زيارة جديدة للحرافيش

في ذكرى نجيب محفوظ

الحرافيش
الحرافيش
TT

زيارة جديدة للحرافيش

الحرافيش
الحرافيش

كان هناك ما يشبه الإجماع النقدي على أن الثُلاثية ذروة أعمال نجيب محفوظ. وهي في الحقيقة، تستحق ببنائها الكبير وبقدرتها على التغلغل في الوعي الشعبي إلى حد أن «سي السيد» غادر الرواية وأصبح نمطاً اجتماعياً شهيراً، الأمر الذي لم يحدث إلا نادراً في تاريخ الأدب الإنساني كله. ثم جاء تقرير لجنة جائزة نوبل عام 1988 ليخالف المستقر، منوهاً برواية «أولاد حارتنا».
لكن كل حكم على الأدب، مهما كان صائباً يظل حكماً ناقصاً قبل أن يمر النص باختبار الزمن، من جهة صلاحيته لقارئ جديد في المستقبل وصموده لقراءات متعددة من القارئ الواحد.
لا أعرف أحكام القراء الجدد على أعمال محفوظ المختلفة، لكن من خبرات قراءاتي المتكررة أستطيع القول، إن «الحرافيش» تمنحني جديداً في كل قراءة؛ ما جعلني أقف مخالفاً للتفضيلين السائدين، مؤمناً بأنها ذروة هرم نجيب محفوظ الإبداعي، فيها خلاصة أسئلته حول الحياة والعدم، الدين والسلطة، العدل والظلم. هذه ذاتها أسئلة: «أولاد حارتنا» وعديد من رواياته، لكن برهافة أكثر، وحيث يبدو عالم الرواية مكتفياً بذاته دون الإحالة إلى تاريخ أو واقع خارجه؛ ما يجعل من «الحرافيش» النموذج الأكثر كمالاً في العطاء المحفوظي.
أتقن نجيب محفوظ؛ الفيلسوف، التخفي وراء مظهر الحارة الشعبية، وقد قنعت القراءات المتعجلة للحرافيش كما قنعت السينما بهذا المظهر السطحي الذي يساوي بين الروائي الحكواتي والروائي الفيلسوف، لكن الزمن، القاضي الأكثر عدلاً في محكمة الإبداع، يُسقط الحواديت، ويُبقي على أدب التساؤل الذي يُضمر رؤية متماسكة للكون، وأحسب أن الحرافيش هي آخر ما يمكن أن يموت من إبداع هذا الرجل الكبير.
على غير العادة في أعمال محفوظ هناك إشارة إلى جنس الكتاب في صميم العنوان: «ملحمة الحرافيش» ما يعد بعالم أسطوري، لكنه في الآن ذاته عالم محفوظ المعتاد محدود الرقعة. ولكي يقدم ملحمة دون ارتحال يقاسي فيه الأبطال الأهوال والمصادفات الغريبة التي لاقاها جلجامش أو عوليس أو أوديب، ألقى محفوظ بكل أعباء الملحمة على عاتق البناء الفني.
ومن خلال سرد يتمتع بالانسجام بين اللغة والشخصية والمكان والزمان، وبنية روائية شديدة البساطة، إذا ما قورنت بالعمارة المركبة للثلاثية.
عمارة الحرافيش بناء بسيط، أقرب إلى متوالية قصصية، كل حكاية تبدأ وتنتهي، حيث يساهم هذا الشكل البسيط للسرد في تحقيق رؤية الرواية، بتماثله مع موج البحر. لا يتوقف الموج ولا يستدير إلى الوراء، لكنه يندفع في تقدم متتابع يبتلعه الشاطئ، موجة بعد موجة. لا جديد ولا نهاية، بل حركة دائمة.

