الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

البروفسورة ماكميلان ترى في كتابها الجديد أن السلام ليس الحالة الطبيعية للبشر

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان
TT

الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان

نسي الجيل المعاصر من الغربيين الحروب وويلاتها بعدما انتهت «عالميتهم الثانية» منذ خمسة وسبعين عاماً، وعمّ السلام (الباكسأميركانا على نسق الباكسرومانا - فترة السلام الطويل في عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة) الهادئ مثل ربوع دول الشمال في أوروبا واليابان والعالم الأنغلوفوني، فيما انتقلت الصراعات بعيداً إلى الأطراف القصيّة وشاشات التلفزة، وأصبحت تمس أنواعاً مختلفة عنهم من البشر. ويكاد يسود -كما تقول البروفسورة مارغريت ماكميلان مؤلفة كتاب «الحرب: كيف شكلتنا الصراعات»- إحساس عام موهوم بأن السلام هو الحالة الطبيعيّة للبشر، في حين أن الحقيقة «أن تاريخهم بأغلب مفاصله شكّلته الحروب: ستجدها دائماً في كواليس مؤسساتهم الاجتماعيّة والسياسيّة، ومنطلقاً رئيساً لقيمهم وأفكارهم». ولذلك فإن أي محاولة لفهم ماضي أي مجتمع -وحاضره- تتطلب بالضرورة العبور من الأدوار التي كانت للحروب، سواء كنا نتحدّث عن العصور القديمة أو الوسطى أو عصر النهضة أو العصر الرأسمالي الحديث منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم.
ليس الأمر مسألة مرتبطة بالتأريخ كمنهج نظري فحسب، بل إن كثيرين من علماء الإنسانيات (الأنثروبولوجيا) المعاصرين يزعمون أن فكرة انتظام البشر في مجتمعات إنما كانت مرتبطة منذ اليوم الأوّل بالتأهب لخوض الصراعات المسلّحة: إذ تتطلّب الإدارة الفاعلة لأعمال القتل الجماعي ضد آخرين هيكليّة تحدد من يعطي الأوامر ومن يتلقاها، كما ترتيبات لوجيستيّة أشد تعقيداً من الأنشطة الإنسانيّة السلميّة الطابع؛ ارتباط تراه ماكميلان جدليّاً: الصراعات شكلّت المجتمعات، والمجتمعات أنتجت صراعات، وهكذا في دورة لا تتوقف.
ورغم أنّ «الحرب» من ناحية المفهوم اللغوي تبدو قريبة للأذهان، فإنّها ما تلبث تناور عند محاولة القبض على تعريف محدد لها، بالنظر إلى أنّها اتخذت أشكالاً متفاوتة كثيرة عبر الحقب، وهو أمر اشتكت منه ماكميلان ذاتها، الخبيرة بالحروب، لتنتهي إلى توصيفها بأنها «عمل منظّم من أعمال العنف ضد منظومة أخرى بهدف نهائي متمثل في إجبار الجانب الآخر على الخضوع». ويعني هذا التوصيف عندها أن جزئيّة «التنظيم» هي المفتاح، فصراع أفراد في الشارع -بغض النظر عمّا يمكن أن نسميه- ليس حرباً، إذ لا بدّ أن ينطوي الصراع على هيئات منظمة توقع العنف على هيئات منظمة أخرى كي يتأهل لتسمية الحرب، سواء كان ذلك صراعاً بين طوائف دينية متنافسة أو اقتتال أهلي بين قوميّات أو إثنيّات أو تيّارات سياسيّة، أو نزاع مسلّح بين دولتين، أو عدة دول.
