عمرو موسى: قرنق أراد أن يكون رئيساً لكل السودان والسلام مع «الحركة الشعبية» كان ملهماً للتمرد

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (5)

عمرو موسى وجون قرنق
عمرو موسى وجون قرنق
TT

عمرو موسى: قرنق أراد أن يكون رئيساً لكل السودان والسلام مع «الحركة الشعبية» كان ملهماً للتمرد

عمرو موسى وجون قرنق
عمرو موسى وجون قرنق

في هذه الحلقة الخامسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، نستعرض جهود موسى والجامعة العربية في أزمات السودان، التي خصص لها فصلين على مساحة 44 صفحة، تناول الأول، الأزمة بين شمال السودان وجنوبه التي انتهت بانفصال الجنوب، فيما خصص الثاني للأزمة السياسية والإنسانية التي عاشها إقليم دارفور اعتباراً من مارس (آذار) 2003.
ويكشف عمرو موسى في هذا الكتاب أن زعيم الحركة الشعبية جون قرنق قال له إنه يريد أن يكون رئيساً للسودان كله، سائلاً: «ما قيمة أن أكون زعيماً لدولة في جنوب السودان فقيرة وضعيفة ومغلقة؟». ويوضح أنه طلب من قادة السودان «العمل على ترغيب الجنوبيين في الوحدة لكنهم اعتبروا الانفصال قدراً محتوماً»، معتبراً أن اتفاق السلام مع الحركة الشعبية كان ملهماً لكل حركات التمرد في كل مناطق السودان، واصفاً الجميع في دارفور بأنهم كانوا «ضحايا وجلادين».
السودان وقضاياه وصراعاته التي لا تهدأ واحد من أهم شواغلي منذ بداية حياتي المهنية في الدبلوماسية المصرية. تعزّز هذا الاهتمام الاستثنائي بالسودان طيلة السنوات العشر التي قضيتها وزيراً لخارجية مصر. كان طبيعياً أن يستمر هذا الاهتمام بالسودان خلال العقد التالي الذي قضيته أميناً عاماً لجامعة الدول العربية؛ ذلك أنه خلال تلك الفترة كانت أعمدة النار والدخان تحاصر هذا البلد المترامي من معظم الجهات. كانت هناك الحرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، وأزمة دارفور، وتمرد محلي في أكثر من ولاية، والاضطرابات مع تشاد في الغرب، بجانب تدهور العلاقات مع إريتريا وأحياناً إثيوبيا في الشرق، ناهيك بالاضطرابات في العلاقة المصرية - السودانية من فترة لأخرى لأسباب مختلفة، بالإضافة إلى البعد الليبي غير المستقر.
- قضية جنوب السودان
هناك عوامل عدة تضافرت في إحداث وتغذية ذلك الصراع بين الجنوب والشمال، منها التعددية العرقية في السودان، بما في ذلك في جنوبه، وتمايزها عن الشمال، وكذلك التعددية الدينية في الجنوب، بجانب الصراع على الموارد ومداخيلها بين الشمال والجنوب، فضلاً عن سياسة التهميش التي وقعت فيها الحكومات المركزية السودانية تجاه الأطراف كافة، وفشل هذه الحكومات المتعاقبة في تعزيز قيم المواطنة، التي تنصهر فيها النزاعات العرقية والدينية والقبلية. ولا ننسى أيضاً جهود بريطانيا الاستعمارية في تفجير النزعة الانفصالية وتكريسها لدى سكان جنوب السودان، عبر تعزيز دور البعثات التبشيرية، وسياسة إضعاف الثقافة العربية، وإحلال الموظفين الجنوبيين محل الشماليين، ومنع التجار الشماليين من الوصول إلى الجنوب.
في 20 يوليو (تموز) 2002، وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية «بروتوكول مشاكوس» في كينيا، الذي قبلت به الجامعة العربية في حينه بعد أن وقعت عليه حكومة السودان (فلم يكن للجامعة أن تصبح ملكية أكثر من حكام السودان)، والذي تضمن وثيقتين: الأولى تقضي بتمديد الهدنة القائمة حتى نهاية مارس 2003، والثانية تغطي عدداً من النقاط التي قبل بها الطرفان مبدئياً، وهي تتعلق باقتسام السلطة والثروة، لكن دون الإقرار بأي موقف حاسم بشأنها. واتفق الطرفان على إلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي يقطنها غير المسلمين وإجراء استفتاء في الجنوب على الانفصال أو الوحدة بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات.
