عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (1)

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
TT

عمرو موسى: الفيصل رفض الأحلام «الشيطانية» للمعلم وإزاحة رفيق الحريري مرتبطة بما نشاهده في لبنان الآن

عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)
عمرو موسى ورفيق الحريري في أحد لقاءاتهما (غيتي)

بعد 3 سنوات من إصدار الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الجزء الأول من سيرته الذاتية، يصدر قريباً كتابه الثاني بعنوان «سنوات الجامعة العربية» عن «دار الشروق»، وهو من 19 فصلاً، موزعة على 574 صفحة من القطع الوسط.
يميط موسى في كتابه الذي تنشر «الشرق الأوسط» بعضا مما ورد فيه على 7 حلقات بدءاً من اليوم (السبت)، اللثام عن أسرار 10 سنوات (2001 - 2011)، مليئة بالأحداث الجسام في بلاد العرب، كان خلالها أمينا عاما لجامعة الدول العربية، إذ لم تُترك قضية سياسية، في أي بقعة من بقاع العالم العربي من محيطه إلى خليجه، كانت الجامعة وهو شخصياً، طرفاً فيها إلا وتناولها.
في هذه الحلقة من الكِتاب الذي خَصص له فصلين على مساحة 90 صفحة، تناول دوره في حل الأزمة السياسية التي ضربت لبنان منذ نزول المعارضة اللبنانية بزعامة «حزب الله» وحليفه الماروني «التيار الوطني الحر» إلى الشارع مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2006؛ للمطالبة بإسقاط حكومة فؤاد السنيورة، وصولاً إلى اتفاق الدوحة في سنة 2008.
في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في مكتبي في جامعة الدول العربية أجهّز للسفر إلى عدن لحضور أول انعقاد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية خارج مقرها، والذي كان سيفتتحه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. كنت أتابع «قناة الجزيرة» التي أعلنت فجأة وقوع انفجار ضخم في بيروت، وقد يكون أصيب فيه الرئيس رفيق الحريري. تنقلت بين المحطات الفضائية إلى أن وصلت إلى «قناة العربية» وسمعت إعلان مصرع رفيق الحريري، مع 21 شخصا.
اتصلت بمدير مكتبي، وطلبت منه ترتيب سفري إلى لبنان فوراً، واتصلت بوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي وقلت له إنني لن أتمكن من الحضور بسبب ما حدث، وإنني سأتوجه إلى لبنان.
اتصل بي بعد قليل الرئيس علي عبد الله صالح، مشدداً على ضرورة حضوري إلى اليمن، قائلا: يا أخ عمرو إيه الحكاية دي؟
قلت له: يا سيادة الرئيس هناك أولويات... سأتوجه إلى بيروت وأعتذر منك.
أرجوك أن تقبل اعتذاري لأن اغتيال رفيق الحريري فاجعة عربية وتطور خطير جداً، ولا بد أن يكون أمين عام الجامعة العربية موجوداً في لبنان.
قال لي بطريقته: لا لا لا ملكش حق. حضورك ضروري.
عندما تعبت من إقناعه، قلت له: على أي الأحوال يا سيادة الرئيس، لن أحضر إلى اليمن اليوم.
سافرت في اليوم ذاته إلى بيروت، ومن المطار إلى قصر الحريري. وجدت نجليه سعد الدين وبهاء. قدمت لهما واجب العزاء، وكان القصر يموج باللبنانيين. كنت أول المعزين من خارج لبنان، وأخذت العزاء معهما أيضاً، وبقيت في القصر حتى ساعة متأخرة من الليل. الطريف في هذا الظرف الحزين، أن أول وزراء الخارجية العرب الذين وصلوا إلى بيروت كان الدكتور أبو بكر القربي، وزير خارجية اليمن الذي لم يحضر أيضاً اجتماع عدن.
في اليوم الثاني، كان تشييع الجنازة، ولم تكن الدولة اللبنانية مستعدة، وبالنظر إلى الوضع الأمني المتفاقم في بيروت في هذا الوقت، وضعني الصديق العزيز الرئيس نبيه بري تحت رعايته الأمنية عبر حراسة مجلس النواب.
كان واضحاً أن بعض أقطاب الطائفة السنية وبعض الأحزاب المارونية وغيرها، يشيرون بأصبع الاتهام إلى سوريا في جريمة اغتيال الحريري. وبعضهم أشار بأصبع الاتهام إلى «حزب الله»، ولكن بالأساس كان الاتهام موجهاً إلى سوريا، فوجدت أن أفضل شيء يقوم به الأمين العام للجامعة العربية أن يسافر إلى سوريا ويتحدث مع الرئيس بشار الأسد.
في اليوم الثالث على اغتيال الحريري، طلبت زيارة سوريا. قالوا لي: تفضل فوراً. توجهت في حراسة شديدة للغاية من قبل الحكومة اللبنانية حتى وصلت الحدود السورية، حيث تسلمني الحرس السوري إلى القصر الرئاسي مباشرة. استقبلني الرئيس بشّار وكان الحديث صريحاً جداً، وما قيل عن أن بشّار كان كثير الكلام قليل العمل ليس بالضرورة صحيحاً.
قلت له: يا سيادة الرئيس، إنني جئت من لبنان حيث المشاعر ثائرة بعد ما حدث، وإن مصرع رفيق الحريري لن يمر بسهولة، وإن موضوع الوجود السوري أصبح الآن مطروحاً بقوة، وهناك مطالبة كبيرة جداً بانسحاب القوات السورية، أصحاب هذه المطالب لا يتحدثون من فراغ عن انسحاب القوات السورية، بل يتحدثون استناداً إلى القرار 1559، الذي اتخذه مجلس الأمن في 2 سبتمبر (أيلول) 2004. أنا أنقل هذا الكلام وأسمع اتهامات واضحة لسوريا بمقتل الحريري، ومن ثم فإن الوقت مناسب لإعادة النظر في موضوع الوجود السوري في لبنان للتهدئة وإدخال عناصر إيجابية إلى موقف مليء بالسلبيات.
