الفارابي والتنوير العربي

معرفته كانت موسوعية شملت كل العلوم المتوافرة في عصره

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد
TT

الفارابي والتنوير العربي

نصب الفارابي في بغداد
نصب الفارابي في بغداد

يعد الفارابي الفيلسوف الكبير الثاني في اللغة العربية بعد الكندي، وقبل ابن سينا الذي يجيء في المرتبة الثالثة من حيث التسلسل الزمني. وبعد أن درس في فاراب وبخارى، انتقل إلى بغداد لإكمال تعليمه. وبغداد آنذاك كانت عاصمة الدنيا، وبالتالي فكل النوابغ -أو من يريدون أن يصبحوا نوابغ- ينبغي أن يحجوا إليها، تماماً كباريس أو لندن أو نيويورك حالياً. وهناك، درس واشتغل لفترة طويلة إلى حد أنه أصبح عراقياً تقريباً. وربما لهذا السبب توجد حالياً جامعة أهلية في بغداد باسم: كلية الفارابي الجامعية. وفي أثناء هذه الفترة المديدة، اكتسب الفارابي معرفة عدة لغات، وتعمق في شتى فروع المعرفة، من علمية أو فلسفية. وقد شهد تعاقب ستة خلفاء عباسيين على الحكم. ثم استقر لاحقاً في حلب، حيث أصبح مقرباً من أميرها الشهير سيف الدولة الحمداني. وحتماً تعرف على المتنبي هناك، فبلاط سيف الدولة كان مليئاً بالعباقرة. ثم عاد إلى دمشق في أواخر عمره، وفيها مات عام 950، عن ثمانين عاماً تقريباً. وهو عمر طويل جداً بالنسبة لذلك الزمان، ويعادل المائة سنة حالياً. وفي أثناء حياته الطويلة هذه، عاش الفارابي حياة التقشف والزهد في الحياة الدنيا، فلم يتزوج، ولم يركض وراء المال والوجاهات، كما يفعل كثير من المثقفين العرب وغير العرب. ويقال إنه ما كان يطلب من سيف الدولة إلا أربعة دراهم يومية كافية لسد الرمق فقط، ويرفض كل ما عدا ذلك. ولو شاء لاكتنز الذهب والفضة، واقتنى الضياع والإقطاع. ومن صفاته الجميلة أنه كان يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار. وهل هناك حياة أجمل من هذه؟ كان يؤثر العزلة والوحدة لكي يخلو كلياً للتأمل والتفكير، وتدبيج المؤلفات التي أنارت العالم العربي والإسلامي كله.