- عن اللغة
أول ما يُصادف القارئ في الحرافيش هو اللغة. المفتتح محض لغة شاعرة لا تروي واقعة: «في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا» هذا الاقتباس - على قصره - هو الفصل الأول كاملاً من الحكاية الأولى.
تحيل بلاغة الجملة إلى السرمدي الذي يتكرر على الدوام، وكأنها نشيد الجوقة في المسرح اليوناني، وهذه وظيفة إضافية يضعها محفوظ على كاهل الراوي في «الحرافيش».
ويتكرر صوت الحكمة على هذا النحو في موضع أو موضعين من كل حكاية من الحكايات العشر للتذكير بهذا النفس الملحمي، وغالباً ما تكون الجملة فصلاً مستقلاً، ودائماً على لسان الراوي كفصل البداية: «لا دائم إلا الحركة. هي الألم والسرور. عندما تخضرُّ من جديد الورقة، عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة، تُمحى من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة الشتاء» - الفصل (51) من الحكاية الرابعة: «المُطارد».
وإلى جوار اللغة التي تفتح الأفق على السرمدي، نجد لغة تُغلق أفق الفهم لتفتح آفاقاً للخيال متمثلة في التراتيل الفارسية المسموعة من داخل التكية. وهي أبيات من غزليات حافظ الشيرازي، بعضها لا يمت بصلة للمشهد؛ كأن يلجأ البطل إلى الساحة حزيناً أو يائساً، ويسمع بيتاً في العشق والغرام. هذا المخفي في النص من أجمل ألعاب محفوظ مع القارئ، وربما يحيلنا التوظيف العابث للغزليات إلى علاقة السخرية بصناعة الخيال عموماً.
ولا يودع محفوظ فخامة لغة الشعر، وعتمة المعنى في اللغة الفارسية، إلا ليستلهم بلاغة العهد القديم. تقول فلة لعاشور إنها تحمل له تحيات من أبنائه؛ فيرُدُ: «مباركة تحياتٌهم».
أو يطلب منه درويش مالاً فيصده: «في سبيل الخير أعطي لا في سبيل الشر».
ويتوالى هذا الاتكاء على بلاغة الكتاب المقدس «إلى الحمَّام والطعام ولتحل بركة الله في الأرض».
وليس هناك أجمل من إنطاق سيدة بسيطة بحكمة التغير الدائم «وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغرب، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ». (سفر الجامعة 1: 5). في الحكاية الخامسة من الحرافيش تحمل أم هشام الداية رسالة من الفتوة نوح الغراب إلى زهيرة الجميلة، فتقول لها: «ألا ترين أني زوجة وأم؟» فترد العجوز: «ما يمر يوم إلا ونرى الشمس وهي تشرق ثم نراها وهي تغرب».
وإلى جوار هذه المستويات من البلاغة الفصيحة، يصادفنا غناء شعبي يصدح به عاشق مكلوم:
«يا أبو الطقية الشبيكة
قل لي مين شغلها لك
شــبكت قلبي
إلهي ينشغل بالك»
هذه التنويعات الأسلوبية تُرصِّع لغة سردية سهلة منسجمة مع عالمها. والحوار فصيح، لكن بساطته تجعله مقنعاً على لسان الشخصيات. وهكذا يؤدي مجمل التشكيل اللغوي دوره في البناء الذي يضع قدماً في الأسطوري والأخرى في الواقعي.

