المغرب يعد ما قامت به «البوليساريو» في الكركرات «هروباً إلى الأمام»

تحركات دبلوماسية موريتانية لنزع فتيل الأزمة في المنطقة

TT

المغرب يعد ما قامت به «البوليساريو» في الكركرات «هروباً إلى الأمام»

قال مصدر مغربي مطلع على ملف قضية الصحراء، إن المغرب يظل «متشبثا باحترام الشرعية الدولية، لكنه سيظل ثابتا على مواقفه، ولن يرضخ للمزايدات والاستفزازات من الأطراف الأخرى، التي تسعى إلى جر المنطقة إلى دوامة من عدم الاستقرار»، مشيرا إلى أن جبهة البوليساريو، التي تدعو إلى انفصال الصحراء عن المغرب، والمدعومة من الجزائر، تلجأ من خلال تحركاتها في معبر الكركرات الحدودي إلى «الهروب إلى الأمام»، في مواجهة قرار مجلس الأمن الأخير الذي جاء ليعزز المقاربة المغربية بشأن قضية وحدته الترابية (الصحراء).
وأوضح المصدر ذاته أن هذا الهروب إلى الأمام من قبل «البوليساريو»، يأتي ردا على قرار مجلس الأمن رقم 2548. المعتمد في 30 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والذي أبان من خلاله المجلس عن وضوح وثبات في الوقت ذاته. مشيرا إلى أن مجلس الأمن كان واضحا أيضا في تعريفه للحل السياسي، الذي ينبغي أن يكون «واقعيا وبراغماتيا، ومستداما، وقائما على التوافق»، وكذا للمسلسل الحصري الذي يجب أن يفضي إليه، وهو مسلسل الموائد المستديرة بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا و«البوليساريو»، المطالبين بمواصلة الالتزام بروح من الواقعية والتوافق طوال مدته، وبشكل يحقق الغاية منه.
وأضاف المصدر أن مجلس الأمن برهن أيضا عن ثبات في دعمه للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي وصفها بالمبادرة «الجادة وذات مصداقية». وذكر بأن «الجبهة الانفصالية تسعى من خلال تحركاتها إلى التهرب من ضغط الاحتجاجات المتزايدة بمخيمات تندوف، حيث لا تعول في بقائها سوى على قمع شرس يسهله البلد المضيف، الذي فوض لها السلطة على مخيمات تندوف في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي».
وأبرز المصدر ذاته أن «الأمر يتعلق بحركة تحتضر وتفتقد لأي شرعية»، ملاحظا أن حركة بديلة، وهي «حركة صحراويون من أجل السلام»، ما فتئت «تشكك فيما يسمى بتمثيلية (البوليساريو) المزعومة». ولفت أيضا إلى أن الأمر يتعلق أيضا «بهروب إلى الأمام في مواجهة واقع ثابت، ألا وهو مغربية الصحراء على أرض الواقع، مع استثمارات ضخمة في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، وافتتاح قنصليات عامة لـ16 بلدا أفريقيا وعربيا في الصحراء».
وشدد المصدر على أن افتتاح هذه التمثيليات الدبلوماسية «يشكل تأكيدا لا لبس فيه على مغربية الصحراء»، مشيرا إلى أن بلدانا أخرى ستنضم إلى هذه الدينامية، من خلال فتح قنصليات عامة لها في الصحراء المغربية. كما أوضح المصدر ذاته أن المغرب سيمضي قدما على المسار، الذي رسمه الملك محمد السادس فيما يتعلق بقضية وحدة ترابه. وخلص إلى أن مجلس الأمن، ومن خلاله المجتمع الدولي، «يظلان شاهدين على الأفعال الخطيرة جدا التي تقترفها جبهة البوليساريو بدعم من الجزائر، والتي تستهدف زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، ونسف كل جهود الأمم المتحدة المبذولة من قبل أمينها العام، والرامية إلى تحقيق حل سياسي واقعي وعملي ودائم، قائم على التوافق بشأن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية».
وبرزت أزمة معبر الكركرات الحدودي بين المغرب وموريتانيا، والواقع بالمنطقة العازلة في الصحراء، عندما أغلقت عناصر محسوبة على «البوليساريو» في 21 من أكتوبر الماضي المعبر، الذي يعد الشريان الأساسي في حركة التبادل التجاري بين المغرب وموريتانيا، ومن خلالها إلى أفريقيا الغربية.
