يبد أن الصين وصفت الاتهامات بأنها «منحازة»، وقالت إن بيع شاحنات للسودان يحدث في «نطاق ضيق جدا».
لكن مبيعات السلاح الصيني للسودان تراجعت من المركز الأول حسب التقارير العسكرية إلى المركز الثالث أو الرابع، بسبب الضغوط الدولية على الصين.
واستجابت الصين للضغط الدولي وضغطت بدورها على حليفتها الخرطوم لقبول قوات حفظ السلام الدولية، فبعثت مساعد وزير خارجيتها «تشاي جون» أبريل 2007 لإقناع الخرطوم بقبول عملية حفظ السلام في دارفور التي كان يرفضها الرئيس السوداني عمر البشير بشدة، وأفلحت في إقناعها بقبول «حزمة الدعم الثقيل» المكونة من 3 آلاف جندي أممي، وعلى نشرهم في إقليم دارفور.
يرجع «إصرار» الصين على استمرار وقوة علاقتها بالسودان، حسب موقع وزارة الخارجية السودانية على الإنترنت، إلى أن العلاقة بين البلدين «تاريخية» بدأت منذ ما قبل التاريخ.
يقول الموقع إن للعلاقة أبعادا سياسية واقتصادية بل و«عاطفية أحيانا»، فشعبا البلدين تقاسما ما يسمى «تجربة نضالية مشتركة»، إبان الاستعمار البريطاني، واستقدام الجنرال الشهير «غردون باشا» الذي أذاق الفلاحين الصينيين «ثورة تانينغ» الأمرين، وقتله الثوار المهديون الذين جاء للإجهاز على ثورتهم فقتلوه في 1885، وهو ما عدته الخارجية السودانية نصرا للثورة المهدية وانتصارا لآلاف الفلاحين الصينيين.
وفي مؤتمر «باندونغ» الشهير والذي تكونت بموجبه مجموعة دول عدم الانحياز 1955، التقى الزعيمان الصيني «شوان لاي» والسوداني «إسماعيل الأزهري»، ثم اعترف السودان بالصين كدولة مستقلة، وافتتحت الصين سفارتها في الخرطوم عام 1959م، وافتتح السودان سفارته في بكين 1970م.
وتعد زيارة رئيس الوزراء الصيني «شوان لاي» للسودان عام 1964م، ورد الرئيس السوداني وقتها الفريق إبراهيم للزيارة في العام نفسه، علامة فارقة في علاقة البلدين. كما، وتحفظ أضابير الخارجية السودانية الموقف المساند للصين في استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن عام 1971، ودعم الموقف الصيني مما عرف بـ«المسألة التايوانية»، إذ دأبت الدبلوماسية السودانية على التأكيد على وحدة الصين واعتبار تايوان جزءا من الصين الأم.
ثم تطورت العلاقة السودانية الصينية بشكل مطرد وكبير معا، بعيد انقلاب الرئيس عمر البشير يونيو (حزيران) 1989، الذي واجه عزلة دولية خاصة من الدول الغربية، وأسهمت صراعات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبروز الصين كقوة اقتصادية كبيرة في العالم في تمتين العلاقة، وأدت لتوقيع عدة اتفاقات بين البلدين: «اتفاق إنشاء اللجنة الوزارية المشتركة، وإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية والخاصة من تأشيرات الدخول للبلدين عام 1995م، والتنقيب عن البترول، وتشجيع وضمان الاستثمار عام 1997م، ومنع الازدواج الضريبي عام 1997م، وإنشاء لجنة التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية في البلدين عام 1997م، وبروتوكول التعاون الثقافي والعلمي، واتفاق تبادل الخبرات في مجال القانون عام 2000».
وزار الرئيس عمر البشير الصين 3 مرات أعوام (1990، 1995، 2006)، فيما زار الرئيس الصيني «هو جينتاو» السودان فبراير (شباط) 2007.
وتعززت بين البلدين العلاقات الاقتصادية والسياسية والدولية، وتقف المصالح التجارية والاقتصادية على رأس أولويات العلاقة التي تتبدى سافرة في تزايد الميزان التجاري والاستثمارات بين البلدين وقيام مشروعات ملموسة في قطاع البترول، الكهرباء، والمعادن، ومعدات وطلمبات المياه، ومياه الشرب، والطرق والجسور ومراكز البحوث الزراعية.