- عن المكان والزمان
من يدقق في حارة الحرافيش، يرى اختلافها عن حارة الثلاثية وغيرها من حارات روايات محفوظ الواقعية التي نستطيع أن نطابق بعض معالمها على معالم شهيرة: مثل مسجد الحسين، مآذن قلاوون وبيت القاضي وخلافه.
وبينما تنطق عناوين الروايات الواقعية بأسماء حارات: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، خان الخليلي، تبقى حارة الحرافيش بلا اسم. لها امتداد يناقض قِصَر الحارات الحقيقية في منطقة الجمالية، لكي تستوعب فضاءات تلبي رؤيته الأسطورية، وتكون مقنعة فنياً في الوقت ذاته.
يريد للتكية أن تكون غامضة ومستغنية عن التعامل مع ما حولها من البشر؛ فلا تفتح بابها أبداً، وهذا يجعلها في حاجة إلى مزرعة يعيش الدراويش على ثمرها. وفي الحارة حانة، بخلاف واقع حارات الجمالية المثقلة بالقداسة، لكنه يبني مختصراً للعالم، يتسع للحانة وستتسع تلك الحارة المجهولة مع الوقت لمئذنة عجائبية (بلا مسجد) يبنيها بطل الحكاية السابعة «جلال صاحب الجلالة» كما تتسع الحارة من بعده لدار صيرفة وعمارات ضخمة.
بهذا التأسيس أصبحت الحارة مكاناً صالحاً لصناعة العجائبية، مع ذلك يلجأ محفوظ لطقس الهجرة الضروري للإقناع بالمعجزات، كما في الملاحم وألف ليلة وليلة. لكن أبطاله لا يسافرون إلى البعيد، بل إلى صحراء قريبة (هي في كل روايات محفوظ صحراء الدرّاسة المتاخمة لسور القاهرة على مسافة دقائق معدودة مشياً) وإلى بولاق على ضفة النهر، وهي الأخرى لا تبعد أكثر من نصف ساعة مشياً، بينما يستغني بعض الفتوات عن الرحلة؛ إذ يكتشفون قواهم الخارقة في لحظة مفاجئة تحت ضغط معركة تُفرض عليهم أو إهانة لا يمكن السكوت عليها.
ومثلما خطط مكاناً مجهولاً يمكن تحديده بالظن، بنى محفوظ زمناً مجهولاً، يلبي رغبته في صنع أمثولة للحياة. لكنه ككل كاتب حساس يدفع بالقارئ إلى المتاهة بعد أن يضع في يده طرف خيط الأمان الذي يمكنه من النجاة. هكذا تمكَّن النقاد من تحديد زمن الحرافيش من خلال بعض علامات الطعام والشراب ووسائل المواصلات، ليقولوا إن الزمن المضمر يبدو بدايات القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين.
وإلى جوار المكان والزمان المُضمرين يأتي ذكر أماكن حقيقية كالعطوف والحسينية بفتوات حقيقيين عاشوا في زمن حقيقي معلوم يدخلون في معارك مع فتوات الحارة.

- بناء الشخصية
بعد المفتتح الملحمي، تتكشف الأحداث عن عثور الشيخ الأعمى عفرة زيدان على الطفل ملقى في الشارع عند صلاة الفجر. لنجد أنفسنا أمام عمى ثلاثي: عمى الرجل، وعمى الليل، والجهل بنسب الطفل. لكن عمى ساعة الفجر يعقبه إشراق صبح جديد.
هكذا يؤسس محفوظ برهافة شديدة لعجائبية وواقعية الطفل الذي صار اسمه عاشور. هو بمعنى ما يتيم كنبي، ومجهول كلقيط. وفي سيرته تسامي القديس مع نزوع الشهوة والطمع. يمارس مهنته البسيطة رغم أنه صار سيد الحارة، وفي لحظة تفتنه امرأة وعندما يعود معها بعد الوباء تحلو في عيونهما داراً فخمة فيستوليان عليها.
ويختفي عاشور لتظل ثنائيته حاضرة في ذاكرة الأجيال. يُعيَّر به الأحفاد أحياناً، وأحياناً ترسم له الحكايات صورة ناصعة باعتباره ابن رجل صالح خاف عليه من الفتوة فألقى به في الحارة مطمئنا إلى رعاية الله لوديعته.
وعلى هذا النحو يسري الأسطوري والواقعي متمازجين في دم السلالة، للرجال قوة بدنية استثنائية، وللنساء قوة الجمال والحيلة مع عون من قوة غامضة في الروح، ملائكية أو شيطانية.
وفي ظني أن تمازج الأسطوري والواقعي في الشخصيات ليس الدرس المحفوظي الوحيد في الحرافيش، بل إطلاقه لطاقات الخير والشر إلى أقصى حدودهما داخل النفس، بما يجعل شخصيات هذه الرواية قريبة من إنسان الهوتين لدى المُعلم الأكبر دوستويفسكي.



علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».


ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

TT

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)
دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)

بعد سنوات من العداء تخللتها تصريحات إعلامية ناريّة، ها هي مغنية الراب نيكي ميناج، تشبكُ يدَيها بيدَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعلن أنها «المعجبة رقم واحد» به.