وتفرّق ماكميلان بين الدّوافع البشريّة إلى شن الحروب على مستويين، فهناك دوافع تؤدّي بمنظّومة كبيرة -سواء كانت إقطاعية أو دولة أو مملكة أو إمبراطورية- لخوض الحرب، وهذه يمكن أن تتراوح من الغزو لتحقيق المكاسب (أراض، وموارد،... إلخ) أو الدفاع ضد اعتداء آخرين، إلى مسائل معنويّة، كالكرامة الوطنيّة واسترداد الشرّف. ثم هناك الدوافع التي تلهم الأفراد -بصفتهم أفراداً- للذهاب إلى الحرب التي يمكن أن تكون أكثر تعقيداً بما لا يقاس. وقد لعبت ثقافة الشعوب هنا دوراً مهماً -مفاجئاً في كثير من الأحيان- إذ مالت بعض الثقافات القديمة مثلاً إلى تمجيد القتال (النساء أحياناً، ولكن الرجال أساساً)، وترعرعت أجيال من شبانها على أن خوض المعارك أنبل الأشياء التي يمكن للإنسان القيام بها في حياته، ومنهم كثيرون طامحون أرادوا إظهار كفاءتهم في خضّمها، أو هم -كما كان الحال في الجمهوريّة الرّومانيّة وبريطانيا إبّان الحرب العالميّة الأولى- يقعون تحت ضغوط اجتماعيّة لا ترحم تدفعهم للمشاركة في العمل العسكري المنظّم، بينما يتعرّض المستنكفون للعزل والعار وتشويه السمعة، وربّما السجن أحياناً. وهي ترى الثورة الفرنسيّة غيّرت بشكل جذري من نظرة أوروبيي العصور الوسطى تجاه الانخراط في القتال بصفته واجباً دينياً أو ولاءً للملك إلى نوع من المسؤولية الجمعيّة التي يحملها المواطنون بالتساوي لناحية حماية الدّولة التي هي ملكهم بالتضامن. وتخلق الروابط الرّفاقيّة المكثفة بين عناصر فرق القتال -وفق عشرات المذكرات التي تركها جنود في الحربين العالميتين- حافزاً لدى بعضهم لكي يقاتلوا من أجل رفاقهم، وخوفاً من خذلناهم في وقت الشّدائد.
ولعل واحدة من المفارقات الكثيرة للحرب التي يطرحها كتاب «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» أنها دفعت في كثير من الأحيان إلى تحقيق التقدم المادي والتقنيّ. فبعض الأشياء التي تبدو مستحيلة في زمن السلم، تصبح ممكنة زمن الحرب، حين تجد الحكومات نفسها على المحكّ، فتتولى تدبير المصادر لتمويل مشاريع طموحة لم تكن لتجرأ عليها ربّما في أوقات مستقرّة، لا سيما أن السلطات يمكنها بحكم التهديدات الوجوديّة فرض ضرائب استثنائيّة، ويتقبّل جلّ الجمهور الحاجة المستجدة لتعبئة جميع الموارد الوطنية، ولا يجرأ كثيرون عندئذ على الاعتراض. ولعل أهم مثال معاصر لنا هو مشروع «مانهاتن» الأميركي لتطوير أوّل قنبلة نوويّة. لقد استهلك ذلك المشروع من الموارد التي لو وظّفت في قطاعات أخرى لقضت على الفقر تماماً في الولايات المتحدّة، لكن أغلبية الأميركيين خلال الحرب العالميّة الثانيّة كانت تحت وهم الاعتقاد بأنّ إنتاج السلاح أولويّة وطنيّة فوق أي اعتبار آخر. وتقول ماكميلان إن تطوير الأسلحة النوويّة لأغراض الحرب والقتل الجماعي مكن في الوقت ذاته من استكشاف التطبيقات السلميّة الكثيرة للطاقة النووية. والبنسلين قد يكون مثالاً آخر، إذ اكتشفه ألكسندر فليمنغ عام 1928، لكن تكاليف إنتاجه بكميّات كبيرة كانت مرتفعة للغاية، ولم يتم تجاوزها إلا عندما حدث سفك الدّماء المليوني في الحرب العالمية الثانية، لتجد الحكومات طرائق مختلفة لجعل تلك النفقات محتملة، وتوفيره بصفته علاجاً مجانياً للجرحى، وبأسعار ميسّرة للمواطنين.
