تقرير اقتصادي يتوقع وصول النمو الاقتصادي الكلي للسعودية إلى 2.5 % خلال العام الحالي

«جدوى» للاستثمار: توقعات بحدوث نشاط قوي في المشاريع وزيادة في الطلب المحلي

التقرير يرى أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة («الشرق الأوسط»)
التقرير يرى أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة («الشرق الأوسط»)
TT

تقرير اقتصادي يتوقع وصول النمو الاقتصادي الكلي للسعودية إلى 2.5 % خلال العام الحالي

التقرير يرى أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة («الشرق الأوسط»)
التقرير يرى أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة («الشرق الأوسط»)

توقع تقرير اقتصادي أن يصل النمو الاقتصادي الكلي في السعودية إلى 2.5 في المائة خلال عام 2015، مع تراجع طفيف في إنتاج قطاع النفط، في حين سيشهد قطاع تكرير البترول نموا بنسبة 10 في المائة، إلى جانب نمو الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص غير النفطي بنسبة 5.3 في المائة مقارنة بـ7.2 في المائة كمتوسط للسنوات الخمس الأخيرة. وأوضح التقرير الصادر من شركة «جدوى» للاستثمار أن حدوث نشاط قوي في المشاريع وزيادة في الطلب المحلي عام 2015 سيدعمان تحقيق نمو قوي في قطاع البتروكيماويات. كما توقع التقرير أن يحافظ قطاع البناء والتشييد في السعودية على وضعه كأحد القطاعات الأكثر نمواً في الاقتصاد، بمعدل نمو سنوي 6.6 في المائة عام 2015.
في الوقت الذي يرى التقرير أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة التي تطبقها حتى تستطيع الإبقاء على سعر ثابت لصرف عملتها (الريال)، المربوط بالدولار، أما مستوى التضخم؛ فقد توقع التقرير أن يبقى عند مستوى 2.6 في المائة عام 2015.
ونوه التقرير الصادر عن شركة «جدوى» للاستثمار إلى أن قطاع تكرير البترول سيشهد نموا بنسبة 10 في المائة في المملكة، مما يجعله أسرع القطاعات نموا في المملكة عام 2015، حيث من المتوقع أن يستفيد القطاع من بدء تشغيل مصفاة «ياسريف»، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 400 ألف برميل يوميا، وهي مشروع مشترك بين «أرامكو» السعودية وشركة ساينوبيك الصينية. هذا الإنتاج سيضاف إلى مصفاة الجبيل التي تبلغ طاقتها 400 ألف برميل يوميا، وهي مشروع مشترك بين «أرامكو» السعودية وشركة «توتال»، والتي بدأت التشغيل الكامل عام 2014. كلا هاتين الزيادتين ستعملان على تلبية الطلب المحلي، لكنهما في نفس الوقت ستزيدان من حصة المملكة في التجارة العالمية في المنتجات عالية القيمة من خلال الصادرات.
ويشير التقرير إلى أن الاقتصاد السعودي سيبقى معتمدا بدرجة كبيرة على سياسة التوسع المالي، إذ من المتوقع أن يعادل إجمالي الإنفاق الحكومي نحو 36.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط عند 31.9 في المائة للسنوات العشر الأخيرة.
وخفض الإنفاق الرأسمالي من قِبل الحكومة الذي قدر بـ35 في المائة إلى 185 مليار ريال لعام 2015، يشكل تأثيرات نفسية مهمة على أداء القطاع الخاص، وذلك في ظل التركيز على دفع عجلة النمو الاقتصادي: «ورغم أن هذه هي المرة الأولى منذ عام 2002 التي تقوم فيها الحكومة بخفض اعتماداتها للإنفاق الاستثماري، إلا أن هذا الأمر كان متوقعاً في ظل النمو السريع لهذا النوع من الإنفاق الذي بلغ متوسط نموه خلال السنوات العشر الماضية 25 في المائة في السنة. ومع ذلك، يفوق هذا الإنفاق الاستثماري المقرر في الميزانية مستواه قبل 5 سنوات بنسبة 36 في المائة».