كيف انتقلت النجمة المثيرة للجدل من صفوف الكارهين، إلى مقاعد العاشقين؟ وهل هي خطوة بريئة دافعُها الإعجاب بشخصيته القوية وأناقته كما تقول؟ أم أنّ سيّد البيت الأبيض فتح ذراعَيه وأبوابه لـ«ملكة الراب» بسبب مصالح مشتركة؟

فتحت «ملكة الراب» صفحة جديدة مع سيّد البيت الأبيض (أ.ب)

بطاقة ذهبية ممهورة بوَجه ترمب

اختتمت نيكي ميناج الشهر الأول من السنة بهدية ثمينة. شَهرَت على منصة «إكس» بطاقة ترمب الذهبية التي تسهّل على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الحصول على الإقامة الطويلة هناك.

وجرى إطلاق تلك البطاقة التي طُبع عليها وجه ترمب نهاية 2025، وهي مخصصة للمهاجرين الأثرياء الراغبين في الحصول على الجنسية الأميركية. وتبلغُ قيمتها مليون دولار، إضافةً إلى 15 ألفاً مقابل رسوم الإجراءات القانونية والمعاملات الإدارية للحيازة على الجنسية.

إلا أن نيكي، ووفق ما كتبت على «إكس»، نالت البطاقة مجاناً. وأضافت المغنية المتحدّرة من جزيرة ترينيداد وتوباغو، أنها بصدَد «إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، وذلك بناءً على طلب رئيسي الرائع والكريم والفاتن».

ترمب معجب بأظفار نيكي

حطّت ميناج رحالها في الولايات المتحدة عام 1987. كانت حينَها في الخامسة من عمرها وقد أمضت سنواتها الأولى في مسقط رأسها؛ جزيرة ترينيداد وتوباغو، قبل أن تنتقل إلى نيويورك؛ تحديداً إلى منطقة كوينز التي شهدت على طفولة ترمب وشبابه.

ورغم صعودها سلالم الراب بسرعة صاروخية وتربّعها على عرش تلك الموسيقى، فإنّ ميناج بقيت محرومة من الجنسية الأميركية. ولطالما اشتكَت من أنها تسدّد ضرائبها بالملايين، ومع ذلك، فهي لا تُعدّ مواطنة شرعيّة، وغالباً ما صوّبت سهام اللوم باتّجاه ترمب.

نيكي ميناج في مسقط رأسها جزيرة ترينيداد وتوباغو عام 2023 (إنستغرام)

ثم أتت اللحظة التي كان من الصعب تخيّلها قبل سنة من الآن. في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن قلب واشنطن، حلّت نيكي ميناج ضيفة شرف على حفل مؤسسة «Trump Accounts» المخصصة لدعم الأطفال. كانت تلك المرة الأولى التي تطلّ فيها علناً إلى جانب الرئيس الأميركي.

بمُزاحِه المعهود، حاول ترمب التخفيف من ارتباك اللحظة، فأعرب عن إعجابه بأظفار نيكي ميناج الطويلة جداً؛ «سوف أربّي أظفاري لأني أحب أظفارها تلك»، قال الرئيس قبل أن تعتلي ضيفته المنصة. وبدا الودّ واضحاً بينهما بدليل تشابُك الأيدي والقبلات، ليبلغ التعبير ذروته في خطاب ميناج: «أنا على الأرجح المعجبة رقم واحد بالرئيس، وهذا لن يتغيّر رغم كُره الناس لذلك».

كان لافتاً تشابُك الأيدي بين ترمب وميناج (رويترز)

ترمب «كاره النساء»

أين نيكي ميناج الغاضبة من ترمب والتي لم تفوّت فرصة لانتقاده، من تلك النسخة الجديدة المذهولة به؟

لا في أغانيها ولا في حواراتها الصحافية ولا في منشوراتها على «السوشيال ميديا»، وفّرت المغنية ترمب من لسانها السليط. عام 2010، ظهرت في وثائقي تلفزيوني تحدّثت فيه عن دونالد ترمب بوصفه نموذجاً في كراهية النساء. وادّعت حينها أنه «متزوج من 50 امرأة ويواعد نساءً شابات».