ووقع الطرفان عددا من البروتوكولات واتفاقيات التعاون المشترك، وتتضمن التعاون الزراعي، والطيران المدني، والتمويل، والبترول مقابل المشروعات، وقروض نقدية. ويصف محللون زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى الصين 28 يونيو 2011، وتعرضت طائرته خلالها لمحاولة «قرصنة جوية» بهدف القبض عليه وتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية، بأنها كانت «مغامرة» كبيرة، لكنهم يقولون في الوقت ذاته، إنها تكشف بوضوح الحاجة السودانية لتوطيد العلاقة مع الصين مهما كانت المخاطرة.
وورد في تقارير «ويكيليكس» أن الشراكة الصينية السودانية النفطية وحدها كانت تقدر ببلايين الدولارات قبل استقلال جنوب السودان، وأنها كانت تستورد قرابة 70 في المائة من النفط السوداني. وأسهمت الصين بشكل كبير في استخراج البترول السوداني، بعد أن غادرت الشركات الغربية «شيفرون، موبيل أويل» وغيرها للسودان بعد استلام الإسلاميين للسلطة في السودان، كما دأبت على توقيع اتفاقيات اقتصادية معه، يذكر منها تقرير ويكيليس اتفاقية فبراير 2007 قدرها 1.2 مليار دولار المخصصة لتأهيل خط السكة الحديدية بين الخرطوم وبورتسودان.
وعلى الرغم، من استقلال جنوب السودان، وذهاب قرابة 80 في المائة من إنتاج النفط إلى جنوب السودان، فإن الصين معنية بالحفاظ على خط أنابيب البترول البالغ طوله قرابة ألف ميل، باعتباره المخرج الوحيد للبترول السوداني في طريقه إلى الصين، وتقدر نسبته بـ7 في المائة من استهلاك الصين، وهو ما جعل من السودان الشريك التجاري الثاني للصين في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا.
وكشفت إجابات وزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء زيارته للسودان 11 يناير (كانون الثاني) الحالي على الأسئلة التي وجهت له - على دبلوماسيتها - بأن علاقة البلدين «تستبطنها» الشكوك ويحيط بها الريب من جوانب كثيرة، وكأنهما «السودان والصين»، يقيمان علاقة حب محرمة، بعيدا عن المجتمعين الإقليمي والدولي.
قال الوزير في إجابة سؤال عن سر اهتمام الصين بملفات الصراع السوداني، وما إن كان البترول هو السبب، إن بلاده والسودان صديقان عزيزان وحقيقيان، نمت علاقتهما منذ نصف قرن من الزمان، تقاسما خلالها «السراء والضراء»، مما أدى لتعميق الصداقة بينهما.
وتعزيزا للقول أضاف، أن علاقة بلاده بالسودان لا تحكمها المصالح النفطية وحدها، وأن اهتمامه بالقضايا المتعقلة بالسودانيين، ليس كله مصالح، بل مرتبط بدور بلاده كدولة عظمى، ولا يقتصر على مآربها الخاصة.
وكرر الضيف هذه الإجابة أكثر من مرة وبمفردات تختلف حسب الحال وصيغة السؤال، لكنها لم تجب على السؤال الذي يلاحق العلاقة مهما كان صيغة طرحه، رغم بداهة السؤال وإجابته. وتفصح هذه الإجابة - رغم دبلوماسيتها وعاطفيتها - أن الصين تعرف أن كل ما يلمع ليس ذهبا، وأنها يمكن أن ترفع الجزرة في الوقت الذي تخبئ فيه العصا، على عكس ما تروج له حكومة السودان بأن رباط البلدين «قصة حب صينية»، يتبادل فيها العاشقان الهوى عند سور الصين العظيم.
أتت الزيارة بعد 10 أيام من استخدام الصين لحق النقض لصالح السودان، خصوصا وأن الخرطوم كانت غير راضية - على الأقل - عن امتناع الصين عن استخدام حق النقض لصالحها في مجلس الأمن لحظة إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وموقفها من القرار 2064 الصادر عن مجلس الأمن الذي حدد لدولتي السودان سقفا زمنيا للوصول لتسوية للقضايا العالقة بينهما يونيو 2012.
وينظر السودان «شذراً» لما يمكن أن يطلق عليه تخلي الصين عن علاقتها التاريخية معه لصالح «النفط»، فقد نقلت تقارير نفطية أنها تقدمت بعطاء لمنافسة اليابان على إنشاء أنبوب نفطي من جنوب السودان إلى ميناء لامو الكيني، للالتفاف على التوتر الذي ظل يشوب علاقة البلدين ويؤدي لإعاقة تصدير نفط جنوب السودان عبر الأنبوب السوداني.