قال لي: أنا أول رئيس سوري يسحب قوات من لبنان، فقد كان هناك أكثر من 60 ألف عسكري سوري عند وصولي إلى الحكم، خفضت العدد إلى 35 ألف عسكري الآن، ومستعد أن أسحب وسأسحب قوات إضافية، ولا مانع لدي أن أسحب جميع القوات. فسألته: هل أستطيع يا سيادة الرئيس أن أعلن أنك قررت سحب الجيش السوري من لبنان؟
فقال: نعم، تستطيع إعلان ذلك، فأنا قلت لك إنني سأسحب الجيش.
خرجت وأعلنت أن الرئيس بشار الأسد فعلاً قرر سحب القوات السورية، وأنه سيبدأ بهذا قريباً، وأظنني قلت إن ذلك سيتم في إطار وقت محدد. حضر لقائي مع الرئيس وزير الخارجية فاروق الشرع. وتناولت الغداء معه، وكنت كلما أثير الموضوع، لم يكن الشرع يتمادى في الحديث عن سحب القوات. كان يريد تجاهل هذا الموضوع. لم يكن فاروق الشرع مرتاحاً لما قلته لعدد من الصحافيين السوريين من أن الرئيس قرر بدء انسحاب الجيش السوري من لبنان.
- حرب تصريحات
غادرت سوريا براً إلى بيروت وعدت بالطائرة إلى القاهرة ووصلتها مساء. فتحت الراديو في السيارة وسمعت على الـ«بي بي سي»: كذّب مسؤولون سوريون ما ذكره الأمين العام لجامعة الدول العربية عن أن الرئيس بشار الأسد تحدث إليه عن سحب القوات من لبنان.
استشطت غضباً، واتصلت فوراً بفاروق الشرع، فسألني: ماذا تريدنا أن نفعل؟
قلت: لقد استمعتَ شخصياً إلى الرئيس بشار وتأكيده بدء سحب القوات وعلى الطريق نحو سحبها نهائياً، وأنه وافق على أن أصرح بذلك. ومن ثم أرجو سحب هذا البيان وتأكيد تصريحي كأمين عام للجامعة بعد لقائي بالرئيس، وتجنب أن ندخل في حرب تصريحات لأنني سوف أصر طبعاً على ما ذكرته بعد اللقاء.
قال: حسناً سأعرض الموضوع على الرئيس.
وبعد دقائق حدثني وزير الإعلام السوري، وقال إن لديه تعليمات بأن يعود إلي لأذكر له ما أريد إذاعته وسيذيعون ما أريد.
كان واضحاً أن الرئيس الأسد أمر بإصدار تصحيح يؤكد أن الرئيس قال هذا الكلام للأمين العام، وهذا شيء مهم يدل على المصداقية، في حين أن المساعدين أو الإدارة السورية حاولت أن تضع غطاء على انسحاب القوات السورية، وربما كانت ضد هذا الانسحاب، إنما الرئيس كان واضحاً في تفكيره وفي حركته، وبدأ فعلاً بتخفيض القوات ثم سحبها كلها.
- دوافع الاغتيال
في تفسيري لدوافع اغتيال الحريري أقول: إنه كان زعيماً قادراً على أداء الزعامة وممارسة القيادة، كما كان ذا هيبة خاصة، سواء في أوساط سنة لبنان أو في الأوساط السياسية والاقتصادية والمجتمعية في لبنان كله، ثم إن وجود رجل في حجم الحريري على قمة الطائفة السنية كان يعني ثقلاً لا يمكن تجاهله في مواجهة ثقل (حزب الله). إن إزاحة الحريري من الطريق كان لحسابات إقليمية بعيدة المدى، ويرتبط بها جزء مهم مما نشاهده في لبنان الآن.
بين مارس (آذار) ويونيو (حزيران) 2006 توصّل مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بمشاركة الزعماء والأقطاب، إلى توافق بشأن المحكمة الدولية والعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا وترسيم الحدود، وتحديدها في مزارع شبعا، وحول السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وجرى نقاش جدي لم يستكمل بشأن سلاح «حزب الله».
أشعرنا الحوار الوطني أن الأمور تمضي إلى صيف لبناني هادئ، خصوصاً على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، لكن لم يمض وقت طويل على تلك الأجواء الباعثة على التفاؤل في لبنان. ففي 12 يونيو - تموز 2006 هاجمت قوة تابعة لـ{حزب الله» اللبناني موقعاً عسكرياً إسرائيلياً على الحدود، ونتج عن هذه العملية أسْر جنديين إسرائيليين؛ إضافة إلى مقتل 8 آخرين. ردت إسرائيل على هذه العملية بقصف مفرط القوة مثل الذي نفذته على غزة قبلها بأيام.
كان هناك انقسام عربي فيما يخص ما أقدم عليه «حزب الله» من تصعيد مع إسرائيل، حيث اعتبرت مصر والسعودية أن هذه مغامرة من جانب الحزب؛ وهنا يجب أن أقول إن إدارة السياسة العربية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأزمة ممتدة الجذور منتشرة الفروع تتصل بسياسات عالمية ومصالح متناقضة لدول كبرى مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، لا يمكن ولا يصح أن تترك لتتأثر بحركات حزب أو جماعة أو عصبة. كما لا يصح أن تكون الحركة السياسية العربية رهناً لسياسة ذات مرجعية غير عربية. ومن ثم، لم أكن مرتاحاً لمسار الأمور على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية.
من هذا المنطلق، صغت موقف الجامعة العربية وحركتها السياسية في ذلك الوقت دون مساس بموقف الجامعة الثابت إزاء أحد أصول المشكلة، أي الاحتلال الإسرائيلي والممارسات الإسرائيلية التي لا يمكن قبولها أو التسليم بها على الإطلاق.