وتوقع التقرير أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص غير النفطي بنسبة 5.3 في المائة مقارنة بـ7.2 في المائة كمتوسط للسنوات الخمس الأخيرة، ويشير التقرير إلى أن القطاع الخاص بقي في حالة توسع ونمو. ويؤكد ذلك أن نشاط البناء بدأ يعود إلى وضعه الطبيعي في أعقاب التقلبات الكبيرة التي نجمت عن التغييرات الأخيرة في سوق العمل. وكذلك سجلت مؤشرات الإنفاق الاستهلاكي والسحوبات النقدية من أجهزة الصراف الآلي مستويات نمو قوية خلال العام المالي 2014، وتشير بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) إلى أن القروض المصرفية ارتفعت بشدة خلال العام الماضي، حيث بلغ صافي القروض المصدرة من بداية العام وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 137.5 مليار ريال، بزيادة 13 مليار ريال عن مستواها في نفس الفترة من العام الماضي.
ورغم توقع التقرير أن يتباطأ النمو في قطاع الصناعة غير النفطية قليلا عام 2015، إلا أنه سيبقى قويا، خصوصا في أعقاب نموه بنسبة 6.3 في المائة و6.5 في المائة عامي 2013 و2014 على التوالي، رغم احتمالات أن يأتي النمو أقل من التقديرات نتيجة للانتعاش التدريجي في الاقتصاد العالمي، يرى التقرير أن حدوث نشاط قوي في المشاريع وزيادة في الطلب المحلي عام 2015 سيدعمان تحقيق نمو قوي في هذا القطاع. يتوقع دخول عدد من المشاريع الصناعية مرحلة التشغيل خلال عام 2015، على رأسها مجمع صدارة للبتروكيماويات الذي تبلغ تكلفته 20 مليار دولار، حيث سوف يساهم المجمع المكون من 26 وحدة تصنيع في نمو الصناعة في هذا القطاع عام 2015، وذلك بطاقته الإنتاجية القصوى التي من المتوقع أن تصل ذروتها في منتصف عام 2016 بنحو 3 ملايين طن في العام من مختلف أنواع البتروكيماويات.
كما جاءت موافقة مجلس الوزراء السعودي على تأسيس شركة الاستثمارات الصناعية السعودية برأسمال قدره 2 مليار ريال لتعمل على تنفيذ برنامج استثماري تبلغ قيمته 7.5 مليار ريال خلال الخمس سنوات المقبلة، يستهدف الصناعات التحويلية التي تعتمد على المنتجات المصنعة غير النفطية تشمل البتروكيماويات والبلاستيك والحديد، وهو تطور آخر مهم يراه التقرير سيدعم نمو هذا القطاع خلال العام المالي 2015، يذكر أن نمو صادرات البتروكيماويات خلال الفترة من بداية عام 2014، وحتى أكتوبر (تشرين الأول) منه جاءت أقل بنسبة 3.7 في المائة من مستواها في نفس الفترة من العام السابق.
وحول إعادة تصنيف نمو الناتج المحلي الإجمالي الفعلي وأثر التغييرات الأخيرة التي أعلنتها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، أشار التقرير إلى دورها في جعل قطاع النفط يحصل على حصة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي الشامل، بينما تم خفض حصص معظم القطاعات الأخرى. ويرى التقرير أن فتح قطاع التشييد أمام الشركات الأجنبية عام 2015 سيخفف بدرجة كبيرة الضغط على المقاولين المحليين، خصوصا وأن عددا كبيرا من المشاريع ستتم ترسيته خلال العامين المقبلين وبسبب طبيعة القطاع كونه من القطاعات ذات الكثافة العمالية المرتفعة وخصوصا اعتماده الكبير على العمالة الأجنبية، فقد ظهر تأثير الإصلاحات الأخيرة في سوق العمل على أدائه عام 2014.