بعد ذلك التوقيع، حددت بعد التشاور مع الحكومات العربية المعنية جهود الجامعة العربية فيما يخص الصراع بين شمال وجنوب السودان في جانبين أساسيين، يتعلق أولهما بدفع عملية السلام والمفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، وحثهما على إبرام وتوقيع اتفاق سلام شامل ربما يساعد في الوحدة، وثانيهما بدعم التنمية وإعادة الإعمار في المناطق التي تضررت من الحرب.
قبلها كنت استقبلت في مقر الجامعة بالقاهرة في مارس 2002 زعيم الحركة الشعبية جون قرنق الذي أعرب عن توجهات وحدوية، مطالباً بدعم الجامعة العربية لتلك التوجهات. بنيت على ذلك اللقاء المثمر، وأرسلت بعثة عربية برئاسة السفير سمير حسني، مدير إدارة أفريقيا بالجامعة العربية، في أبريل (نيسان) 2003 إلى مدينة رومبيك الجنوبية مقر قيادة الحركة الشعبية فى جنوب السودان، وتعد هذه البعثة العربية الأولى التي تزور تلك المنطقة، للتأكيد على التزام الجامعة العربية ومؤسساتها بالمساهمة الفاعلة في تنمية جنوب السودان والمناطق المتأثرة بالحرب، وجعل الوحدة خياراً طوعياً جاذباً.
يجب أن أتوقف هنا لأتحدث عن قرنق الذى ربطني به تفاهم خاص، فتعددت لقاءاتي به بعد زيارته الأولى لمصر سنة 1997؛ فموقفه تطور تطوراً متدرجاً، فبدلاً من النضال لتحقيق انفصال الجنوب صار النضال من أجل الحقوق المتساوية بين كل السودانيين فى أنحاء السودان كافة بما في ذلك الجنوب، وذلك في إطار الشعار الذي رفعه وهو «السودان الجديد» الجامع لكل الأعراق والديانات. وربما كان هذا التطور في موقف زعيم الحركة الشعبية من الأسباب التي أسهمت في اختفائه المؤسف من الحالة السياسية في السودان.
كان قرنق يقول لي في كل لقاء يجمعني به: «ما قيمة أن أكون زعيماً أو رئيساً لدولة جنوب السودان الفقيرة الضعيفة الصغيرة المغلقة؟... أنا أريد أن أكون رئيساً للسودان كله... هذا حقي ما دمت مواطناً سودانياً»... كنت أحيي فيه ذلك التوجه وأؤيده، إلا أن رؤيته تلك لم تلقَ ترحيباً من أي من الأطراف الفاعلة في المسألة السودانية... أفارقة كانوا أم عرباً أم غربيين، بل ومن زعماء السودان (الشمالي)، ولكنني أعتقد أنه لو قدر لقرنق أن يحقق بداية جديدة على أساس فكرة «السودان الجديد» مع فرصة ترشحه للرئاسة، لربما أخذت الأحداث مساراً آخر مختلفاً تماماً، إذ كان من شأن ذلك خلق ديناميكيات مختلفة لم يرد أي من الأطراف لها أن تخلق.
- اتفاق السلام الشامل
تلبية لدعوة الحكومة الكينية، شاركت في 9 يناير (كانون الثاني) 2005، مع العديد من القادة العرب والأفارقة في مراسم توقيع اتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بنيروبي. نص الاتفاق الشامل على وقف دائم لإطلاق النار وإقامة فترة انتقالية مدتها 6 أعوام يتعاون خلالها الشمال والجنوب في حكم البلاد، ويكلف قرنق بمسؤوليات النائب الأول للرئيس السوداني. كما نصت الاتفاقية على تقاسم عائدات النفط، وحق الحركة الشعبية وحلفائها الجنوبيين في تشكيل حكومة للجنوب لإدارة شؤونه بالكامل لفترة 6 سنوات تنتهي بتصويت سكان الجنوب ومنطقة أبي الغنية بالنفط في استفتاء يجرى في 9 يناير 2011 على الانفصال عن شمال السودان أو الوحدة معه.
كان يجلس بجواري في أثناء مراسم التوقيع الصاخبة التي جرت في استاد نيفاشا بنيروبي، أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر وقتئذ. في أثناء مراسم التوقيع شردت بعيداً. كنت أرى أن الأمور تسير بالتأكيد نحو انفصال الجنوب. يبدو أن أبو الغيط كان يفكر فيما كنت أفكر فيه. فقد قطع عليّ شرودي بأن قال لي: أستطيع أن أقول لك يا عمرو بك إنه بالتوقيع على هذا الاتفاق سينتهي الأمر إلى التقسيم.
