الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

البروفسورة ماكميلان ترى في كتابها الجديد أن السلام ليس الحالة الطبيعية للبشر

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان
TT

الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان

نسي الجيل المعاصر من الغربيين الحروب وويلاتها بعدما انتهت «عالميتهم الثانية» منذ خمسة وسبعين عاماً، وعمّ السلام (الباكسأميركانا على نسق الباكسرومانا - فترة السلام الطويل في عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة) الهادئ مثل ربوع دول الشمال في أوروبا واليابان والعالم الأنغلوفوني، فيما انتقلت الصراعات بعيداً إلى الأطراف القصيّة وشاشات التلفزة، وأصبحت تمس أنواعاً مختلفة عنهم من البشر. ويكاد يسود -كما تقول البروفسورة مارغريت ماكميلان مؤلفة كتاب «الحرب: كيف شكلتنا الصراعات»- إحساس عام موهوم بأن السلام هو الحالة الطبيعيّة للبشر، في حين أن الحقيقة «أن تاريخهم بأغلب مفاصله شكّلته الحروب: ستجدها دائماً في كواليس مؤسساتهم الاجتماعيّة والسياسيّة، ومنطلقاً رئيساً لقيمهم وأفكارهم». ولذلك فإن أي محاولة لفهم ماضي أي مجتمع -وحاضره- تتطلب بالضرورة العبور من الأدوار التي كانت للحروب، سواء كنا نتحدّث عن العصور القديمة أو الوسطى أو عصر النهضة أو العصر الرأسمالي الحديث منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم.
ليس الأمر مسألة مرتبطة بالتأريخ كمنهج نظري فحسب، بل إن كثيرين من علماء الإنسانيات (الأنثروبولوجيا) المعاصرين يزعمون أن فكرة انتظام البشر في مجتمعات إنما كانت مرتبطة منذ اليوم الأوّل بالتأهب لخوض الصراعات المسلّحة: إذ تتطلّب الإدارة الفاعلة لأعمال القتل الجماعي ضد آخرين هيكليّة تحدد من يعطي الأوامر ومن يتلقاها، كما ترتيبات لوجيستيّة أشد تعقيداً من الأنشطة الإنسانيّة السلميّة الطابع؛ ارتباط تراه ماكميلان جدليّاً: الصراعات شكلّت المجتمعات، والمجتمعات أنتجت صراعات، وهكذا في دورة لا تتوقف.
ورغم أنّ «الحرب» من ناحية المفهوم اللغوي تبدو قريبة للأذهان، فإنّها ما تلبث تناور عند محاولة القبض على تعريف محدد لها، بالنظر إلى أنّها اتخذت أشكالاً متفاوتة كثيرة عبر الحقب، وهو أمر اشتكت منه ماكميلان ذاتها، الخبيرة بالحروب، لتنتهي إلى توصيفها بأنها «عمل منظّم من أعمال العنف ضد منظومة أخرى بهدف نهائي متمثل في إجبار الجانب الآخر على الخضوع». ويعني هذا التوصيف عندها أن جزئيّة «التنظيم» هي المفتاح، فصراع أفراد في الشارع -بغض النظر عمّا يمكن أن نسميه- ليس حرباً، إذ لا بدّ أن ينطوي الصراع على هيئات منظمة توقع العنف على هيئات منظمة أخرى كي يتأهل لتسمية الحرب، سواء كان ذلك صراعاً بين طوائف دينية متنافسة أو اقتتال أهلي بين قوميّات أو إثنيّات أو تيّارات سياسيّة، أو نزاع مسلّح بين دولتين، أو عدة دول.