فور وقوع العدوان دعت الكويت بالتنسيق معي لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية بالقاهرة أعددته فوراً، وهو ما جرى في 15 يوليو (تموز) 2006، بعد 3 أيام من بدء العدوان الإسرائيلي. شهدت الجلسة الثانية المغلقة للاجتماع مشادات كلامية حادة بين الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، ونظيره السوري (وليد المعلم)، بدأ الأمر بقول المعلم مخاطباً الوزراء المجتمعين، وأنا هنا أتحدث من محاضر الاجتماع:
أريد أن أشاطركم بعض أحلامي المجنونة، أقول مجنونة لأنها لا توائم الأوضاع العربية الراهنة أو الأوضاع الدولية... حلمت بأن اجتماعناً سيبدأ بدقيقة صمت على أرواح شهداء غزة ولبنان، وأن الأمين العام سيدعو إلى اجتماعنا هذا في غزة... حلمت أن نجتمع في إحدى قرى الجنوب اللبناني في منزل أم سمير قنطار؛ لنعرف منها معنى الصبر والانتظار طيلة 30 عاماً لتحرير ابنها (...) أقول: حلمت لأنه لم يبق لنا حق نمارسه سوى الحلم... منعنا من حق الدفاع عن النفس... منعنا من حق دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال... منعنا من حق إدانة العدوان.
وأنهى الوزير السوري كلمته قائلا: بكل صراحة وصدق... كل كلمة تخرج من هنا تفيد إسرائيل في عدوانها على لبنان سواء باسم العقلانية أو باسم العاطفة لن نكون طرفاً فيها.
- رد الفيصل والصباح
طلب الأمير سعود نقطة نظام للرد على المعلم قائلا: لم أكن أعلم عن الأخ وليد أن سياسته تسير بالأحلام، وفي حلمه اكتشف في بعض ما قيل من المواقف التي أعلنت من بعض الدول العربية ساعدت إسرائيل في هجومها على لبنان... وهذا أولاً كلام غير مسؤول، وثانياً غير صحيح... أنا لا أتصور مثلاً، ماذا سيكون عليه موقف الأخ وليد لو أن منظمة من المنظمات قامت بعدوان على إسرائيل من الجولان... ماذا سيكون الموقف؟ لماذا يكون مسموحاً لمن يريد أن يستخدم الأراضي استخدام الحدود اللبنانية في التهجم على إسرائيل ولا يستخدم الجولان؟ هل إسرائيل هجمت لأننا أصدرنا بياناً؟ إسرائيل هجمت بسبب ما قام به «حزب الله» في المنطقة. أي حلم ذلك الذي يعتقد أن التعقل ومنهج المنطق في اتباع السياسة هو خطأ فادح؟ هذه أحلام شيطانية.
بعد عدد من المداخلات أعطيت الكلمة للدكتور محمد سالم الصباح، وزير خارجية الكويت، فقال رداً على وليد المعلم: جميل وصف أخي أبي طارق عن الأحلام. والأحلام الوردية في بعض جوانبها تعود إلى تناول عشاء خفيف، معلهش اقبلها مني.. ألقي عليك شيئاً من الماء البارد لتصحو من الأحلام؛ لأن الحقائق على الأرض مزعجة، فهذا هو عصر الانشقاقات والانقسامات.
بقيت صامتاً أتابع بدقة كل ما يقال لعلّي أجد ثغرة في حديث أي من الفرقاء تمكنني من إحداث اختراق «يلم الدور» كما نقول في مصر. في الوقت نفسه كان من الصعب تغيير قناعات فريق كبير من دول الجامعة العربية بأن ما يقوم به «حزب الله» ليس مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما هو جزء من لعبة سياسية تقودها إيران؛ تأكيداً لدورها الإقليمي المناهض للدور العربي والمصالح العربية.
- اجتماع الوزراء العرب
خلال الأسبوع الأخير من يوليو 2006، شعرت أننا بحاجة لعرقلة مشروع القرار الأميركي - الفرنسي في مجلس الأمن، لأنه يظلم لبنان؛ ولذلك كان الأمر يحتاج إعلاناً قوياً للتضامن مع ذلك البلد العربي الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم؛ ليشعر الجميع أن العرب أجمعين في ظهره. ومن هنا دعوت لاجتماع لوزراء الخارجية العرب في السراي الحكومي في بيروت على أن ينعقد في 7 أغسطس.
انعقد مجلس الجامعة برئاسة الشيخ عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، رئيس الدورة. وقرأ السنيورة بيانه المؤثر. بعدها تحدث عدد من الوزراء معلنين تضامنهم مع لبنان، ثم أخذ الكلمة وزير خارجية سوريا وليد المعلم، ومنذ هذه اللحظة ستتغير الأجواء الودية التي تحيط بالاجتماع، لأنه بعدها سيدخل في سجال طويل مع فؤاد السنيورة بشأن نقاط كثيرة في البيان. قال المعلم في كلمته:
أولاً... أتساءل بعد 26 يوماً ونحن في بيروت والحرب ما زالت مشتعلة... كيف لا نحيي صمود المقاومة الوطنية اللبنانية البطلة التي تخوض أشرس المعارك دفاعاً عن كرامة لبنان وكرامة الأمة العربية؟! فعلاً أستغرب ألا يتضمن مشروع هذا القرار فقرة تعطي الدعم العربي لهذه المقاومة الباسلة بعد 26 يوماً من هذه الحرب الطاحنة (...) وأخيراً أتمنى على دولة الرئيس (يقصد فؤاد السنيورة) - وأنا أشيد بكلمته إشادة تامة - ألا يعني بلدي (سوريا) بعبارة الوصاية، نحن لا نبغي هنا أي وصاية - دولة الرئيس - نحن نتضامن مع لبنان كشعب شقيق، جار لسوريا، وما يصيبه يصيبنا، وشكراً.