وتشير شركة «جدوى» للاستثمار أن القطاع قادر على التكيف على الأرجح مع هذه التغييرات الجديدة في عام 2015، وهو الأمر ذاته في قطاع تجارة الجملة والتجزئة الذي يعتمد بشدة على العمالة، حيث تباطأ النمو في القطاع قليلاً إلى 6 في المائة عام 2014 مقارنة بنسبة نمو 6.6 في المائة عام 2013، وأدى إحلال العمالة الأجنبية بعمالة سعودية أعلى تكلفة إلى تراجع مستوى النمو، ويرى التقرير أن تأثير تلك التغييرات في سوق العمل سيبقى مؤقتا، وسيظل القطاع يستفيد من المعطيات القوية للاقتصاد المحلي.
وبين التقرير أن معدل البطالة الشامل، حسب مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، تراجع بدرجة طفيفة من 12 في المائة في النصف الأول لعام 2013 إلى 11.8 في المائة في النصف الأول لعام 2014، فيما بقي معدل البطالة بين الشباب (20 - 29 سنة) دون تغيير عند نسبة 27.8 في المائة.
وفي ظل الضبابية التي لا تزال تخيم على الملامح المستقبلية لأسواق النفط العالمية، يرى التقرير أن تمويل مثل هذا العجز لا يمثل مشكلة، حيث يمكن للسعودية تمويله بسهولة باستخدام احتياطيها من الموجودات الأجنبية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة؛ ويعني ذلك، قدرة المملكة على المضي قدماً في تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية، كالبنيات التحتية الرئيسية التي تشمل النقل والإسكان والنفط والطاقة والمياه، وكذلك دعم القطاع الخاص في حال حاجته للمساندة.
ورغم أن التقرير حذر من الحالة المزاجية السلبية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط والتي قد تؤدي إلى الحد من مستوى نمو الاستهلاك المحلي، إلا أنه اعتبر استمرار الحكومة في سياستها التوسعية في الإنفاق - تأكدت من خلال الميزانية المقدرة لعام 2015 – صمام أمان سيبقي النشاط الاقتصادي قوياً، وبالتالي تحافظ المنتجات المستوردة على نمو إيجابي.
ووفقا للتقرير سيؤدي العجز المحتمل حدوثه في الميزانية إلى إبطاء معظم المؤشرات النقدية، كما سيلعب التأثير النفسي للعجز وكذلك تقييد الإنفاق دورا في التباطؤ المتوقع. بالإضافة إلى التطورات المالية، يتوقع رفع أسعار الفائدة عام 2015 في أعقاب إنهاء سياسة التيسير الكمي التي اعتمدها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لفترة طويلة بدأت منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2008، وهنا يرى التقرير أن الحاجة في السعودية تقتضي عكس تلك التغيرات في السياسة النقدية الأميركية، لذا، سيتحتم على «ساما» رفع أسعار الفائدة لديها في وقت ما خلال النصف الثاني من عام 2015.
واعتبر التقرير أن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى قيام السعودية بتعديل أسعار الفائدة التي تطبقها حتى تستطيع الإبقاء على سعر ثابت لصرف عملتها الريال المربوط بالدولار، ومن المتوقع ألا يكون الارتفاع في أسعار الفائدة السعودية أعلى من الفرق الحالي بينها وبين أسعار الفائدة الأميركية، خصوصا بسبب انخفاض أسعار النفط في عام 2015 وهو انخفاض يرجح أن يؤثر على الاقتصاد المحلي نفسه.
وبالنسبة للتضخم، أشار التقرير إلى أنه نتيجة لضعف انتعاش الاقتصاد العالمي وتراجع تكاليف الاستيراد بسبب قوة الدولار الأميركي، فمن المؤكد أن احتمالات حدوث تضخم مستورد في المملكة ضعيفة جدا، بل قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة المرتقب إلى الضغط على الأسعار تجاه الأسفل، مبقيا على مستوى التضخم في المملكة عند 2.6 في المائة عام 2015، من المؤكد أن احتمالات حدوث تضخم مستورد في المملكة ضعيفة جدا.



