همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

حوار مع صاحب «الشيخ والبحر» حول أعماله وأسلافه الذين أثروا فيه

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي
TT

همنغواي: أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب

أرنست همنغوَاي
أرنست همنغوَاي

س. هل تعيد الكتابة كثيراً؟
ج. يعتمد ذلك على عدة أمور. أعدت كتابة الصفحة الأخيرة من «وداعاً أيها السلاح» تسعاً وثلاثين مرة قبل أن أقتنع بها.
س. هل كانت هناك مشكلة تكنيكية؟ ما الذي حيرك؟
ج. وضع الكلمات في موضعها الصحيح.
س. هل التوازن العاطفي ضروري للكتابة الجيدة؟ أخبرتَني ذات مرة أنك لا تستطيع الكتابة بشكل جيد إلا حين تكون في علاقة حب. هل يمكنك أن تضيف شيئاً إلى ذلك؟
ج. يا للسؤال. لكن المحاولة تستحق العلامة الكاملة. يمكنك أن تكتب في أي وقت يدعك فيه الناس لوحدك دون أن يقاطعوك. أو بدلاً من ذلك يمكنك أن تكتب إن كنت غير مبالٍ بما يكفي تجاه ذلك. لكن أفضل الكتابة يأتي بالتأكيد حين تكون في علاقة حب. إن كان الأمر متساوياً لديك أفضل ألا أعلق على الأمر.
س. ماذا عن الأمان المالي؟ هل لذلك تأثير حاسم على الكتابة؟
ج. إن جاء في وقت مبكر، وأحببت الحياة، كما تحب عملك، فإن مقاومة الإغراء تحتاج الكثير من قوة الشخصية. بمجرد أن تصير الكتابة عيبك الأكبر ومتعتك الأعظم، لن يستطيع أن يوقفها سوى الموت. الأمان المالي يصير عندئذٍ معِيناً لأنه يبقيك بعيداً عن القلق. القلق يدمر القدرة على الكتابة. اعتلال الصحة سيئ بالقدر الذي يُنتج فيه قلقاً يهاجم لا وعيك ويدمر مخزوناتك.
س. هل تتذكر لحظة محددة قررت فيها أن تصير كاتباً؟
ج. لا، كنت دائماً أرغب في أن أكون كاتباً.
س. ما الذي تراه أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يكون كاتباً؟
ج. لنقل إن عليه أن يخرج ويشنق نفسه لأنه يكتشف أن الكتابة بشكل جيد صعبة إلى حد الاستحالة. بعد ذلك عليه أن يقطع نفسه دون رحمة ويجبر نفسه على الكتابة بالجودة التي يستطيع بقية حياته. على الأقل ستكون لديه قصة الشنق ليبتدئ بها.
س. في باريس، إبان العشرينيات، هل كان لديك إحساس بأن ثمة «شعوراً جماعياً» مع كتاب وفنانين آخرين؟
ج. لا. لم يكن هناك شعور جماعي. كنا نحترم بعضنا. شعرت باحترام لعدد من الرسامين، بعضهم في سني، وآخرين أكبر مني، (خوان) غريس، بيكاسو، براك، مونيه (الذي كان ما يزال حياً) - وقليل من الكتاب: جويس، عزرا (باوند)، الجانب الجيد من (غيرترود) شتاين...
س. حين تكتب هل تجد نفسك تتأثر بما تقرأ في ذلك الوقت؟
ج. لم يحدث ذلك منذ كان جويس يكتب «يوليسيس». كان تأثيره مباشراً. ولكن في تلك الأيام حين كانت الكلمات التي نعرف ممنوعة عناً، وكان علينا أن نحارب من أجل كلمة واحدة، كان أثر عمله هو الذي غير كل شيء، وجعل من الممكن لنا أن ننعتق من القيود.
س. هل يمكنك تعلم أي شيء حول الكتابة من الكتاب؟ كنت بالأمس تقول لي إن جويس، مثلاً، لم يكن يطيق الحديث عن الكتابة؟