قلت: بالفعل، هذا ما أتوقعه، لكن علينا ألا نستسلم. يجب أن نبذل قصارى جهدنا لحث الجنوبيين على التصويت لخيار الوحدة في 9 يناير 2011. اتفق معي أحمد في ذلك. وهو ما عملت الجامعة العربية ومصر على تحقيقه.
يمكن القول إن عملاً كبيراً قد تحقق من خلال الاجتماعات التنسيقية التي عقدتها الجامعة العربية لدفع منظومة العمل العربي المشترك للقيام بدور بارز في الإسهام في التنمية بجنوب السودان وجعل وحدة السودان خياراً جاذباً، وشارك في هذه الاجتماعات صناديق التمويل العربية والمنظمات العربية المتخصصة والاتحادات في المجالس الوزارية العربية. وكانت حصيلة قيمة المشروعات التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي في جنوب السودان أكثر من 200 مليون دولار في مجالات الطرق والمياه والكهرباء ومجال الخدمات، خصوصاً التعليم والصحة.
لقد بذلت الجامعة العربية جهوداً ملموسة وقامت بأدوار فاعلة للمساعدة في التوصل إلى حل سلمي شامل للمسألة السودانية، غير أن أداء النظام العربي عانى ولا يزال يعاني من الفجوة الواضحة بين اتخاذ القرار وعدم تنفيذه، فلقد قررت قمة بيروت إنشاء الصندوق العربي لتنمية جنوب السودان بمساهمات مالية من الدول العربية، غير أن هذا الصندوق لم يتلقَّ إسهامات تذكر. كما اتخذ مجلس الجامعة بعد ذلك قراراً يدعو الدول الأعضاء إلى معالجة ديون السودان العربية بهدف تمكين السودان من مواجهة تحديات بناء السلام والوحدة، لكن ذلك لم يحدث أيضاً.
- الاستفتاء على الانفصال
جرى استفتاء الشعب السوداني في جنوب السودان بشأن استمرار الوحدة مع الشمال وبين الانفصال، فاختاروا الانفصال. والواقع أنني بصفتي المصرية، وبصفتي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية كنت معارضاً لتقسيم السودان، وتحدثت فى هذا مطولاً مع الرئيس (السابق عمر) البشير والصادق المهدي وعثمان الميرغني وآخرين مشجعاً على رفض الانفصال (التقسيم)، وداعياً إلى عدم التساهل أو الخضوع لمخططات الانفصال، ولكن تبدت لي هنا جملة من الأمور:
1- كان واضحاً أن هناك تسليماً منهم بحصول الانفصال كقدر محتوم.
2- كانت الشطحات الدينية لنظام البشير تفضل إعمال الشريعة الإسلامية على السودان كله، فإن لم يكن فعلى الأقل على شمال السودان ولو أدى إلى انفضال الجنوب!!!
3- مصرع قرنق الذي كان في رأيي قادراً على تدوير عدد من الزوايا الحادة في العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين التوجهات الإسلامية ومتطلبات الوحدة السودانية. كما بين السياسة التقليدية السودانية والنظرة المستقبلية التي تقبل بسودان مختلف وعلى درجة غير مسبوقة من الانفتاح.
4- القوى المتنفذة التي استقر رأيها على تقسيم السودان، من قوى عظمى وقوى إقليمية وقوى سودانية جنوبية وشمالية... كانت ترى في انفصال الجنوب حلاً لمعضلات كثيرة مع الأسف الشديد.
- الأزمة السياسية والإنسانية في دارفور
ما توقعته بعد توقيع اتفاق مشاكوس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان الانفصالية في 20 يوليو (تموز) 2002، الذي تضمن فيما تضمن وثيقة مبدئية تتعلق باقتسام السلطة والثروة بين شمال وجنوب السودان (مع تفاصيل عديدة) قد حصل؛ ذلك أن هذا الاتفاق كان ملهماً لحركات متمردة في دارفور، رأت أن القتال وحده هو ما يجلب نظام البشير إلى طاولة المفاوضات، في سياق مساعي هذه الحركات للبحث عن صيغة لتقاسم السلطة والثروة في ذلك الإقليم، الذي يعاني التهميش والإهمال شأن بقية الأقاليم السودانية، ولتقاسم السلطة والثورة في السودان بعمومه.