انخفاض صافي أرباح «صافولا» السعودية 91 % خلال 2025

مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

انخفاض صافي أرباح «صافولا» السعودية 91 % خلال 2025

مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

تراجع صافي أرباح «مجموعة صافولا»، إحدى المجموعات الصناعية الكبرى في السعودية، خلال عام 2025 بنسبة 91 في المائة ليصل إلى 874.5 مليون ريال (232.6 مليون دولار)، مقارنة مع 9.97 مليار ريال (2.6 مليار دولار) في عام 2024، وفق بيان الشركة على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول).

وأوضحت الشركة أن الانخفاض يعود بشكل رئيس إلى تسجيل عدة بنود غير متكررة في عام 2024، إضافة إلى تباين الأداء بين قطاعات المجموعة.

ومن أبرز أسباب التراجع عدم تسجيل أرباح غير متكررة خلال 2025، كانت قد تحققت في عام 2024 نتيجة توزيع كامل حصة المجموعة في شركة «المراعي» البالغة 34.52 في المائة على مساهمي «صافولا»، بقيمة 11.3 مليار ريال بعد خصم الزكاة البالغة 288 مليون ريال.

كما انخفضت حصة المجموعة من نتائج الشركات الزميلة، لعدم وجود أرباح من استثمارها السابق في «المراعي»، والذي سبق توزيعه على المساهمين بقيمة 782 مليون ريال خلال 2024.

وتراجعت ربحية قطاع التجزئة من 154 مليون ريال إلى 115 مليون ريال، نتيجة ارتفاع المصروفات التشغيلية المرتبطة بافتتاح متاجر جديدة والاستثمار في برنامج تحسين تجربة العملاء، إضافة إلى عدم وجود عكس لمخصص غير متكرر للذمم المدينة المتقادمة بقيمة 16 مليون ريال تم تسجيله في 2024.

كذلك ارتفعت المصروفات التشغيلية نتيجة توحيد القوائم المالية لـ«الشركة المصرية المتحدة للسكر» في 2025 بعد أن كانت تعالج محاسبياً بوصفها شركة زميلة في 2024.

في المقابل، ساهمت عدة عوامل في دعم ربحية المجموعة خلال 2025، أبرزها تحسن أداء قطاع تصنيع الأغذية الذي سجل صافي ربح قدره 481 مليون ريال، مقارنة بصافي خسارة بلغ 1.6 مليار ريال في 2024، وذلك نتيجة عدم تسجيل عدد من الخسائر غير المتكررة التي تم الاعتراف بها في العام السابق، إلى جانب تحقيق مكسب قدره 34 مليون ريال من التخارج من الأعمال في تركيا.

كما تحسن أداء قطاع الأغذية المجمدة مسجلاً صافي ربح قدره 46 مليون ريال في 2025 مقابل خسارة قدرها 33 مليون ريال في 2024، في حين انخفضت خسائر قطاع خدمات الأغذية من 117 مليون ريال إلى 77 مليون ريال.

وساهم عكس مخصصات الزكاة للأعوام السابقة بقيمة 247 مليون ريال، وانخفاض مصروف ضريبة الدخل، وارتفاع الإيرادات التشغيلية الأخرى نتيجة عكس مخصصات لم تعد مطلوبة بقيمة 53 مليون ريال، إضافة إلى ارتفاع الإيرادات التمويلية نتيجة مكسب غير متكرر بلغ 40 مليون ريال من تسوية التزام خيار البيع، في دعم نتائج الشركة.

كما تراجعت تكاليف التمويل نتيجة عدم تسجيل أعباء مالية مرتبطة بديون تمت تسويتها في 2024 بقيمة 334 مليون ريال، وعدم وجود مصروف إضافي بقيمة 20 مليون ريال مرتبط بإعادة شراء وإلغاء صكوك الشركة البالغة قيمتها مليار ريال، إضافة إلى عدم تسجيل أثر انخفاض قيمة الجنيه المصري الذي بلغ 109 ملايين ريال خلال الربع الأول من 2024.