كان فؤاد السنيورة قد قال في كلمته إن «لبنان لا يتحمل تكوينه الاجتماعي والسياسي تكرار اجتياحات واعتداءات وصراعات ووصايات محلية أو إقليمية أو دولية، وهي البطحة التي تحسسها وليد المعلم دون سائر من كانوا في الاجتماع!
تحول الاجتماع بعد ذلك إلى سجال مرير وطويل بين المعلم الذي يصر على تحية «حزب الله» في قرار مجلس الجامعة العربية، والسنيورة الذي رد عليه قائلا: (وزراء الخارجية العرب جاءوا إلى هنا لدعم موقف لبناني موحد. أصر المعلم على مطلبه، لكن سائر وزراء الخارجية العرب أيدوا رؤية السنيورة.
في النهاية توصل المجلس لمجموعة من القرارات أهمها تكليف وزير خارجية الإمارات، رئيس مجلس الجامعة، ووزير خارجية قطر بصفته ممثل الدول العربية في عضوية مجلس الأمن والأمين العام لجامعة الدول العربية، لعرض وجهة النظر العربية بشأن الموقف في لبنان، والتشاور معهم في كيفية علاج الموقف الخطير الناجم عن الدمار الكبير الذي تعرض له لبنان والتطورات المرتبطة به.
- السفر إلى نيويورك
من بيروت قررنا السفر مباشرة إلى نيويورك. الشيخ عبد الله بن زايد قال إنه سيعود لأبوظبي ومن هناك سيتوجه لنيويورك، أما حمد بن جاسم فكانت أسرته في هذا الوقت في مدينة كان الفرنسية. ولما أعلنت أنني ووفد الجامعة جاهزون للسفر من بيروت مباشرة إلى نيويورك عرض علي الشيخ حمد بن جاسم أن أستقل والوفد طائرته الخاصة، حيث إنه متوجه مباشرة مع توقف بسيط في فرنسا في الطريق إلى نيويورك.
نزلت الطائرة في مطار كان في جنوب فرنسا. وذكر لي حمد أنه سوف يتوجه إلى منزله، لرؤية عائلته، وأنه حجز جناحين في فندق «ريتز كارلتون» لي وللوفد، على أن نتوجه لنيويورك صباحاً باكراً، إذ أصبح الوقت متأخراً، وكان السفر من بيروت إلى كان سهلاً؛ لأنه عبر فوق الأجواء الإسرائيلية واختصر وقتاً طويلاً للرحلة!
في هذا الوقت من الصيف تمتلئ كان والكثير من المدن الأوروبية بالسياح العرب، وهو ما كنت أتحسب له. فماذا يقول أي مواطن عربي يشاهد الأمين العام للجامعة العربية في مدينة سياحية في وقت يتعرض فيه لبنان لعدوان إسرائيلي... أكيد بيتفسح!. بالفعل قابلتني سيدة كويتية كبيرة في السن، وأنا داخل إلى الفندق وهي خارجة منه. قالت لي: أنت عمرو؟ قلت: نعم أنا هو. قالت: إزيك يا بني... إزي صحتك إحنا بنحبك... ثم سألت السؤال الذي أتحسب له: أنت بتعمل إيه هنا؟
قلت وأنا في غاية الحرج: الطائرة توقفت في كان وأنا في طريقي للأمم المتحدة في نيويورك للعمل على وقف الحرب على لبنان، ومسافر أول ما يخطروني أن الطائرة جاهزة.
قالت: طيب ربنا يوفقك.
بعد أقل من 20 متراً قابلتني سيدة أخرى وكانت من البحرين. قالت لي: أنت عمرو موسى؟
قلت لها: نعم.
قالت بنبرة متحدية، واضعة يديها في وسطها: وبتعمل إيه هنا... والحرب شغالة على لبنان؟
قلت لها: والله الطائرة عطلت واضطررت للمبيت هنا.
تكرر الموقف كثيراً، إلى أن قررت أقضي سواد الليل في غرفتي إلى أن يمر علي بن جاسم ونتوجه لنيويورك. في المصعد قابلت صديقي العزيز محمد جاسم الصقر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الكويتي. قلت: له عظيم أني التقيت بك. سألته: إلى أين أنت ذاهب؟
قال: سأذهب للعشاء في أحد المطاعم.
قلت: سأتعشى معك.
وحكيت له أنني كلما قابلت عربياً أو عربية يقولون - ولهم الحق -: لبنان بتحترق وأنت بتصيف في كان؟! وأضطر أشرح مراراً وتكراراً أن الطائرة تعطلت وأني غداً سأتوجه لأميركا. فكاد الصقر يقع مغشياً عليه من الضحك على طرافة الموقف. ودعاني إلى مطعم جانبي داخل الفندق، ولكنه خارج دائرة التجول المعتادة للنزلاء.توجهنا، بن جاسم وأنا ووفد الجامعة، في اليوم التالي إلى نيويورك ولحقنا عبد الله بن زايد، وبدأنا الاتصالات مع معظم الوفود في الأمم المتحدة. طرحنا على مجلس الأمن الدولي خطة النقاط الـ7 التي طرحها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان‏.‏ وقلنا للوفود إن هذا تعبير صادق عن الإرادة الجماعية للشعب اللبناني لإنهاء الأزمة‏.‏
انتهى الأمر بأن أصدر مجلس الأمن القرار 1701 في 11 أغسطس 2006، ومن خلال القراءة القانونية للقرار أقول إنه منحاز بدرجة كبيرة لإسرائيل، لكن يمكن اعتباره في حدّه الأدنى أفضل من مشاريع القرارات السابقة التي رفضها «حزب الله» والحكومة اللبنانية على حد سواء. فبحسب حسن نصر الله، كان هذا القرار الأقل سوءاً بين جميع مشاريع القرارات الأخرى.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أفادت مصادر فلسطينية ومصرية، لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من حركة «حماس» يصل إلى القاهرة الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والفصائل الفلسطينية، بجانب السلطات المصرية.

