«الكاتبة» كامالا هاريس... تروي رحلة حياتها بنفسها

الوجه الآخر لنائبة الرئيس المنتخب

«الكاتبة» كامالا هاريس... تروي رحلة حياتها بنفسها
TT

«الكاتبة» كامالا هاريس... تروي رحلة حياتها بنفسها

«الكاتبة» كامالا هاريس... تروي رحلة حياتها بنفسها

بعد انتخابها نائبة لرئيس الولايات المتحدة الجديد، قفزت مبيعات كل الكتب التي ألفتها كمالا هاريس أو تلك التي تدور حولها. وأربعة من أكثر عشرة كتب مبيعا على موقع أمازون أمس الأحد كانت إما من تأليفها أو عن حياتها. والكتب تشمل كتابا ألفته للأطفال ويحمل عنوان «أبطال خارقون في كل مكان»، ومذكراتها باسم «الحقائق التي نحتفظ بها: رحلة أميركية» وكتاب للأطفال من تأليف ابنة أختها مينا هاريس بعنوان «فكرة كمالا ومايا الكبيرة» وكتاب نيكي غرايمز المصور: «كامالا هاريس: راسخة في العدل».
الجانب الآخر الذي يستشف عن هاريس من قراءة كتابيها هو تلك الأجواء العالمية الطابع التي نشأت فيها، وأهلتها لتكون مواطنة عالمية بامتياز عندما ترشحت السيناتورة كامالا هاريس (56 عاماً) للانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2020 عن الحزب الديمقراطي لم يكن يُعرف عنها الكثير خارج أوساط الدوائر القانونية والسياسيين الليبراليين سوى أنها كانت مدعياً عاماً لولاية كاليفورنيا على الساحل الغربي للبلاد (مع أنها كانت أول أميركية من أصل هندي، وثاني امرأة «ملونة»، تشغل منصب سيناتور في مجلس الشيوخ الأميركي، الذي يبلغ عدد أعضائه 100 شخص). صورة المدعي العام كانت ربما كافية للناخب الأميركي في مرحلة الترشيحات الأولية لحظة تنافس عديدين من نجوم «الديمقراطي» على بطاقة الترشح، بينهم عدة نساء بارزات، وإحداهن قائدة عسكرية سابقة في الجيش الأميركي، هذا سوى المخضرم جوزيف بايدن الذي كان نائباً للرئيس في عهد باراك أوباما. ولم تتمكن هاريس من الفوز بثقة جمهور الحزب لخوض السباق باسمه، ورضيت - حينها - من الهزيمة بالإياب. لكن كل شيء تغير دون مقدمات عندما استدعاها بايدن، لتكون رفيقته في المنازلة الرئيسية ضد دونالد ترمب – الرئيس الأميركي ومرشح الحزب الجمهوري – كمرشحة لمنصب نائب الرئيس. فبغير أجواء الاستقطاب الشديد بين الناخبين، وانخراط جمهور أوسع من المعتاد في الجدالات السياسية، فإن ترشيح سيدة قانون قديرة لهذا المنصب، ومن خلفية عرقية أقلوية كيفما قرأتها (والدها أستاذ اقتصاد من جامايكا، ووالدتها هندية تاميلية كانت باحثة في علوم السرطان بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، وزوجها يهودي، وعاشت شطراً من طفولتها في كندا) كان بمثابة دعوة للجمهور الأميركي للتعرف على تلك الشخصية الفذة التي إن فاز فريقها في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) قد تصبح رئيستهم حال غياب الرئيس.