وتفرّق ماكميلان بين الدّوافع البشريّة إلى شن الحروب على مستويين، فهناك دوافع تؤدّي بمنظّومة كبيرة -سواء كانت إقطاعية أو دولة أو مملكة أو إمبراطورية- لخوض الحرب، وهذه يمكن أن تتراوح من الغزو لتحقيق المكاسب (أراض، وموارد،... إلخ) أو الدفاع ضد اعتداء آخرين، إلى مسائل معنويّة، كالكرامة الوطنيّة واسترداد الشرّف. ثم هناك الدوافع التي تلهم الأفراد -بصفتهم أفراداً- للذهاب إلى الحرب التي يمكن أن تكون أكثر تعقيداً بما لا يقاس. وقد لعبت ثقافة الشعوب هنا دوراً مهماً -مفاجئاً في كثير من الأحيان- إذ مالت بعض الثقافات القديمة مثلاً إلى تمجيد القتال (النساء أحياناً، ولكن الرجال أساساً)، وترعرعت أجيال من شبانها على أن خوض المعارك أنبل الأشياء التي يمكن للإنسان القيام بها في حياته، ومنهم كثيرون طامحون أرادوا إظهار كفاءتهم في خضّمها، أو هم -كما كان الحال في الجمهوريّة الرّومانيّة وبريطانيا إبّان الحرب العالميّة الأولى- يقعون تحت ضغوط اجتماعيّة لا ترحم تدفعهم للمشاركة في العمل العسكري المنظّم، بينما يتعرّض المستنكفون للعزل والعار وتشويه السمعة، وربّما السجن أحياناً. وهي ترى الثورة الفرنسيّة غيّرت بشكل جذري من نظرة أوروبيي العصور الوسطى تجاه الانخراط في القتال بصفته واجباً دينياً أو ولاءً للملك إلى نوع من المسؤولية الجمعيّة التي يحملها المواطنون بالتساوي لناحية حماية الدّولة التي هي ملكهم بالتضامن. وتخلق الروابط الرّفاقيّة المكثفة بين عناصر فرق القتال -وفق عشرات المذكرات التي تركها جنود في الحربين العالميتين- حافزاً لدى بعضهم لكي يقاتلوا من أجل رفاقهم، وخوفاً من خذلناهم في وقت الشّدائد.
ولعل واحدة من المفارقات الكثيرة للحرب التي يطرحها كتاب «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» أنها دفعت في كثير من الأحيان إلى تحقيق التقدم المادي والتقنيّ. فبعض الأشياء التي تبدو مستحيلة في زمن السلم، تصبح ممكنة زمن الحرب، حين تجد الحكومات نفسها على المحكّ، فتتولى تدبير المصادر لتمويل مشاريع طموحة لم تكن لتجرأ عليها ربّما في أوقات مستقرّة، لا سيما أن السلطات يمكنها بحكم التهديدات الوجوديّة فرض ضرائب استثنائيّة، ويتقبّل جلّ الجمهور الحاجة المستجدة لتعبئة جميع الموارد الوطنية، ولا يجرأ كثيرون عندئذ على الاعتراض. ولعل أهم مثال معاصر لنا هو مشروع «مانهاتن» الأميركي لتطوير أوّل قنبلة نوويّة. لقد استهلك ذلك المشروع من الموارد التي لو وظّفت في قطاعات أخرى لقضت على الفقر تماماً في الولايات المتحدّة، لكن أغلبية الأميركيين خلال الحرب العالميّة الثانيّة كانت تحت وهم الاعتقاد بأنّ إنتاج السلاح أولويّة وطنيّة فوق أي اعتبار آخر. وتقول ماكميلان إن تطوير الأسلحة النوويّة لأغراض الحرب والقتل الجماعي مكن في الوقت ذاته من استكشاف التطبيقات السلميّة الكثيرة للطاقة النووية. والبنسلين قد يكون مثالاً آخر، إذ اكتشفه ألكسندر فليمنغ عام 1928، لكن تكاليف إنتاجه بكميّات كبيرة كانت مرتفعة للغاية، ولم يتم تجاوزها إلا عندما حدث سفك الدّماء المليوني في الحرب العالمية الثانية، لتجد الحكومات طرائق مختلفة لجعل تلك النفقات محتملة، وتوفيره بصفته علاجاً مجانياً للجرحى، وبأسعار ميسّرة للمواطنين.