شيئاً فشيئاً بدأ تسخين الصراع في دارفور إلى أن وصل الموقف إلى النقطة التي فجرته وقادت إلى مأساة إنسانية كبيرة لسكان الإقليم بكل مكوناتهم العرقية، تلك النقطة كانت في مارس 2003، عندما ثار متمردون ضد البشير، بدعوى تعرضهم للتهميش، وأعلنت حركتان مسلحتان هما حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة تمردهما. هاجم مسلحو الحركتين مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، ونجحوا في تدمير 7 طائرات بمطار المدينة.
وهو ما ردت عليه الحكومة باستراتيجية معروفة لدى الحكومات السودانية لمكافحة التمرد منذ عهد الصادق المهدي في الثمانينات من القرن الماضي تستند إلى حشد الميليشيات العربية المعروفة باسم «الجنجويد» المشهورة بشراستها لمكافحة المتمردين. في سياق الحديث عن أزمة دارفور والعوامل المؤدية لها، لا بد من الحديث عن تهميش الإقليم كله من قبل الحكومة المركزية وانعدام مشاريع التنمية والخدمات الأساسية من تعليم وصحة... إلخ.
- هل طرفا الصراع ثابتان في دارفور؟
قبيل استعراض تفاصيل ومراحل الأزمة السياسية والإنسانية في دارفور منذ سنة 2003، ودور الجامعة العربية في محاولة التوصل إلى حلول لها بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، أود أن أنبه إلى أن هناك تصوراً خاطئاً يقع فيه الكثيرون، حاولت تصديره دوائر غربية لدق إسفين داخل العالم العربي والإسلامي عبر دارفور التي تسكنها أغلبية مسلمة كاسحة، بإبراز الحرب كأنها بين «المسلمين الأفارقة» و«المسلمين العرب»، وهو الأمر الذي يمكن أن تكون له انعكاساته وتداعياته السلبية وإشارة غير محمودة إلى «الإسلام العربي» و«الإسلام الأفريقي».
عمدت تلك الدوائر – ولا تزال - على تصوير أن طرفي هذا الصراع الذي استمر منذ 2003 وحتى الآن (2018) ثابتان (عرب وأفارقة)، دون إدراك لتلك الانقلابات المستمرة في التحالفات في دارفور، ناهيك بالانشطارات المتوالية للكتل الرئيسية في هذا الصراع، سواء على صعيد القبائل الداعمة للتمرد، أو تلك الداعمة للحكومة. فبعد أن استعانت الحكومة بقبائل عربية لمواجهة قبائل أفريقية متمردة، دخلت القبائل العربية في حرب طاحنة فيما بينها، ثم استعان البشير بقبائل أفريقية لمواجهة القبائل الأفريقية المتمردة. قصدت استعراض المراحل المختلفة لهذا الصراع (موجودة بتفاصيل كثيرة الكتاب) في البداية لإثبات أن المآسي التي عاناها سكان هذا الإقليم كان الجميع فيها ضحايا وجلادين في الوقت ذاته، وإن بدرجات متفاوتة.
مع تطور الأحداث في دارفور اعتباراً من مارس 2003، بدأ الاهتمام العالمي بهذه الأزمة، وبدأت دائرة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة السودانية في الاتساع، حيث أعلن رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في 4 مارس 2004، أن هناك فظائع ترتكب في إقليم دارفور غرب السودان، وطالب الحكومة بفتح باب الحوار مع المتمردين على وجه السرعة، وإيقاف ميليشيات «الجنجويد» العربية.
ووصفت حملات إعلامية لم يسبق لها مثيل في الغرب الصراع بأنه «أول إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين» (وهو ادعاء غير حقيقي)، ومالت تلك الحملات إلى إدراج عرب دارفور - الذين بقي معظمهم على الحياد - ضمن ميليشيات «الجنجويد» التي دعمتها الحكومة، وهو ما أكدت دراسات غربية رصينة أنه غير دقيق، وأن نسبة العرب المشاركين في تلك الميليشيات صغيرة جداً، وأن دوائر غربية كانت تبالغ في قدرات الحكومة السودانية الهشة على كبح جماح ميليشيا الجنجويد. وكان لافتاً للنظر عدم تطرق الحملات الغربية إلى ممارسات المتمردين، فلم تكن الانتهاكات من جانب واحد في دارفور!