ج. في رفقة أناس من أهل صنعتك تتحدث عادة عن كتب الكتاب الآخرين. كلما كان الكتاب أفضل، كان حديثهم أقل عما كتبوا أنفسهم. كان جويس كاتباً عظيماً وكان يوضح ما كتبه للأغبياء. الكتاب الآخرون الذين احترَمَهم كان يَفترِض فيهم أن يكونوا قادرين على معرفة ما كان يفعل بقراءته.
س. من هم الذين يمكن أن تسميهم أسلافك - أولئك الذين تعلمت منهم أكثر من غيرهم؟
ج. مارك توين، فلوبير، ستندال، باخ، تورجنيف، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف، أندرو مارفل، جون دَن، موباسان، الجانب الجيد من كبلنغ، ثورو، كابتن ماريات، شكسبير، موتزارت، كويفيدو، دانتي، فيرجل، تنتوريتو، هيرونيموس بوش، بروغل، باتينير، غويا، جيوتو، سيزان، فان غوخ، غوغان، سان هوان دي لا كروز، غونغورا - أحتاج يوماً كاملاً لتذكر الجميع. عندئذٍ سيبدو كما لو أنني كنت أدعي تحصيلاً لم أمتلكه بدلاً من محاولة تذكر كل الناس الذين كان لهم أثر على حياتي وعملي. ليس هذا سؤالاً قديماً ومملاً. إنه سؤال جيد جداً ولكنه جليل ويتطلب تفحصاً للضمير. لقد أشرت إلى رسامين، أو بدأت بالإشارة إليهم، لأنني تعلمت من الرسامين عن الكتابة قدر ما تعلمت من الكتاب. تسألني وكيف ذلك؟ سيستغرق الأمر يوماً آخر من الشرح. أعتقد أن ما يتعلمه المرء من الموسيقيين ومن دراسة الهارموني والطباق سيكون واضحاً.
س. هل توافق على أن هناك رمزية في أعمالك؟
ج. أفترض أن هناك رموزاً طالما أن النقاد ما زالوا يكتشفونها. إن لم يزعجك هذا، فإني أكره الحديث عنها، أو أن أُسأل عنها. إن كتابة الكتب والقصص صعبة بما يكفي بعيداً عن طلب شرحها أيضاً. كما أن ذلك يحرم الشارح من عمله. إن استطاع خمسة أو ستة شارحين جيدين أن يستمروا لماذا أتدخل في عملهم؟ اقرأ أي شيء أكتبه لمتعة القراءة. أي شيء آخر تجده سيكون مقياساً لما أتيت به معك إلى القراءة.
س. هذه الأسئلة التي تبحث في الحرفة مزعجة حقاً.
ج. السؤال المعقول ليس متعة ولا إزعاجاً. ما زلت أعتقد مع ذلك أن من السيئ للكاتب أن يتحدث عما يكتب. إنه يكتب لكي يُقرأ بالعين دون ضرورة للشروحات والأطروحات. يمكنك أن تثق بأن هناك أكثر بكثير مما يمكن قراءته في المرة الأولى، وبعد ذلك ليست مهمة الكاتب أن يشرحه أو يسير جولات سياحية عبر الطبيعة الأكثر وعورة من عمله.
س. هل يمكنك التحدث عن حجم التفكير الذي احتجته لتطوير أسلوبك؟
ج. هذا سؤال مرهق ويحتاج وقتاً طويلاً، ولو أمضيت يومين تجيب عنه ستكون على قدر من الوعي الذاتي يحول بينك وبين الكتابة. يمكنني أن أقول إن ما يسميه الهواة أسلوباً هو عادة ليس سوى الارتباك الناجم عن محاولة أولى لصنع شيء لم يصنع من قبل. على وجه التقريب ليست هناك روائع تشبه روائع سابقة. في البدء يرى الناس الارتباك فقط. بعدئذٍ يزول الشك عنهم. وعندما يظهرون بذلك القدر من الارتباك يظن الناس أن ارتباكاتهم هي الأسلوب فيستنسخه الكثيرون. ذلك مؤسف.
س. ما مدى اكتمال تصورك للقصة القصيرة في ذهنك؟ هل يتغير الموضوع أو الحبكة أو الشخصية أثناء الكتابة؟
ج. أحياناً تعرف القصة. أحياناً تصنعها أثناء العمل، وليست لديك فكرة كيف ستخرج. كل شيء يتغير أثناء الحركة. ذلك ما يصنع الحركة التي تصنع القصة. أحياناً الحركة تكون بطيئة إلى حد أنها تبدو بلا حركة. لكن هناك دائماً تغيير ودائماً حركة.