وحذر المغرب مرارا من تداعيات عرقلة جبهة البوليساريو حركة النقل المدنية والتجارية في معبر «الكركرات»، فيما أعلنت نواكشوط أنها تعمل على حل الأزمة بأسرع وقت، وأقل كلفة.
وشكلت تحركات «البوليساريو» في الكركرات تحديا صريحا للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي دعا إلى الحفاظ على حرية التنقل المدني والتجاري في الكركرات. لكن انفصاليي جبهة البوليساريو لم يكتفوا بتخريب الطريق الرابطة بين المركزين الحدوديين المغربي والموريتاني، بل عمدوا إلى استفزاز أفراد القوات المسلحة الملكية المغربية المرابطة في المنطقة. بينما أبان المغرب عن ضبط نفس قوي، رغم استفزازات الجبهة الانفصالية.
بيد أن صبر الرباط والتزامها ضبط النفس لا يمكنه أن يستمر إلى ما لا نهاية، وبالتالي فإن الوضع في المنطقة يوجد على كف عفريت، خاصة أن جبهة البوليساريو هددت بإنهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع الرباط عام 1991. إذا «أدخلت» الرباط عسكريين أو مدنيين إلى منطقة الكركرات، وقالت إنها ستعد ذلك «عدواناً صارخاً، سيكون على الطرف الصحراوي أن يرد عليه بكل حزم، دفاعاً عن النفس وعن السيادة الوطنية، وهو ما سيعني أيضاً نهاية اتفاق وقف إطلاق النار، وفتح الباب أمام اشتعال فتيل حرب جديدة في كامل المنطقة». في حين عبرت الرباط مرارا أنها لن تقبل بتغيير وضع المنطقة.
وقال المتحدث باسم الحكومة الموريتانية، سيدي ولد سالم، الليلة قبل الماضية، إن الأزمة في الكركرات تتعلق بمنطقة منزوعة السلاح، ونزاع قديم «لسنا طرفا فيه... لكننا طبعا معنيين به بوصفنا جيرانا للأطراف، وستعمل الدبلوماسية الموريتانية على حل المشكلة في أسرع وقت، وبأقل كلفة للمنطقة».
في سياق ذلك، أجرى وزير الخارجية الموريتاني، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، مساء الأربعاء، اتصالا مع الأمين العام للأمم المتحدة، بحث فيه «الأوضاع المتوترة في الكركرات، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الموريتانية. وطلب غوتيريش من موريتانيا أن تلعب «دورها الإيجابي والمعترف به من كل الأطراف لحلحلة الأزمة»، فيما قال ولد الشيخ أحمد إن هذه الجهود قائمة بكثافة منذ أيام، بحسب الوكالة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن وزير خارجية موريتانيا أجرى اتصالا هاتفيا حول الموضوع مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، كما أجرى اتصالات مع نظرائه في بعض الدول الغربية ذات الصلة بنزاع الصحراء.
من جهتها، قالت مصادر موريتانية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» إن أطرافا مناوئة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني صبت النار على الزيت، من خلال قيامها بتمويل عناصر «البوليساريو» المحتجين في الكركرات، التي تشكل منفذا مزدوجا لتصريف التجارة بين المغرب وموريتانيا. مع العلم أن موريتانيا منعت مؤخرا بيع المساعدات الدولية الموجهة للاجئين الصحراويين بمخيمات البوليساريو في تندوف (غرب الجزائر) فوق الأراضي الموريتانية، وبالتالي فإن أحداث الكركرات، تقول المصادر ذاتها، تروم ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول إيجاد متنفس خارجي للجزائر جراء أزمتها الداخلية، والثاني يكمن في رد الصاع صاعين للعهد الجديد في موريتانيا، الذي تجرأ على عدم السماح ببيع المساعدات الدولية فوق أراضيه.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.