تلك الاجتماعات التي تعدُّ الثانية في نحو أسبوع، تأتي لبحث «تفاهمات حاسمة»، بشأن ملف نزع السلاح، وفق ما تقول المصادر، غداة حديث إعلام إسرائيلي، عن أنَّ مهلة ملادينوف للحصول على رد «حماس» بشأن نزع السلاح بالقطاع تنتهي الجمعة، وإن لم تحسم الحركة ردَّها بالإيجاب ستشن إسرائيل عمليةً عسكريةً جديدةً.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

تحركات وتهديدات

ووفقاً لصحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، الخميس، فإنَّ إسرائيل تترقب ردود «حماس»، بعد انتهاء مهلة ملادينوف.

وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلةً حتى الجمعة لقبول اقتراح نزع السلاح».

وقبيل انتهاء المهلة، قال ملادينوف، في تغريدة مساء الخميس عبر حسابه على منصة «إكس»: «دخلت 602 شاحنة إلى غزة مُحمَّلةً بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً».

وشكَّك المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الجمعة، من صحة ذلك، قائلاً: «تؤكد البيانات الفعلية ليوم 9 أبريل (نيسان) الحالي دخول 207 شاحنات فقط إلى القطاع، من بينها 79 شاحنة مساعدات في حين تضم حمولة بقية الشاحنات الـ207 عادة بضائع تجارية لشركات خاصة».