ويذهب مؤرخون اقتصاديون معاصرون إلى الزّعم بأن الحروب شكلّت دائماً نوعاً من الضغوط الحاسمة لتقليص الفجوة الاقتصاديّة بين طرفي المجتمع -الذين يملكون والذين لا يملكون- ومنحت الشرعيّة لتدّخل واسع للدولة على نحو فرض تقريب القطبين من بعضهما، سواء من خلال فرض ضرائب إضافيّة على المقتدرين، وكذلك منع تدهور أوضاع الطبقة الأقل حظاً. ووفق ماكميلان دوماً، فإن دراسات متقاطعة قالت إن البريطاني (العادي) كان أفضل تغذية خلال الحرب العالمية الثانية منه في أي وقت مضى. وربما شهدت الفترة من عام 1914 إلى الستينيات أكبر قدر من المساواة الاقتصادية في المجتمعات الغربية، وهي الفترة الصعبة ذاتها التي شهدت حربيين عالميتين.
وما عدا التقدّم الاقتصادي، بصفته عَرَضاً جانبياً للحرب، فإن التقدّم الاجتماعي كثيراً ما كان أيضاً مرتبطاً -في الغرب تحديداً- بفترات صراعات دمويّة. وتقدم ماكميلان مثالاً ملهماً من بريطانيا التي كانت النساء فيها حتى الحرب العالميّة الأولى محرومات من التصويت، رغم الحملات البطوليّة التي نفّذتها نساء رائدات دعون للمساواة مع الرّجال، إذ كان الانطباع العام -بما فيه أوساط النساء أنفسهن- أنهن غير مؤهلات لاتخاذ القرارات المهمة، وليست لهن القدرة على القيام بالوظائف الشاقة نفسها التي يقوم بها الرجال. ومع ذلك، فخلال الحرب العالمية الأولى، عندما أُرسل الرجال بعيداً للقتال، ولم يعد منهم كثيرون، فإن كثيراً من الوظائف المخصصة للذكور تقليدياً تولتها نساء. وقضت تجربة الحرب تلك على كل الأوهام المتعلقة بإمكاناتهن، بعد أن اتضح أن البريطانيات قدّن، وربّما بشكل أفضل من رفاقهن الرجال أحياناً، عمليّات الإنتاج والإدارة، من قيادة الجرارات إلى العمل على خطوط تجميع المصانع وإدارة المكاتب، ناهيك من المشاركة الفاعلة في مختلف الأنشطة اللوجيستيّة للمجهود الحربي. وبعد أن توقفت المدافع، تبخّرت كل معارضة لحصول النساء على التصويت كأنها لم تكن.
ولكن هل ستكون الحرب دائماً ممراً للبشريّة لا مفر منه نحو تحقيق تقدم نوعي في الاقتصاد والاجتماع؟ تضرب المؤلفة مثلاً من نهاية الحرب الباردة عندما توارى الاتحاد السوفياتي وراء جدار الماضي، وذهب المحللون قصيرو النظر إلى القول بنهاية التاريخ وانتهاء الصراعات الكبرى، ثم حدث غزو العراق عام 2003، والحرب في أفغانستان، والآن هناك صراعات ما زالت مفتوحة معقدّة في سوريا، وبين أذربيجان وأرمينيا، ولا شكّ ستتطور بالغد صراعات أخرى، وجميعها سيكون لها إسقاطات مختلفة على مجتمعاتها. في المقابل، ترى المؤلفة أن معظم المواجهات لن تكون عبر قتل الناس بعضهم لبعض في المعارك مباشرة، بل قد تأخذ شكل حروب سيبيريّة لشل النّظم التي يعتمد عليها العدو، دون حاجة لإنزال الجنود على أرضه أو رسو السفن قبالة مواقعه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة حروباً نظيفة، لأن مجرد النظر إلى مدى اعتماد المجتمعات الآن على عشرات الشبكات المحوسبة في كل عمليّات الإنتاج والبنية التحتية والتشغيل اليومي والأمني والاقتصادي، قد تدفعنا للهلع. ولذلك هي لا تمنحنا أي تأكيدات إيجابيّة بشأن المستقبل، وننتهي من قراءة «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» بقناعة واثقة، مفادها: الحروب لن تنتهي من الحيثيّات الإنسانيّة في أي وقت قريب.
«الحرب»: كيف شكلتنا الصراعات
War: How Conflict Shaped Us, MacMillan, Margaret
المؤلفة: مارغريت ماكميلان
الناشر: «راندوم هاوس» - أكتوبر (تشرين الأول) 2020



هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.