الجمع بين العلم والإيمان
كانت معرفة الفارابي موسوعية، تشمل كل العلوم المتوافرة في عصره؛ انظر كتابه «إحصاء العلوم». ولذلك لقبوه بالمعلم الثاني، بعد أرسطو. وما كان أحد يضاهيه في هذا المجال، ربما ما عدا ابن سينا الذي جاء بعده بقرن أو يزيد. ولكن ابن سينا لم يعش أكثر من 57 سنة. ومع ذلك، فقد أضاء الكون بوجوده وعبقريته المشتعلة. أما الفارابي، فقد عاش عمراً مديداً أتاح له أن يطلع على معارف ومصنفات كثيرة جداً. وبالمختصر المفيد، يمكن القول إن الفارابي كان فيلسوفاً متأثراً بالفكر الإغريقي قبل كل شيء؛ أي فكر أفلاطون وأرسطو. وكان يعد أنهما كشفا الحقيقة المطلقة مرة واحدة، وإلى الأبد. وبالتالي فكل من جاء بعدهما ينبغي أن يحذو حذوهما. وكان يجمع بين الدين الإسلامي والعقلانية الإغريقية؛ أي بين العلم والإيمان، كما نقول نحن حالياً. وهنا تكمن عظمته. بل وصل الأمر به إلى حد تقديم الحقيقة الفلسفية على الحقيقة المذهبية أو العقائدية؛ وهذا شيء مدهش جداً بالنسبة لذلك الزمان. هذا يعني أنه سبق فولتير وكانط إلى التنوير. ونحن نعتقد عموماً أن ابن رشد هو أكبر فيلسوف عقلاني في تاريخ الإسلام، ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق، فالفارابي هو الفيلسوف العقلاني الأول والأكبر في تاريخنا. يضاف إلى ذلك أنه كان منفتحاً على العقائد والأديان كافة، بالإضافة إلى الإسلام. وهنا يكمن اختلافه عن الفقهاء المنغلقين داخل مذاهبهم وطوائفهم. والواقع أن ميزته الأساسية تكمن هنا، وهي التي تميزه عن ابن رشد الذي ظل فقيهاً متشدداً في أعماقه، رغم ألمعيته وانفتاحه على الفلسفة اليونانية. فالفارابي -المسلم- كان منفتحاً على الأديان الأخرى، ولم يكن يكفر أتباعها، على عكس ابن رشد. وكان يعتقد بإمكانية وجود عدة أديان صحيحة فاضلة في العالم، لا ديناً واحداً. فالناس الطيبون المستقيمون أخلاقياً موجودون في كل الأديان والمجتمعات، وكذلك الناس السيئون المنحرفون. وقد يكون بعض أبناء ديننا أو جماعتنا من أحقر الناس. وبالتالي، فقد أعطانا الفارابي درساً في التسامح الديني والانفتاح الفكري قلّ نظيره. وليتنا نهتم بهذا الدرس الآن ونستعيده لكي نواجه به حركات التعصب والانغلاق. لقد أثبت الفارابي إمكانية المصالحة بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والدين. وقال لنا إننا إذا ما فهمنا الدين جيداً -أي بشكل عقلاني- فإن التعصب سوف ينتهي من المجتمع، ولن تعود هناك مشكلات بين الأديان والطوائف؛ هذا هو الدرس الأساسي الذي خلفه لنا الفارابي من خلال أعماله ومؤلفاته الفلسفية والسياسية الكثيرة. لقد قدم تفسيراً عقلانياً مستنيراً للدين الإسلامي. ومشى بذلك على خطى سلفه الكبير الكندي الذي كان فيلسوف العرب الأول الذي طالما هاجم المتاجرين بالدين.