س. هل يحدث الشيء نفسه مع الرواية، أو أنك تضع الخطة الكاملة قبل البدء وتلتزم بها بصرامة؟
ج. كانت «لمن تقرع الأجراس» مشكلة حملتها معي كل يوم. كنت أعرف ما الذي سيحدث من حيث المبدأ. لكني اخترعت ما يحدث في كل يوم كتبت فيه.
س. هل ترى نفسك في حالة تنافس مع الكتاب الآخرين؟
ج. أبداً. اعتدت أن أحاول الكتابة أفضل من بعض الكتاب الذين ماتوا ممن كنت موقناً من قيمتهم. منذ وقت طويل وأنا أحاول ببساطة أن أكتب أفضل ما يمكنني كتابته. أحياناً يحالفني الحظ فأكتب أفضل مما أستطيع.
س. لم نتحدث عن الشخصية. هل الشخصيات في عملك مأخوذة بلا استثناء من الحياة الحقيقية؟
ج. بالطبع ليست كذلك. «بعضها» يأتي من الحياة الحقيقية. في الغالب تخترع الشخصيات من معرفة الناس وفهمهم وتجاربك معهم.
س. هلا قلت شيئاً عن عملية تحويل شخصية حقيقية إلى شخصية متخيلة؟
ج. لو شرحتُ كيف يحدث ذلك أحياناً فقد يكون ذلك دليلاً يهتدي به محامو التشهير.
س. هل تميز - كما يفعل إي إم فوستر - بين الشخصيات المسطحة والمستديرة؟
ج. إذا وصفت شخصية فهي مسطحة، مثلما هي الصورة، ومن جانبي أعد ذلك فشلاً. إذا صورته مما تعرفه، فستكون هناك الأبعاد كلها.
س. إذن حين لا تكون منشغلاً بالكتابة، فإنك تظل تراقب باستمرار، تبحث عن شيء يمكن استعماله.
ج. بالتأكيد. إذا توقف الكاتب عن المراقبة فقد انتهى. لكن ليس عليه أن يراقب بوعي أو يفكر بكيفية الاستعمال. ربما يكون ذلك صحيحاً في البداية. لكن فيما بعد كل ما يراه يذهب إلى المخزون الكبير للأشياء التي يعرفها أو رآها. إن كان من المفيد معرفتها، أحاول دائماً أن أكتب وفق مبدأ جبل الجليد. هناك سبعة أثمان منه تحت الماء مقابل كل جزء ظاهر. كل ما يمكنك إلغاؤه سيقوي الجبل. إنه الجزء المختفي. إذا ألغى الكاتب شيئاً لأنه لا يعرفه فثمة فجوة في القصة.
كان يمكن لـ«الشيخ والبحر» أن تكون في ألف صفحة ويكون فيها كل شخص في القرية وكل العمليات التي قاموا بها لكي يعيشوا، كيف ولدوا، وتعلموا، وأنجبوا أطفالاً، إلخ. ذلك ما أنجزه كتاب آخرون بتميز وإتقان. في الكتابة أنت مقيد بما أنجز بشكل مقنع. لذا حاولت أن أتعلم فعل شيء آخر. حاولت أولاً أن ألغي كل ما هو غير ضروري لنقل التجربة إلى القارئ، وذلك لكي يصير كل ما قرأه أو قرأته جزءاً من تجربته أو تجربتها، ويبدو فعلاً أنه قد حدث. ذلك صعب جداً واشتغلت عليه بصعوبة بالغة..
س. أخيراً، سؤال أساسي: بوصفك كاتباً خلاقاً ما هي برأيك المهمة التي يقوم بها فنك؟ لماذا تمثيل الحقيقة بدلاً من الحقيقة نفسها؟
ج. ولم الحيرة حول هذا؟ من الأشياء التي حدثت والأشياء الموجودة ومن جميع الأشياء التي تعرف وكل تلك التي لا تعرف، تخترع شيئاً لا يمثل وإنما هو شيء جديد حقيقي أكثر من أي شيء حقيقي وحي، وتجعله حياً، وإن صنعته بإتقان كافٍ فقد منحته الخلود. لذلك السبب تكتب وليس لسبب آخر تعرفه. لكن ماذا عن كل الأسباب التي لا يعرفها أحد؟
*روائي أميركي. أجري الحوار
في هافانا، كوبا
ونشر في مجلة «باريس ريفيو»،
عام 1958



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.