الخرطوم تكسب ما يعادل 25 دولارا على كل برميل نفط جنوبي يمر عبر أنبوبها النفطي، وبإنشاء خط الأنابيب الجديد تتأثر حتما عائداتها من نفط جنوب السودان كثيرا. لكن الصين لا تأبه لهذه الشكوك السودانية على ما يبدو، لأنها جاءت هذه المرة وفي يدها جزرة «الفيتو» الأخير، والثمن إسهام السودان في وقف الحرب في جنوب السودان، والتوصل لاتفاقيات مع الجارة الوليدة، وإنهاء الحروب داخله، إن لم يكن من أجله فمن أجل خاطر عيون «الصين الجديدة».
في الزيارة الأخيرة، سعت الصين لجمع المتحاربين في جنوب السودان، لأن الحرب الدائرة هناك أدت لتعثر إنتاج النفط كثيرا، وفي الوقت ذاته، فإن التوتر بين السودان وجنوب السودان، أضر بالنتيجة بالمصالح الصينية في البلدين. قال الوزير الصيني إن وساطته ليست من أجل المصالح النفطية، وإنما تأتي انطلاقا من مسؤولية وواجبات الصين باعتبارها دولة كبرى، وهو ما يفرض عليها التوسط وليس البحث عن المصالح الخاصة.
وأضاف أن بلاده لعبت في السنوات الأخيرة دورا إيجابيا في تسوية النزاعات المتعلقة بالسودان، وفقا لما يفرضه التوافق الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأوضح أن هذا الدور فرض على بلاده تعيين السفير «تشونغ جيانهوا» مبعوثا خاصا للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية، وإن جيانهوا ظل يتنقل بين الصين والسودان في زيارات مكوكية مع الأطراف للوصول لمصالحة بين السودان وجنوب السودان ولتسوية النزاعات داخل جنوب السودان.
وحذر الوزير «وانغ يي» من تأثير تطاول الحروب والنزاعات على صناعة النفط على التعاون بين السودانيين، وهو ما لا تريده بلاده، وأن وساطته تقوم انطلاقاً من هذه المسؤولية، ومن كونها «صديقا عزيزا» للسودان وجنوب السودان.
تاريخيا، أسهمت الصين في إقامة عدد من المشروعات المهمة بالسودان، ولا يزال السودانيون يذكرون «مصنع الصداقة للنسيج، وكوبري حنتوب، وكوبري سنجة، وقاعة الصداقة، وطريق مدني القضارف، ومركز التدريب المهني، ومصفاة الخرطوم».
وقدمت الصين قروضا ومنحا للسودان بلغت قيمتها 3.83 مليار دولار ابتداء من عام 1970 إلى 2008، وبلغت المنح والقروض الممنوحة في الفترة من 1990 - 2008 وحدها 3.7 مليار دولار من إجمالي القروض الصينية للسودان، مما يشير إلى أن هذه الفترة «حكم الإنقاذ» هي الفترة التي كانت فيها الصين أكثر سخاء مع السودان.
واستغلت معظم القروض الصينية في مشروعات البني التحتية مثل الطرق والجسور والكهرباء، كما استغلت القروض التفضيلية التي منحتها الصين للسودان في مشروعات التنقيب واستخرج البترول والذهب في السودان.
وبدأ التعاون التجاري الفعلي بين البلدين بتوقيع اتفاقية 1992 التجارية، ومنذ ذلك الوقت ظل الميزان التجاري حسب تقارير وزارة المالية السودانية لصالح السودان، الذي يصدر إلى الصين سلعا مثل «القطن، والصمغ العربي، والسمسم، والجلود، إضافة للبترول»، بيد أن الميزان التجاري بدأ يميل لصالح الصين بعد 2008، وبلغت مديونيته لصالح الصين وقتها أكثر من 1.2 مليار دولار، فيما بلغ حجم الاستثمارات الصينية في السودان نحو 5 مليارات دولار، ارتفعت إلى قرابة 15 مليون، فيما يعمل فيه أكثر من 16 ألف عامل صيني في السودان.