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المُدمَّرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال المصدر المصري، إنَّ المحادثات ستبدأ مساء الجمعة وتتوالى، ومن المتوقع أن تبدي «حماس» رداً إيجابياً، خصوصاً مع تحريك في أعداد شاحنات المساعدات كبادرة إبداء نوايا حسنة من جانب ملادينوف، مع تفهم للاختلافات في الأعداد التي يطرحها كل جانب، لكنه تطور إيجابي يبنى عليه خلال المحادثات.

ويعتقد أن «هناك مؤشرات إيجابية حتى الآن تقول إن (حماس) ستناقش بعد ردها الإيجابي كيفية التنفيذ، وهذا يحتاج لتفاهمات حاسمة، للانتقال إلى تدابير وأفعال على الأرض، ونرى دخولاً فعلياً للجنة إدارة غزة»، مع مفاوضات متواصلة، مشيراً إلى أنَّ إسرائيل سلوكها متقلب دائماً، وقد تتذرَّع بأنَّ «حماس» تناور وتتجه إلى عمليات عسكرية.

لكن المصدر الثاني وهو فلسطيني، قال إنَّ الوفود الفلسطينية ستكتمل الجمعة أو السبت بحد الأقصى، لافتاً إلى أنَّ رد «حماس» قد لا يتضمَّن رفضاً تاماً أو قبولاً تاماً.

وأوضح المصدر أن الحركة والفصائل تنتظر رداً من ملادينوف على استفسارات بشأن تنفيذ الإطار المطروح، ومدى التزام إسرائيل بالاتفاق والانسحاب من القطاع، بخلاف أولوية نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل «لجنة إدارة غزة».

ويعتقد المصدر الفلسطيني الثالث، المقرَّب من «حماس»، «أن لقاء القاهرة لن يكون سهلاً لجميع الأطراف، خصوصاً أنَّ هناك استياء مما أثاره ملادينوف من حديث غير مطابق للواقع بشأن المساعدات، لكن الحركة معنية بتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين، والسعي للتنفيذ الكامل للاتفاق، خصوصاً من جانب (الاحتلال)».

مصادر تتوقع بوادر إيجابية

ومن الواضح حسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، أنَّه في حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة، وسط تأكيد منهما أنَّ «جميع الخيارات مطروحة، وننتظر التوجيهات السياسية، ولكن في ظلِّ تركيز الاهتمام على لبنان، يصعب توقُّع استئناف القتال في غزة خلال الأيام المقبلة».

وهذا يتماشى مع ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأنَّ هناك ضغوطاً إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء؛ لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنُّب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خصوصاً في ظلِّ تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد أستاذ العلوم السياسية المتخصص بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، الدكتور طارق فهمي، أنَّ لقاء القاهرة الثاني خلال أسبوع، يبدو أنَّه يتجه لمشهد إيجابي، شريطة التزام كل الأطراف بالتوافق.

ويرى فهمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّه في ضوء ردود «حماس» المتوقع أن تكون إيجابيةً ومشروطةً، وتحركات ملادينوف بشأن المساعدات، ومساعي القاهرة، يمكن أن نقول إن فرص النجاح قائمة في التوصُّل لتفاهمات تُنفَّذ بشأن ملفات اتفاق غزة، محذِّراً من أنَّ البديل حال الفشل سيكون احتلال إسرائيل باقي القطاع كما تخطِّط حالياً وتتمنى.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنَّ التهديدات المتوالية خلال الأسبوع الحالي، وعشية لقاء ملادينوف و«حماس»، من باب الضغوط لا أكثر على الحركة.

وأشار الرقب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ أفضل المسارات التي يجب أن يذهب لها لقاء القاهرة، هو التوافق المبدئي على تسليم السلاح، وذلك بعد تشكيل الشرطة الفلسطينية ووصول قوات الاستقرار الدولية، ولكن هذا يتوقف على حسابات «حماس»، خصوصاً وهي تسعى لأن يكون المسار الإجباري للخروج من المشهد بأقل الخسائر.


مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
TT

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)

تحصل بعض المبيدات الخطرة التي يجري ترويجها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية على أسماء جذابة، في حين يعيش السكان والمزارعون مخاوف متزايدة على صحتهم وجودة المحاصيل، في ظل انتشار معلومات عن احتوائها على مواد محظورة أو مجهولة المصدر، في ظل فساد الجماعة وغياب رقابة فعّالة.

وحذّر عدد من المزارعين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من انتشار مواد يُشتبه في خطورتها على المحاصيل وصحة الإنسان، مبدين قلقهم على مزروعاتهم ومحاصيلهم وأراضيهم الزراعية من تأثيرات خطيرة تنعكس أيضاً على صحة المستهلكين، بالتزامن مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى شبكات تجارية تابعة للجماعة الحوثية بالوقوف وراء إدخال مبيدات مجهولة المصدر تحت أسماء لافتة؛ مثل: «العبد» و«الفيل» و«الوسام».