وأشارت الشركة إلى أنه بعد استبعاد البنود غير المتكررة والاستثنائية، بلغ صافي الربح المعدل للمجموعة 539 مليون ريال في عام 2025 مقارنة مع 296 مليون ريال في عام 2024، بما يعكس تحسن الأداء التشغيلي الأساسي للمجموعة.


الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
TT

الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)

يواجه الاقتصاد الأميركي «فجوة توقيت» حرجة تضع صناع السياسة النقدية في مأزق؛ إذ تترقب الأسواق هذا الأسبوع تقارير اقتصادية تعكس مشهداً يعود إلى ما قبل اندلاع الحرب في إيران، في وقت تشتعل فيه أسعار الطاقة على أرض الواقع. وتتجلى حدة هذه الأزمة في التباين الصارخ بين بيانات يناير (كانون الثاني) التي تشير إلى تضخم عنيد، وبيانات فبراير (شباط) التي توحي بتباطؤ مرتقب، مما يخلق ارتباكاً حول أي من هذه القراءات يعبر فعلياً عن صحة الاقتصاد. وتتضاعف هذه الحيرة مع اندلاع الصراع الجيوسياسي الذي جعل أرقام فبراير - رغم أنها الأحدث - تبدو وكأنها تنتمي لزمن مختلف، بينما تهدد صدمة إمدادات النفط الحالية بإعادة إشعال التضخم في مارس (آذار) قبل أن يتمكَّن «الاحتياطي الفيدرالي» من استيعاب البيانات السابقة.

ويأتي هذا الترقب في أعقاب تقرير وظائف «مخيب للآمال» لشهر فبراير، حيث فقد الاقتصاد الأميركي بشكل مفاجئ 92 ألف وظيفة، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة. هذا التدهور في سوق العمل يضرب التصورات السابقة باستقرار التوظيف، ويضع صنّاع القرار في حيرة بين معالجة الركود المحتمل وبين كبح جماح التضخم الذي دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين المطلق نتيجة العمليات العسكرية الجارية وتوقف الإنتاج في عدد من مصافي النفط الإقليمية.

شخص يقود دراجة نارية صغيرة بينما يتصاعد الدخان في منطقة صناعة النفط بالفجيرة (رويترز)

فجوة البيانات

ومن المنتظر أن يكشف تقرير مؤشر أسعار المستهلكين، المقرر صدوره يوم الأربعاء، عن صورة «مخادعة» للاستقرار؛ حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم الأساسي بنسبة 0.2 في المائة فقط لشهر فبراير، وهو ما قد يوحي بانحسار ضغوط الأسعار قبل اندلاع الشرارة الأولى للحرب. ومع ذلك، تشير التحليلات العميقة لـ«بلومبرغ» و«المصرف الملكي الكندي» إلى وجود فجوة نادرة بين مؤشرات التضخم؛ فبينما يظهر مؤشر أسعار المستهلكين هدوءاً، يتوقع أن يظهر مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي (PCE) -المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي- يوم الجمعة، «عناداً» واضحاً في قراءات يناير بنسبة ارتفاع تصل إلى 0.4 في المائة، ليظل المعدل السنوي ثابتاً عند 3 في المائة. ويعزو المحللون هذا التباين إلى ثغرات إحصائية وتوقعات ببيانات مفقودة تتعلق بقطاع الإسكان، مما يجعل الأسواق في حالة ارتباك حول أي المؤشرين يعكس الحقيقة الاقتصادية الراهنة.

وفي هذا السياق، يرى خبراء «بلومبرغ» أن تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر فبراير سيكون المحفز المقبل لرهانات السوق على معدل الفائدة الفيدرالية، خصوصاً بعد أرقام الرواتب الكارثية للشهر نفسه. ويشيرون إلى مفارقة فنية؛ فبينما يُتوقع أن يأتي مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي «ساخناً» لشهر يناير، فإن الأسواق قد تعمد إلى تجاهل أو استبعاد هذه القراءة المرتفعة لصالح بيانات التضخم في فبراير الأكثر حداثة، إذا ما جاءت الأخيرة فاترة وباهتة كما هو متوقع، مما يعزز التكهنات بأن التضخم كان يسير فعلياً نحو الهبوط قبل حدوث الصدمة الجيوسياسية.