ويذهب مؤرخون اقتصاديون معاصرون إلى الزّعم بأن الحروب شكلّت دائماً نوعاً من الضغوط الحاسمة لتقليص الفجوة الاقتصاديّة بين طرفي المجتمع -الذين يملكون والذين لا يملكون- ومنحت الشرعيّة لتدّخل واسع للدولة على نحو فرض تقريب القطبين من بعضهما، سواء من خلال فرض ضرائب إضافيّة على المقتدرين، وكذلك منع تدهور أوضاع الطبقة الأقل حظاً. ووفق ماكميلان دوماً، فإن دراسات متقاطعة قالت إن البريطاني (العادي) كان أفضل تغذية خلال الحرب العالمية الثانية منه في أي وقت مضى. وربما شهدت الفترة من عام 1914 إلى الستينيات أكبر قدر من المساواة الاقتصادية في المجتمعات الغربية، وهي الفترة الصعبة ذاتها التي شهدت حربيين عالميتين.
وما عدا التقدّم الاقتصادي، بصفته عَرَضاً جانبياً للحرب، فإن التقدّم الاجتماعي كثيراً ما كان أيضاً مرتبطاً -في الغرب تحديداً- بفترات صراعات دمويّة. وتقدم ماكميلان مثالاً ملهماً من بريطانيا التي كانت النساء فيها حتى الحرب العالميّة الأولى محرومات من التصويت، رغم الحملات البطوليّة التي نفّذتها نساء رائدات دعون للمساواة مع الرّجال، إذ كان الانطباع العام -بما فيه أوساط النساء أنفسهن- أنهن غير مؤهلات لاتخاذ القرارات المهمة، وليست لهن القدرة على القيام بالوظائف الشاقة نفسها التي يقوم بها الرجال. ومع ذلك، فخلال الحرب العالمية الأولى، عندما أُرسل الرجال بعيداً للقتال، ولم يعد منهم كثيرون، فإن كثيراً من الوظائف المخصصة للذكور تقليدياً تولتها نساء. وقضت تجربة الحرب تلك على كل الأوهام المتعلقة بإمكاناتهن، بعد أن اتضح أن البريطانيات قدّن، وربّما بشكل أفضل من رفاقهن الرجال أحياناً، عمليّات الإنتاج والإدارة، من قيادة الجرارات إلى العمل على خطوط تجميع المصانع وإدارة المكاتب، ناهيك من المشاركة الفاعلة في مختلف الأنشطة اللوجيستيّة للمجهود الحربي. وبعد أن توقفت المدافع، تبخّرت كل معارضة لحصول النساء على التصويت كأنها لم تكن.
ولكن هل ستكون الحرب دائماً ممراً للبشريّة لا مفر منه نحو تحقيق تقدم نوعي في الاقتصاد والاجتماع؟ تضرب المؤلفة مثلاً من نهاية الحرب الباردة عندما توارى الاتحاد السوفياتي وراء جدار الماضي، وذهب المحللون قصيرو النظر إلى القول بنهاية التاريخ وانتهاء الصراعات الكبرى، ثم حدث غزو العراق عام 2003، والحرب في أفغانستان، والآن هناك صراعات ما زالت مفتوحة معقدّة في سوريا، وبين أذربيجان وأرمينيا، ولا شكّ ستتطور بالغد صراعات أخرى، وجميعها سيكون لها إسقاطات مختلفة على مجتمعاتها. في المقابل، ترى المؤلفة أن معظم المواجهات لن تكون عبر قتل الناس بعضهم لبعض في المعارك مباشرة، بل قد تأخذ شكل حروب سيبيريّة لشل النّظم التي يعتمد عليها العدو، دون حاجة لإنزال الجنود على أرضه أو رسو السفن قبالة مواقعه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة حروباً نظيفة، لأن مجرد النظر إلى مدى اعتماد المجتمعات الآن على عشرات الشبكات المحوسبة في كل عمليّات الإنتاج والبنية التحتية والتشغيل اليومي والأمني والاقتصادي، قد تدفعنا للهلع. ولذلك هي لا تمنحنا أي تأكيدات إيجابيّة بشأن المستقبل، وننتهي من قراءة «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» بقناعة واثقة، مفادها: الحروب لن تنتهي من الحيثيّات الإنسانيّة في أي وقت قريب.
«الحرب»: كيف شكلتنا الصراعات
War: How Conflict Shaped Us, MacMillan, Margaret
المؤلفة: مارغريت ماكميلان
الناشر: «راندوم هاوس» - أكتوبر (تشرين الأول) 2020



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.