آلاف المتشددين يعبرون الأراضي التركية إلى سوريا

دعم لوجيستي للمتشددين في تركيا.. ومافيات تهريب محترفة.. والحدود شبه خالية من قوى الأمن

تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس  الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
TT

آلاف المتشددين يعبرون الأراضي التركية إلى سوريا

تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس  الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)
تجمع حوالي 100 شخص أول من أمس الجمعة في إسطنبول أمام مسجد الفاتح للتضامن مع شريف وسعيد كواشي اللذين نفذا الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة في باريس (أ.ب)

تنغمس تركيا إلى ما فوق أذنيها بالأزمة المندلعة منذ نحو 4 سنوات في جارتها الجنوبية، فهي فتحت حدودها بكل كرم لآلاف المقاتلين الأجانب للعبور إلى سوريا كرد مباشر على إسقاط النظام السوري طائرة تركية قبالة الشاطئ السوري في يونيو (حزيران) 2013، لتسقط بعدها المراكز الحدودية السورية مع تركيا واحدا تلو الآخر، وهو ما فاخر به رئيس الوزراء التركي آنذاك (الرئيس الحالي للجمهورية) رجب طيب إردوغان في لقاء مع شخصيات عربية بعد ذلك بأشهر.
لكن تركيا بدأت مؤخرا تخشى أن تلسعها، النار السورية، من خلال المقاتلين الأجانب المتشددين الذين يستعملون أراضيها كقاعدة عمليات خلفية، خصوصا أن من بين هؤلاء آلاف الأتراك الذين تتفاوت التقديرات حولهم من 3 آلاف إلى نحو 12 ألفا، سيعودون يوما إلى بلادهم التي بدأت سياساتها الخارجية تتباعد مع سياسات التنظيمات المتطرفة، كـ«داعش» و«النصرة».
وأتى التفجير الانتحاري الأخير، الذي وقع في إسطنبول ليرفع من درجة الإنذار التركي إلى «الحد الأحمر». وعلى الرغم من مسارعة المصادر التركية إلى الربط بين الانتحارية التي فجرت نفسها بمركز للشرطة السياحية وبين تنظيمات يسارية متطرفة اعتادت تنفيذ عمليات مشابهة، إلا أن تواتر الأنباء اللاحق يفيد بأن الانتحارية هي أرملة مقاتل نرويجي من «داعش» الذي بدا وكأنه يشهر البطاقة الصفراء بوجه الأمن التركي الذي يتجاوب جزئيا مع ضغوطات دولية هائلة ترمي إلى تقليص المساحات أمام المتشددين في تركيا لمنعهم من العبور إلى سوريا والعراق.
ويعتقد على نطاق واسع أن المتشددين أقاموا شبكات واسعة تتولى تقديم الدعم اللوجيستي للمقاتلين الأجانب في تركيا، إذ تتولى استقبالهم وتأمين إقامتهم في مناطق تركية مختلفة، قبل تأمين انتقالهم إلى سوريا أو العراق. ويقول مفيد يوكسال، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية. لـ«الشرق الأوسط»: إن «جميع المحاربين الأجانب يستخدمون الأراضي التركية فقط للعبور إلى سوريا والعراق ولكن التنظيمات الراديكالية في تركيا هي التي تقوم تنظيمهم ومساعدتهم لعبور الحدود عن طريق عصابات المافيا التي تهربهم إلى هناك مقابل الأموال يعني يستخدمون المافيا كجسر للعبور إلى سوريا والعراق». ويشدد على ضرورة قيام قوات الأمن التركية بضبط الحدود لأنها الآن شبه خالية من القوات التركية. ورأى أن في تركيا فراغ أمني كبير، مشيرا إلى أن الأراضي التركية باتت مسرحا للمخابرات الأجنبية تسرح وتمرح بها بل تقوم بجرائمها وتصفي عناصر المعارضة لها وقت ما تشاء كما حصل قبل أسبوعين حيث تم اغتيال رجل دين شيشاني معارض للهيمنة الروسية في بلاده حيث قتل وضح النهار وبدم بارد.