ويقول المزارعون إن استخدام تلك الأنواع من المبيدات يتسبّب في أضرار جسيمة للمحاصيل الزراعية، مشيرين إلى أن زراعة «القات» تحظى بالنصيب الأكبر من استخدام هذه المواد، في بلد يستهلك غالبية سكانه هذه النبتة يومياً في طقوس الترفيه والاسترخاء. كما حذّر المزارعون والناشطون من احتواء «القات» على كميات كبيرة من السموم والمبيدات التي تشكّل تهديداً كبيراً ومباشراً على صحة المستهلكين، وذلك بسبب رغبة مزارعي هذه النبتة في تحقيق نمو سريع لأغصانها وأوراقها في زمن قياسي. وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية مزارعي «القات» يبررون إقدامهم على استخدام المبيدات بشكل مفرط، بسبب الإتاوات الكبيرة التي تفرضها جهات تابعة للجماعة الحوثية عليهم، مما يقلّل من أرباحهم بشكل كبير، ويضطرهم إلى مضاعفة الإنتاج بسرعة.

وثيقة مسرّبة تكشف عن تواطؤ القطاع الزراعي الذي يسيطر عليه الحوثيون مع تجار المبيدات (إكس)

وأوضحت المصادر أن الجهات الرقابية في القطاع الزراعي الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية تتجاهل الشكاوى والبلاغات التي ترد إليها، بما في ذلك التحذيرات التي تطلقها جهات صحية، وترفض إجراء أعمال رقابية وفحوصات ميدانية سواء في الأسواق والمزارع.

وثائق وشهادات

تفسّر المصادر الصمت الذي تمارسه هذه الجهات، بوجود أوامر من قيادات حوثية عليا من مصلحتها استمرار بيع المبيدات من جهة، وزيادة الإنتاج الزراعي مهما كان ملوثاً من جهة أخرى، للحصول على المزيد من الأموال بفرض المزيد من الجبايات عليه. ولا تقتصر هذه المخاوف على مزارعي «القات» فحسب؛ إذ يؤكد المزارعون أن تلك المبيدات تُستخدم أيضاً في زراعة الخضراوات والفواكه، مما يوسع دائرة القلق لتشمل سلامة الغذاء الذي يصل إلى موائد السكان، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة أمنه الغذائي واعتماد كبير على الإنتاج المحلي المحدود.

مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمزارع من مديرية بني مطر غرب العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يحذّر من دخول مبيدات وصفها بـ«الخطرة والمسرطنة» إلى الأسواق عبر التهريب، منبهاً إلى أن استخدامها ألحق أضراراً بالمزروعات. وكشف المزارع عن أنه تعرّض لضغوط وتهديدات لإجباره على سحب شهادته تلك، أو إثبات ما قام بنشره رغم تقديمه شهادات من مزارعين آخرين أكدوا تجربة تلك المواد. ويتزامن ذلك مع تداول وثيقة تشير إلى سماح قطاع الزراعة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بدخول مبيدات مُصنّفة ضمن المواد المقيدة أو المحظورة دولياً إلى الأسواق في مناطق سيطرة الجماعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة يُلزم التجار بدفعها بوصفها رسوماً.

هيئات الرقابة الخاضعة للحوثيين متهمة بعدم التفاعل بخصوص المبيدات القاتلة (فيسبوك)

وتكشف الوثيقة عن أنه تم الإفراج عن شحنة مبيدات بعد دفع نحو 30 ألف دولار من إحدى الشركات التجارية، رغم التحذيرات المرتبطة بخطورة مكونات تلك المواد على الصحة العامة والبيئة الزراعية.

تواطؤ مكشوف

اتهم عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجماعة الحوثية بالتناقض في مواقفها السياسية المعلنة وممارساتها الحقيقية على أرض الواقع، وذلك بالإشارة إلى معلومات تتحدث عن استيراد مبيدات خطرة من إنتاج إسرائيلي، رغم الخطاب المعادي للدولة العبرية.

ومنذ سنوات يتناقل السكان معلومات، لم يجرِ تأكيدها، بدخول مبيدات إسرائيلية المنشأ، إلى مناطق سيطرة الجماعة، في حين يقول خبراء زراعيون وكيميائيون إن خطورة المبيدات لا يقضي بالضرورة أن يكون مصدرها إسرائيل. وخلال جلسات محاكمته خلال العامَين الماضيَين، أقر تاجر المبيدات الموالي للجماعة الحوثية، عبد العظيم دغسان، والمتهم بإدخال وبيع مبيدات مهرّبة ومحظورة ومنتهية الصلاحية، باستيراد تلك المواد عبر التهريب، وحصوله على توجيهات عليا بالإفراج عن الشحنات المضبوطة. ورغم صدور قرار من القضاء التابع للجماعة بالقبض القهري على دغسان، وإغلاق محلاته التجارية، يؤكد ناشطون موالون للجماعة أن ذلك القرار لم يجد طريقاً للنفاذ، بسبب حصوله على حماية من قيادات عليا.