وابتدعت الدولتان آلية «النفط مقابل الديون» لتمويل المشروعات السودانية، لكن بعد انفصال جنوب السودان وذهاب 75 في المائة من إنتاج النفط، استمر الجانب السوداني في الاستفادة من أنصبة الشركات المنتجة للنفط لتغطية استهلاكه المحلي وبالتالي لم يعد هناك نفط يذهب لسداد الديون، وهو ما جعله يطلب من الصين تأجيل سداد الديون والاستمرار في تمويل المشروعات، من دون أن يقدم ضمانات مقنعة لاستمرار انسياب التمويل.
ما حدا بالجانب الصيني إيقاف تنفيذ بعض المشروعات والتباطؤ في تنفيذ الأخرى، وضعف حماسه في منح مزيد من القروض للدخول في مشروعات جديدة بما في ذلك مشروعات زيادة إنتاج النفط. ويقول مصدر تحدث للصحيفة إن زيارة وزير الخارجية الأخيرة كانت تتضمن في جدول أعمالها بندا مهما، وهو «ديون الشركات»، وأوضح المصدر أن الصين تتجه إلى مقايضة السودان بمشاريع أخرى مقابل هذه الديون.
وترى وزارة المالية السودانية أن العلاقات الاقتصادية مع الصين أحدثت أثرا سياسيا بينا، وأدت لوقوف الصين مع الخرطوم في المحافل الدولية، وآخرها رفض الصين قرار إدانة السودان لطرده موظفين دوليين.
بعد انفصال جنوب السودان، واشتعال الحرب على الحدود بين الدولتين، واستمرار التنازع الحدودي، والتنازع على عائدات البترول، تراجعت صادرات البترول كثيرا، وزاد الطين بلة اشتعال الحرب الأهلية في جنوب السودان نفسه، بين الموالين للرئيس سلفا كير ميارديت والموالين لنائبه السابق رياك مشار، تأثر إنتاج النفط كثيرا مما أثر على المصالح الصينية في البلدين.
وصدر السودان إلى الصين 49 ألف برميل نفط، فيما صدر جنوب السودان 65 ألف يوميا للصين في عام 2013، بعد أن كانتا تصدران مجتمعتين أكثر من 337 ألف برميل يوميا في عام 2012، بسبب تأثر الإنتاج بتوتر العلاقات بين الدولتين.
وتوقف معظم إنتاج النفط في جنوب السودان عقب اندلاع النزاع المسلح بين الفرقاء الجنوبيين في ديسمبر عام 2013، مما سبب خسائر فادحة للصين والشركات النفطية الصينية.
وينظر كثير من المحللين بريب للاستثمارات الصينية في السودان، ويقول الأستاذ في كلية «ويليام ماري»، وهي واحدة من أهم الكليات التي تدرس العلوم السياسية بالولايات المتحدة البروفسور «فيليب رويسلر»، إن جل استثمارات الصين في السودان، يمكن إدراجها ضمن خطة الحزب الحاكم في السودان «المؤتمر الوطني»، وتقوم على تركيز التنمية فيما يعرف بـ«مثلث حمدي».
وجاء في الدراسة الصادرة في مايو (أيار) مايو 2014، أن الصين هي الممول التنموي الرئيس في السودان، وأن استثماراتها تركزت في المثلث الممتد بين ولاية شمال كردفان مارا بالنيل الأبيض إلى بورتسودان ثم شمالا، بما يتوافق مع الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد للحزب الحاكم والتي وضعها وزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي، ودعا فيها لإنشاء «استثمارات ضخمة جدا وسريعة جدا» في الشمال الجغرافي، والمنطقة التي تتركز فيها قاعدة المؤتمر الوطني، وذهبت إليها معظم الاستثمارات الكبرى مثل «سد مروي»، مما جعل رويسلر يعتبر أن المعونات الصينية للسودان تملك القدرة على التدخل في إعادة هيكلة الدول.
إلى جانب رويسلر، فإن كثيرين من الذين ينظرون إلى الحضور الصيني في الشأن السوداني بريب، وفي بالهم ازدحام الأسواق، والبيوت مليئة بالسلع الصينية رديئة النوعية التي تتلف قبل الشروع في استعمالها. وعادة يصف عامة الناس السلع الصينية برداءة الصنع، ابتداء من «قابس الكهرباء، والسيارات، ويمتد إلى الجسور التي شيدتها شركات صينية»، أو هذا ما قالته السيدة منى زكريا لـ«الشرق الأوسط» بأن الصين أعطت السودان «فرقة الأكروبات وقاعة الصداقة»، وهي تشير إلى شمعة إضاءة صينية احترقت توا أضافت: «أما سواهما فقد اشترينا منهم الترام».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.