وأضاف أن «المحاربين الأجانب في سوريا والعراق هم في الحقيقة ليسوا بمحاربين في بلادهم، لأن أغلبهم يأتي من أوروبا مثل ألمانيا وإيطاليا أو فرنسا ومن باقي دول العالم وجميعهم من أبناء تلك البلدان، ولهذا يأتون إلى تركيا حيث يجدون الكثير من التنظيمات المتشددة التي تساعدهم في جميع الأمور وتقدم لهم الخدمات المجانية، كما أن البعض منهم يلجأ إلى عصابات المافيا التي أخذت من مناطق الحدود مراكز لها لإدخال من يريد إلى سوريا والعراق مقابل مبالغ طائلة».
ويلفت يوكسال إلى أنه ليس كل القادمين من الإسلام الراديكالي، بل يوجد بينهم مثلا علويون أتوا من ألمانيا للمشاركة في القتال الدائر في سوريا إلى جانب النظام، وأيضا أتى بعض الشيوعيين من أوروبا وفرنسا والتحقوا بتنظيم داعش فقط لأنهم يريدون أن يعيشوا مغامرات. وهذا ليس بجديد على المنطقة ففي الستينات والسبعينات كانت سوريا ولبنان مركزا لجذب الشيوعيين واليساريين من أوروبا والعالم وتركيا للانخراط في صفوف الثورة الفلسطينية. وكشف أن الرقم الذي توصلنا إليه بأنه يوجد أكثر من 1500 علوي عربي من تركيا الآن يقاتلون إلى جانب النظام. وأوضح يوكسال أنه يوجد من دول البلقان مثل ألبانيا ومقدونيا ما يقارب 1500 مقاتل الآن هم في سوريا يقاتلون مع «داعش» ضد النظام، كما يوجد أيضا مقاتلون من الشيشان ومن دول أوروبا وهذا يعني أنه يوجد تجمع دولي للمقاتلين في «داعش». ورأى أن هذا الكم الهائل من التجمع البشري في «داعش» يحتاج إلى مبالغ طائلة لا يمكن لأي تنظيم عادي أن يقوم بها، معربا عن اعتقاده بأنه يوجد تنظيمات دولية هي التي تحرك «داعش» من وراء الستار. وأضاف يوكسال أنه «يوجد ما بين 6 إلى 7 آلاف مقاتل كردي ذهبوا من تركيا إلى الأراضي السورية وانضموا إلى (داعش)، فمثلا من يحاصر عين العرب من (داعش) جميعهم أكراد يعني الأكراد يحاصرون الأكراد في عين العرب، ونفس الشيء تكرر في رأس العين حيث كان (داعش) يقاتل (النصرة) وأيضا الأكراد هناك كانوا يقتلون الأكراد».
وأعرب يوكسال عن اعتقاده بأنه بعد أن تنتهي الحرب في سوريا فإن الأغلبية العظمى من هؤلاء المقاتلين سيتم تصفيتهم جسديا سواء في بلادهم أو في سوريا ولن يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم لكي يسرحوا ويمرحوا. وقال: «الآن يوجد ما يقارب 100 ألف مقاتل أجنبي في سوريا والعراق ماذا سيكون مصيرهم. أما بالنسبة لتركيا أعتقد أنها لن تسمح لمواطنيها المقاتلين في سوريا والعراق بالعودة إلى تركيا وكانت قد فعلت هذا مع المجاهدين في أفغانستان قبل ذلك ومن الطبيعي أن تكرر نفس الشيء فيما بعد».
وفي الإطار، أعلن البروفسور أوميت أوزداغ الذي يترأس معهد تركيا «القرن الـ21» أن المعهد أجرى بحثا عن عدد المقاتلين الأتراك الذين عبروا من الحدود التركية إلى سوريا والذي يقدر عددهم بـ12 ألف مقاتل الأغلبية العظمى منهم التحقوا بتنظيم داعش و«النصرة».
وقال أوزداغ وهو عضو في البرلمان التركي عن مدينة إسطنبول لحزب الحركة القومية لـ«الشرق الأوسط» إن «الذين دخلوا الأراضي السورية يحملون الجنسية التركية، بعضهم ذهب منفردا، وبعضهم الآخر اصطحب عائلته معه». وقال: «إلى جانب المواطنين الأتراك مثل هناك قبيلة تتكون من 400 شخص أتوا من شمال كازاخستان واستوطنوا في مدية الرقة السورية».