عامل يُشغّل صمامات في حقل الرميلة النفطي بالعراق (رويترز)

صدمة الوقود... وتقليص القدرة الشرائية

وعلى صعيد قطاع الطاقة، فإنَّ صدمة الحرب بدأت بالفعل في رسم خريطة تضخمية مغايرة لشهر مارس. فبينما بقيت بيانات فبراير بمنأى عن آثار النزاع، تسببت العمليات العسكرية في قفزة هائلة في أسعار وقود السيارات، حيث سجلت أسعار التجزئة واحدة من أكبر الزيادات الأسبوعية منذ إعصار «كاترينا» عام 2005. ويحذر المصرف الملكي الكندي في تقرير له من أن بقاء أسعار النفط عند مستويات 100 دولار للبرميل سيبقي التضخم فوق مستوى 3 في المائة طوال عام 2026. هذه القفزة ستؤدي حتماً إلى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين، حيث يجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ أكبر في محطات الوقود، مما يقلل من قدرتهم على الإنفاق الاختياري ويضغط بشكل مباشر على مبيعات التجزئة الحقيقية، رغم أن القيم الاسمية للمبيعات قد تبدو مرتفعة بسبب زيادة الأسعار.

من جهته، يرى بنك «باركليز» أن وصول سعر النفط إلى عتبة 100 دولار للبرميل سيكون «تضخمياً بلا شك» على المستوى العام. ويوضح البنك أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10 في المائة في أسعار الخام تضيف نحو 0.2 نقطة مئوية إلى مؤشر أسعار المستهلكين خلال شهرين، مدفوعة بشكل أساسي بأسعار البنزين. ويحذر من أن بقاء النفط قرب 100 دولار لفترة طويلة قد يدفع التضخم الإجمالي للاقتراب من 3 في المائة بحلول نهاية 2026، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» إذا بدأت توقعات التضخم في الارتفاع.

ضخة بنزين تُركّب داخل سيارة في محطة وقود «موبيل» بشارع بيفرلي بوليفارد في ويست هوليوود (رويترز)

ضغوط هيكلية... وعدوى الأسعار

وفي الوقت ذاته، تبرز ضغوط هيكلية مقلقة في مؤشر أسعار المنتجين، حيث سجَّلت القراءات الأخيرة قفزات متتالية بلغت 0.6 في المائة و0.8 في المائة في شهرَي ديسمبر (كانون الأول) ويناير. وتعكس هذه الأرقام محاولات تجار الجملة لتمرير تكاليف التعريفات الجمركية المرتفعة إلى بائعي التجزئة للحفاظ على هوامش أرباحهم. ورغم صدور أمر قضائي مؤخراً يتطلب من الإدارة الأميركية رد أكثر من 130 مليار دولار من التعريفات الجمركية العالمية للمستوردين، فإن الخبراء يستبعدون أن يترجم ذلك إلى تخفيف تضخمي فوري؛ فالشركات التي طبَّقت زيادات سعرية بالفعل من غير المرجح أن تتراجع عنها في ظلِّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي، مما يعني أن عدوى الأسعار ستستمر في الانتقال إلى المستهلك النهائي ببطء ولكن بثبات.