مدينة الفارابي الفاضلة
كان الفارابي يعتقد أن الحقائق الفلسفية كونية؛ أي تنطبق على جميع البشر أياً تكن أديانهم ومذاهبهم، وذلك بخلاف الأديان التي لا تنطبق حقائقها إلا على أتباعها فقط. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية. فتعاليم الفلسفة العقلانية والمنطقية تنطبق على المسلم والمسيحي واليهودي دون أي تمييز لأن آلتها العقل، والعقل مشترك بين الناس، وليس محصوراً بأبناء طائفة واحدة أو دين واحد. وهذا الكلام يذكرنا بعبارة ديكارت الشهيرة: إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر. وبالتالي، فقد سبق الفارابي ديكارت إلى هذه الفكرة الأساسية. ولذلك نقول إن التنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون، بل ومهد له الطريق. ولكن هناك فرق بين من يشغل عقله ويطور العلوم والاكتشافات كافة، وآخر يلغي عقله ويستسلم للشعوذات والخرافات، كما حصل لنا في عصر الانحطاط، حيث انطفأت أنوار العالم الإسلامي كلياً. وعندئذ، ساد الشعار الشهير: من تمنطق فقد تزندق، أو كان يتفلسف لعنه الله... إلخ، بل لا يزال هذا الانحطاط سائداً حتى الآن في عصر الإخوان الدواعش وبقية الظلاميين. ولكن لحسن الحظ فهناك بقع ضوء كثيرة في أقطار هذه الأمة، والمصابيح ابتدأت تشتعل من جديد هنا أو هناك. والنهضة العربية آتية لا ريب فيها. أتوقف هنا لحظة لكي أشيد بالقرارات الأخيرة المتخذة في المملكة العربية السعودية لصالح تعليم الفلسفة والفكر النقدي، وكذلك ترسيخ قيم التسامح والتفاهم في الأوساط الطلابية والجامعية. ولهذا السبب سحبت وزارة التعليم من التداول كتب التطرف والتعصب لحسن البنا وسيد قطب والمودودي وبقية أقطاب الإخوان. من هنا نبدأ: أما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلمات. قلناها ألف مرة!
وأما فيما يخص الفكر السياسي، فيمكن أن نقول ما يلي: عندما نقرأ الأفكار والآراء الواردة في كتاب أفلاطون المعروف باسم الجمهورية، فإننا ندرك مدى تأثر الفارابي بها من خلال كتابه المشهور أيضاً: أراء أهل المدينة الفاضلة. والمدينة الفاضلة هي تلك التي يحكمها الفيلسوف العاقل تماماً، كما هو الحال في جمهورية أفلاطون. الفرق الوحيد بينهما هو أن الأولى مؤمنة، تجمع بين النبوة والوحي من جهة، وبين العقل والحكمة الفلسفية من جهة أخرى. أما الثانية فهي وثنية، وبالتالي ينقصها الإيمان بالله والتعالي الرباني. ولكن قوانين جمهورية أفلاطون يمكن أن تنطبق مع بعض التعديل على الجمهورية الإسلامية الفاضلة للفارابي.
هذا وقد تحدث الفارابي عن الدين الكوني بصفته مثلاً أعلى. وهو دين يتجاوز كل الأديان الخصوصية فيما يحتضنها ويستوعبها؛ إنه دين ينطبق على البشرية جمعاء كما ذكرنا سابقاً. وذلك لأنه يجمع بين النبوة والمنطق والحكمة الفلسفية في آن معاً. وبالتالي، فهو يشمل الإسلام والمسيحية واليهودية وبقية الأديان الأخرى. هكذا، نلاحظ أن فكر الفارابي يساعدنا على تجاوز حروب الأديان والمذاهب التي تهدد عالم اليوم. لقد سبق المفكر السويسري المعاصر هانز كونغ إلى الشعار الشهير: لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان. واسمحوا لي أن أشيد هنا أيضاً بـ«بيت العائلة الإبراهيمية» المقام في أبوظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة. وهو مشروع إيماني تنويري ضخم سوف يساهم في نشر فكرة التسامح وترسيخها في العالم العربي لأول مرة بهذا الشكل. وسوف يغير الصورة الداعشية السوداء التي شكلها العالم عنا مؤخراً، وشوهت وجهنا الأخلاقي والإنساني العريق: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» أو «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». أين راح كل ذلك؟ هل ذهب أدراج الرياح؟ مستحيل. ينبغي أن يعود. والسياسة التنويرية المتبعة حالياً في السعودية والإمارات والبحرين سوف تساهم في هذه العودة إلى جادة الصواب حتماً.
وأخيراً، يمكن القول إن كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» هو عبارة عن مساهمة كبرى في بلورة العلوم السياسية، بالإضافة إلى علم الاجتماع. وذلك قبل أن يظهر ابن خلدون بزمن طويل، هذا ناهيك من دوركهايم وماكس فيبر. ويمكن القول أيضاً إن الفارابي هو أول فيلسوف مسلم يولي للشؤون السياسية كل هذه الأهمية، ويدعو إلى تشكيل الحكومة المدنية الفاضلة، وعلى رأسها الحكيم الفيلسوف، وليس الولي الفقيه أو رجال الدين كما يزعمون. فللدين مجاله وللسياسة مجالها، ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة، كما تفعل حركات الإسلام السياسي أو المسيس حالياً. وهنا، نلاحظ مدى تأثره الواضح بأفلاطون كما ذكرنا. والمقصود بالحكومة الفاضلة هنا الحكم الرشيد في لغتنا الحالية.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.