ونقل أوزداغ عن الرئيس الثاني للأركان الجنرال يشار جولار قوله في كلمة أمام سفراء تركيا في الخارج إننا «نجحنا في منع نحو 100 ألف شخص أرادوا عبور الحدود إلى سوريا وكان أكثر من 7 آلاف منهم من الأجانب». معتبرا أن هذا يعني أن 93 ألفا من من أرادوا دخول الحدود هم من الأتراك».
وكشف أنه دخل إلى الأراضي السورية عبر تركيا أكثر من 12 ألفا الأغلبية منهم انضم إلى «داعش» و«النصرة». وقال إن «البحث في ملفات المنظمات الإرهابية الراديكالية ما زال مستمرا، حيث سنسلط الضوء على الوضع الاجتماعي والاقتصادي لتلك الأشخاص الذين ذهبوا للقتال في سوريا»، متحدثا عن نتائج لافتة منها أنه يوجد ما يقارب الـ6 في المائة في المجتمع التركي ممن يطمحون أو يؤيدون الذهاب للقتال في سوريا وهذا يعني أن 4 ملايين مواطن يمثلون قاعدة شعبية كبيرة لتلك الأفكار».
وأفاد تقرير لأجهزة الاستخبارات التركية أن نحو 3 آلاف شخص يقيمون علاقات مع تنظيم داعش، وحذر من مخاطر وقوع هجمات ضد مصالح غربية في البلاد. والتقرير الذي نشرته صحيفة «حرييت»، يدعو إلى مراقبة متنامية لهؤلاء الآلاف بهدف معرفة الدور المحدد لكل منهم خصوصا.
وأوضحت الصحيفة أن إنذارا بدرجة «أحمر» أرسل إلى الأجهزة الأمنية محذرا من هجمات محتملة ضد سفارات دول غربية يشنها جهاديون من تنظيم داعش في غمرة الهجمات الدامية التي وقعت الأسبوع الماضي في باريس وأسفرت عن مقتل 17 شخصا.
وأضافت أجهزة الاستخبارات التركية أن المواطنين الغربيين والبنى التحتية العائدة لحلف شمال الأطلسي يشكلون أيضا أهدافا ممكنة. ويحذر التقرير أيضا من هجمات محتملة بالقنابل تنفذها «خلايا نائمة» في أي مكان وزمان في تركيا.
وانضم نحو 700 تركي في سوريا إلى صفوف الجهاديين في تنظيم «داعش» ما يزيد من احتمال وقوع هجوم في تركيا في حال عودتهم إلى البلاد، كما أعلن وزير الخارجية التركي مولود شاوش أوغلو الخميس. وأعلن شاوش أوغلو أيضا أن بلاده منعت نحو 7250 شخصا يشتبه في أنهم يريدون العودة إلى سوريا، من دخول أراضيها، وطردت 1160 جهاديا.
وكانت صحيفة «حرييت» أكدت أن السيدة الروسية الأصل التي نفذت هجوما انتحاريا في إسطنبول أدى إلى مقتل شرطي في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي هي أرملة متشدد نرويجي قاتلت إلى جانبه في سوريا في صفوف الجهاديين.
وأوضحت الصحيفة أن الانتحارية تدعى ديانا رمضانوف المتحدرة من منطقة داغستان الروسية المسلمة. وأكدت أن الانتحارية كانت متزوجة من مواطن نرويجي شيشاني الأصل هو أبو علوفيتش ادلبيجيف، وهو قتل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في سوريا. وأضافت أن الزوجين توجها إلى سوريا في يوليو (تموز) الفائت عبر تركيا. بعد مقتل زوجها، عادت رمضانوف إلى تركيا بشكل غير شرعي في 26 ديسمبر.
وأكدت عائلة أبو ادلبيجيف أن أرملته هي التي نفذت على ما يبدو هذا الهجوم الانتحاري. وأوضحت والدة الزوج للتلفزيون النرويجي «لا أعتقد أنها تستطيع مواصلة حياتها». وقالت إن أبو علوفيتش ينعم بالسلام، وإنها تريد أن تنعم بالسلام هي أيضا. وأضافت «توقفت اتصالاتنا بها اعتبارا من مساء 5 يناير»، مشيرة إلى أنه لا يستطيع أحد معرفة ما سيحصل.



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.