واجهة مبنى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

مأزق «الاحتياطي الفيدرالي»

أما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه في مأزق «فترة التعتيم الإعلامي» قبيل اجتماع 17 - 18 مارس. ومع بقاء التضخم السنوي فوق مستهدفه بنسبة 2 في المائة في المائة، يتوقَّع المحللون إبقاء معدلات الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة. فمن جهة، يضغط ضعف سوق العمل والتباطؤ في خلق الوظائف نحو خفض الفائدة، ومن جهة أخرى، تجبر صدمة الطاقة والارتفاع المرتقب في تضخم مارس البنك المركزي على التمسك بموقفه المتشدد. كما يراقب «الاحتياطي الفيدرالي» بيانات الدخل المتاح للإنفاق، حيث إن نمو الأجور بنسبة 0.6 في المائة المتوقع في يناير قد يوفِّر بعض الدعم للمستهلكين، لكنه قد يغذي أيضاً دوامة الأجور والأسعار التي يسعى البنك لتجنبها.

وبعيداً عن أرقام التضخم، تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى بيانات فرص العمل لشهر يناير، والتي ستكشف عن مستوى الطلب الحقيقي على العمالة ومدى صمود الشركات. وفي اليوم نفسه، سيقدم استطلاع جامعة ميشيغان الأولي لشهر مارس نظرةً طازجةً ومباشرةً حول كيفية رؤية الأميركيين لأثر الصراع في إيران على ميزانياتهم الخاصة. وسيكون هذا الاستطلاع بمثابة «مقياس حرارة» لمشاعر المستهلكين تجاه تضخم مارس المتصاعد، وتحديثاً مهماً لمواقفهم بشأن سوق العمل وتوقعات التضخم في ظل الحرب الجارية.

وعلى الصعيد العالمي، تمتد تداعيات الصراع في إيران لتشمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة؛ ففي أوروبا، تراقب ألمانيا وفرنسا أثر الأزمة على قطاعاتهما الصناعية، خصوصاً بعد تحسن طفيف شهدته ألمانيا في نهاية 2025 بفضل الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية.

وفي آسيا، تواجه دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند تهديداً مزدوجاً، حيث يؤدي ارتفاع أسعار المستوردات النفطية إلى الضغط على النمو وتعقيد مهمة البنوك المركزية هناك. إن البيانات الاقتصادية التي ستصدر هذا الأسبوع، من الناتج المحلي لليابان إلى التضخم في الهند، ستكون جميعها تحت مجهر الصراع في الشرق الأوسط، مما يؤكد أن الاقتصاد العالمي لعام 2026 بات اليوم محكوماً بالميدان أكثر من لغة الأرقام الصرفة.


«أرامكو» تقود صعود السوق السعودية مع مكاسب سوقية تقارب 78 مليار دولار

مستثمر يتابع تحركات الأسهم السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم السعودية (أ.ف.ب)
TT

«أرامكو» تقود صعود السوق السعودية مع مكاسب سوقية تقارب 78 مليار دولار

مستثمر يتابع تحركات الأسهم السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم السعودية (أ.ف.ب)

قفزت سوق الأسهم السعودية بأكثر من 2 في المائة في مستهل تعاملات اليوم الأحد، مع ارتفاع غالبية الأسهم المدرجة، بقيادة شركات الطاقة والبتروكيميائيات، وسط تفاؤل بشأن آفاق تلك الشركات بعد صعود أسعار النفط إلى ما فوق 90 دولاراً للبرميل، وذلك مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، وتعطل مضيق هرمز.

واقترب المؤشر العام «تاسي» من مستوى 11 ألف نقطة، بدعم من صعود سهم «أرامكو السعودية»، أكبر شركة مدرجة من حيث القيمة السوقية، بنحو 4 في المائة في أكبر وتيرة صعود يومية منذ أبريل (نيسان) 2023، ليحقق السهم مكاسب سوقية تقارب 294 مليار ريال (نحو 78.4 مليار دولار).

كما ارتفع سهم «الشركة السعودية للصناعات الأساسية» (سابك)، أكبر شركة بتروكيميائيات في المملكة، بنحو 2.8 في المائة. في حين قفز سهم شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات» (بترورابغ) مقترباً من الحد الأقصى المسموح به للارتفاع والبالغ 10 في المائة.

وكذلك صعدت مؤشرات قطاعات البنوك والنقل والاتصالات بأكثر من 1.5 في المائة.