انطلاقاً من المعطيات السابقة عملت الجامعة العربية على تبرئة ساحة الثقافة العربية بشكل عام من أتون الصراع في دارفور. ونشطت الجامعة فى تقوية اتصالاتها وتنسيق جهدها مع الجهود الأفريقية وجهود الاتحاد الأفريقي بشكل خاص؛ بحيث لا يظهر أن الجهد العربي منفصلٌ عن صنوه الأفريقي، ويتأكد أمام المجتمع الدولي تطابق الموقفين العربي والأفريقي من تلك الأزمة التي أثارت نعرات عرقية وعنصرية زائفة. كان خوفي كبيراً من أن تطال خطوط التماس العربية - الأفريقية القارة الأفريقية بأكملها، وتكرس انقساماً إثنياً بين شمال القارة وجنوبها. وتفتح الباب أمام مطالب انفصالية بذرائع إثنية أو طائفية تهدد الأمن القومي السوداني والعربي والأفريقي.
- بعثة تقصي حقائق من الجامعة العربية
أمام كل تلك التطورات في دارفور كلفت السفير سمير حسني، مدير إدارة أفريقيا بالجامعة العربية، بالذهاب على رأس بعثة من الجامعة لتقصي الحقائق والوقوف على حقيقة الأوضاع في الإقليم، وكانت أول بعثة دولية من نوعها تذهب إلى دارفور، وشملت مهمتها زيارة السودان، من 29 أبريل إلى 15 مايو (أيار) 2004.
عقب عودتها قدمت بعثة تقصي الحقائق تقريراً من ثلاثة أجزاء: الأول مرتبط بلمحة عامة عن دارفور، والثاني ملاحظات البعثة، والثالث بتوصياتها. فيما يتعلق بملاحظات البعثة، فقد ثبت لها أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من كلا الطرفين المتصارعين في دارفور، غير أنها استبعدت تماماً وجود «إبادة جماعية» أو «تطهير عرقي» يمارس في الإقليم، وهو الموقف ذاته الذي عبر عنه في صراحة وشجاعة ألفا عمر كوناري، رئيس الاتحاد الأفريقي. وللتاريخ وللباحثين وللمواطن السوداني والعربي ولكل من يريد الوقوف على حقيقة ما جرى في دارفور سأذكر النص الحرفي لملاحظات البعثة (منشور بكامله في الكتاب).
كان للقليل مما تسرب من هذا التقرير دوي كبير، وبدأت حكومة السودان في الاحتجاج على الأمانة العامة للجامعة العربية، وقرر الرئيس البشير عدم حضور القمة العربية في تونس 2004 احتجاجاً على ذلك التقرير، مع تهديدات مختلفة متعلقة بإثارة دور الأمين العام ومدى تفويضه بالتصرف والأمر بالتحقيق في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
كما تحدث معي أيضاً بعض كبار المسؤولين في دول عربية، مبدين احترامهم للتطور الكبير في عمل الجامعة ودورها في مواجهة الأزمات العربية، مع النصح بعدم الذهاب بعيداً في ذلك، لما قد يترتب عليه من تفجير الجامعة من داخلها. كنت أعلم ذلك، ولكني كنت أرى - ولا أزال - أن دور الجامعة يجب أن يتطور جذرياً، وألا تقبل الجامعة التغطية على - أو تجاهل - مواقف شديدة السلبية مثل الوضع فى دارفور، ومن ثم أمرت:
> بتسريب أجزاء من التقرير، للضغط على الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة تجنب السودان مخاطر الانقسام والتكالب الدولي عليه، عوضاً عن المناشدات التي أعرف مسبقاً أن البشير لن يستجيب لها.
> أن تتدخل الجامعة إيجابياً بالعمل على الوجود في دارفور، والتواصل مع مختلف الأطراف.
> إبقاء الوضع في دارفور على جدول أعمال النقاش المستمر مع الحكومة في الخرطوم.
> تحدثت شخصياً مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تظل متابعته مقتصرة على الحكومة وأفعالها، وإنما أيضاً على المنظمات المتمردة الأخرى الخارجة عن السيطرة والتي تعد إرهابية، إذ ترتكب الكثير من الجرائم ضد الإنسانية، وهو ما قبله المدعي العام ووعد بالقيام به (قام بذلك جزئياً).
والحقيقة أن هذه التحركات من جانب الجامعة العربية استطاعت أن تفتح أبواباً للنقاش ثم للتفاهم مع حكومة السودان على أهمية دور الجامعة والمجال الواسع لحركتها، وأن السلبيات التي تراها الحكومة السودانية في أداء الجامعة من وجهة نظرها تقابلها إيجابيات، ما سمح بحرية حركة من جانب الجامعة دعمته من جانبي بمزيد من التنسيق مع الاتحاد الأفريقي، ومزيد من الحركة على الأرض في دارفور، بادئاً بزيارة رسمية لها هي الأولى من جانب الأمين العام للجامعة العربية.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.