ومع انطلاق الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2016، رحّبت ميناج به على طريقتها. هي التي كانت قد بدأت تحقق شهرة في عالم الراب، سمّته بالاسم في إحدى أغانيها: «أنا فتاة الجزيرة... دونالد ترمب يريدني أن أعود إلى المنزل»، في إشارةٍ إلى سياسات الهجرة التي فرضها ترمب على غير الأميركيين.

بين 2010 و2020 لم توفّر نيكي ميناج ترمب من نَقدها اللاذع غناءً وتصريحات (أ.ب)

«عرَبة ترمب للسيرك»

في ذروة حملة احتجاز المهاجرين عام 2018 بأوامر من إدارة ترمب، استذكرت نيكي ميناج وصولها إلى نيويورك في الخامسة من العمر من دون أوراق ثبوتية. «جئت إلى هذا البلد مهاجرةً غير شرعية. لا أستطيع أن أتخيل رعب الوجود في مكان غريب، وأن يتم انتزاع والديّ مني في سن الخامسة»، كتبت في تعليق على صورة تُظهر أطفالاً مفصولين عن آبائهم على الحدود أثناء احتجازهم.

تَواصل هجومها المُستعِر على الرئيس دائماً في إطار اعتراضها على تعاطيه مع قضية المهاجرين. وبلغَ غضبُها الذروة عام 2020 خلال مؤتمر «بولستار» لتكريم الموسيقيين في كاليفورنيا. وأعلنت حينها أنها لن تقفز «على عربة السيرك الخاصة بترمب».

نيكي ميناج على منبر الأمم المتحدة!

لم تكد تمرّ سنة على ذاك التصريح العنيف، حتى بدأت ملامح الودّ تجاه ترمب تظهر على نيكي ميناج؛ وإن بشكلٍ غير مباشر. في البداية، جمعتهما الجائحة بما أنّ الاثنَين استخفّا بخطورة كورونا. وقد أثارت ميناج حينها ضجّةً بإصرارها على رفض تلقّي اللقاح.

إلا أن 2025 كانت سنة التحوّل الكبير؛ فمع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهدت مواقف ميناج السابقة انقلاباً جذرياً. كانت البداية بإعادة نشر مقاطع فيديو من حساب البيت الأبيض على «تيك توك»، بما في ذلك فيديو استخدم إحدى أغانيها ترويجاً لسياسات ترمب المعادية للهجرة.

ووسطَ غضب معجبيها المستغربين انقلابها، أثنت ميناج على موقف ترمب من محنة المسيحيين في نيجيريا. فما كان من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، سوى أن يدعوها للتحدّث على المنبر العالمي. وفي مشهدٍ أقرب إلى السريالية، استغربَ العالمُ وقوف مغنية تستعين بكمية هائلة من الكلام النابي في أغانيها، على أحد أكثر المنابر وقاراً في العالم.

جنسيّة أميركية أو أكثر؟

منذ ذلك اليوم الذي شهد دخول نيكي ميناج إلى مقر الأمم المتحدة، وهي تُراكِم الحوارات المخصصة لدعم الرئيس؛ من إطلالتها بضيافة إريكا كيرك، أرملة تشارلي كيرك، حيث وصفت ترمب بالوسيم والأنيق، مروراً بحضورها العرض الأول لفيلم «ميلانيا»، وليس انتهاءً بـ«بودكاست كيتي ميلر». ففي أحدث ظهورٍ لها بعد لقائها وترمب على المنبر في واشنطن، برّرت ميناج مواقفها المستجدّة بالقول: «ما عدت أحتمل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الرئيس ترمب؛ من التنمّر إلى الأكاذيب وافتراءات أخرى». وأضافت أن حملة ترمب الرئاسية الأخيرة ألهمَتها، ملمّحةً إلى انخراطها في عالم السياسة: «طيلة حياتي انتابني إحساس بأنّ لديّ وظيفة ثانية أقوم بها».

ورغم الانتقادات المتصاعدة حيال انقلابها هذا وخسارتها عدداً لا بأس به من معجبيها، فإنّ نيكي ميناج تنغمس أكثر في دعم ترمب، سعياً وراء الجنسية الأميركية وربّما أكثر.


تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.