وقفة احتجاجية سابقة ضد مخطط حوثي لإنشاء مصنع مبيدات وسط التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وخلال العامَين الماضيَين تعرّض عدد من الناشطين الموالين للجماعة الحوثية لملاحقات أمنية وإجراءات تعسفية شملت الاعتقال والتهديد بتعريضهم لمحاكمات بتهم تتعلق بالإساءة للأمن العام والتجسس على خلفية انتقادهم انتشار المبيدات المحظورة، وأحاديثهم عن انتشار شبكات لتجارتها. ومنذ أكثر من شهر، دعت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء، الجهات المعنية التابعة للجماعة الحوثية، إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمنع استيراد المبيدات المحظورة دولياً وغير المسجلة، وتشديد الرقابة على المنافذ الجمركية، ونشر قوائم بالمبيدات الممنوعة لحماية المزارعين والمستهلكين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

يكثّف محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على نحو غير معهود، من لقاءاته بمختلف أطياف المجتمع في غرب البلاد، على خلفية خلافه غير المعلن مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس «حكومة الوحدة» المؤقتة.

عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» خلال اجتماعهم من المنفي (المجلس الرئاسي)

وقال مكتب المنفي إنه «في إطار مواصلة التشاور الوطني، وتعزيز مسارات التوافق السياسي»، بحث المنفي مع عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد، بالإضافة إلى «التحديات الراهنة»، كما جرى «استعراض السُّبل الكفيلة بالدفع قدماً نحو ترسيخ الاستقرار، من خلال الوصول إلى استحقاق انتخابي شامل، يلبّي تطلعات الشعب الليبي».

وجدد المنفي، الذي التقى سياسيين وعسكريين عديدين خلال الأيام الماضية، مناشدته جميع الأطراف الليبية التوافق السياسي من خلال الحوار، بعيداً عن «الصفقات»، بهدف إنجاز الاستحقاق الرئاسي والنيابي، الذي يتوق إليه الشعب الليبي.

وفي ظل ما تعانيه السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس من تجاذبات حادة، شدد المنفي على «أهمية توحيد الجهود الوطنية، وتكثيف العمل المشترك بين مختلف الأطراف؛ بما يضمن إطلاق عملية سياسية جامعة لا تُقصي أحداً، وترتكز على مبادئ الشفافية والتوافق ومحاربة الفساد»، لافتاً إلى أن ذلك من شأنه الوصول بالبلاد إلى إجراء انتخابات عامة، تعبّر عن الإرادة الحرة والصادقة لليبيين.

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية»، التي عرضتها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتي شرق ليبيا وغربها.

المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه (غيتي)

وتعمل البعثة الأممية لدى ليبيا، برئاسة هانا تيتيه، على دعم العملية السياسية في البلاد على نحو يتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة منذ نهاية عام 2021؛ بسبب الخلافات على القاعدة الدستورية اللازمة للاستحقاق.

وسعياً لرأب الصدع بين منظومة القضاء في ليبيا ومنع انقسامها، سارعت البعثة من خلال نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري إلى مناقشة الأزمة مع النائب العام الصديق الصور، مساء الخميس، حيث أطلع النائب العام خوري على مستجدات جهوده المستمرة في الوساطة، الهادفة إلى معالجة الانقسامات المؤسسية داخل السلك القضائي.

النائب العام الليبي مستقبلاً خوري لبحث أزمة «القضاء» (مكتب النائب العام)

من جانبها، جدّدت البعثة الأممية دعمها لمقترحات لجنة الوساطة الليبية، مؤكدةً أهمية الحفاظ على «وحدة القضاء، وضمان أن تسهم الجهود الجارية في تعزيز نظام العدالة في ليبيا، بما يتماشى مع مبادئ سيادة القانون».

في شأن مختلف، نفت شركة الخطوط الجوية الليبية ما تم تداوله من أنباء حول فصل عدد من موظفيها، موضحة أن «ما يجري راهناً هو عملية إعادة تنسيب لأكثر من ألف موظف إلى قطاعات مختلفة، وفقاً لدرجاتهم الوظيفية وتخصصاتهم، ضمن خطة تنظيمية تهدف إلى تحسين توزيع الكوادر ورفع كفاءة الأداء».

وأوضحت الشركة، في وقت مبكر من صباح الجمعة، أن هذه الخطوة «تأتي في إطار إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي، بما يعزز كفاءة العمل داخل مختلف الإدارات والقطاعات التشغيلية، مع التأكيد على التزامها الكامل بالحفاظ على استقرار موظفيها، وضمان حقوقهم الوظيفية كافة».

وقالت الشركة إنها عقدت اجتماعاً مشتركاً بمدينة بنغازي، ضم مدير منطقة بنغازي بالشركة الدكتور فرج المسلاتي، ورئيس مصلحة الطيران المدني محمد الغرياني؛ لبحث استكمال إجراءات تنسيب عدد من موظفي الشركة إلى مصلحة الطيران المدني. ولفتت إلى أن الاجتماع تناول متابعة الترتيبات الإدارية المتعلقة بعملية التنسيب، حيث تم الاتفاق على استكمال الإجراءات، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، و«بما يضمن انتقالاً منظماً وسلساً للموظفين».