بالطبع تعرضت هاريس لكثير من التعنيف اللفظي من قبل الطرف الآخر. وترددت بحقها اتهامات في وسائل التواصل الاجتماعي وأبواق الجمهوريين، تركزت على كل شيء سوى كفاءتها، فهي «ليست سوداء بما فيه الكفاية»، «طموحة لدرجة خطرة»، «بذيئة اللسان، ولا يرغب المرء بالتورط معها بنقاش»، و«متسلطة»، و«كيف تكون أميركية وقد قضت طفولتها في كندا؟» و«مضطربة ذهنياً». وسخر منها يساريون بوصفها «شرطية» – على خلفية أنها رفعت خلال عملها نسبة الملاحقات القضائية الناجحة، بينما نشر أحد المواقع المتخصصة بالقضايا القانونية تفاصيل حالات ترافعت فيها هاريس كمدعية عامة اعتبرت وكأنها لم تمنح المتهمين فرصاً لإثبات براءتهم. كما تحولت الصفحة المخصصة لها بموقع الموسوعة العالمية على الإنترنت (ويكيبيديا) إلى ساحة تنازع لا ينتهي بين المدونين والقراء حول تصنيفها العرقي، قبل أن يستقر المحررون على الاعتراف بها أفرو-أميركية وآسيو-أميركية في ذات الآن!
لكن الجمهور الأعقل كان محظوظاً بوجود مصادر أخرى أكثر اتزاناً يمكن الركون إليها لتكوين صورة أكثر واقعية عن المرشحة العتيدة المثيرة للجدل. فهاريس كانت قد نشرت كتابين عن رحلة حياتها أولهما «العقوبات الذكية للجرائم» في العام 2009 بينما كانت تعد أوراق ترشيحها لمنصب المدعي العام لولاية كاليفورنيا، والثاني «الحقائق التي نحتفظ بها: رحلة أميركية» العام الماضي (2019)، وجاء في غمرة الاستعداد لخوض سباق الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ومن الجلي أن كتب المذكرات والسير الذاتية التي تصدر في أجواء صراعات انتخابية ستكون دون شك أقرب للدعاية منها للعمل التأريخي المحكم، وتتأثر كثيراً بالهوى السائد للناخبين الذين تحاول استقطابهم في لحظة تاريخية معينة. وهو أمر لم تتمالك هاريس بالطبع أن تتجنبه. ومع ذلك، فإن الكتابين معاً، يقدمان بمجموعهما تصوراً ممتازاً عن الصورة التي ترى هاريس نفسها عليها، وتريد من القراء أن يشتركوا بها معها، وتقدم مقارنة مشوقة لتطور فكرها السياسي خلال عقد بينما انتقلت من التنافس على منصب المدعي العام إلى خوض انتخابات الرئاسة فيما كانت قاعدة الحزب الديمقراطي تنحو بشكل مستمر إلى اليسار. وبين الكتابين، فإن ما اختارت أن تتركه فيهما عن شخصها وحياتها وأفكارها – كما ملاحظاتها بشأن المسائل العرقية وعلاقات (الملونين) بالشرطة الأميركية – هناك مادة كافية لأي مهتم بمعرفتها بوصفها ستكون أحد الوجوه الأساسية في المشهد السياسي الأميركي - أقله خلال النصف الأول من العقد الحالي إن لم يكن لنهايته. ورغم تركيزها في كتابيها على استعراض الجوانب القانونية والسياسية في مسارها المهني وأكوام الإحصاءات ونصوص المكالمات الهاتفية والخطب، وجفاف نثرها بشكل عام، إلا أن هناك أيضاً بعض اللحظات الشخصية التي تمس القلوب - مثل بحر الدموع الذي غرقت به عندما تقدم إليها دوغلاس إمهوف (زوجها).
«العقوبات الذكية للجرائم» يحكي أشياء كثيرة، لكنه بشكل عام أشبه بمرافعة قانونية متخمة بالبيانات يقدمها مدعٍ عام مدينة سان فرانسيسكو لزملائه في المهنة يدعوهم فيها لانتخابه مدعياً عاماً لولاية كاليفورنيا على برنامج لتبنى مبادئ العدالة الجنائية التي تدعم اتباع نهج شامل لإصلاح العدالة بالتشديد على استخدام الأدلة والبيانات في توجيه السياسات، وإيجاد بدائل فاعلة للاعتقال والحبس واعتماد مقاربة قانونية تتقاطع مع الصحة العامة والتعليم والقطاعات الأخرى ذات الصلة، مع تركيز العقوبات على جرائم العنف حفاظاً على السلامة العامة بدلاً من أصحاب الجرائم اللاعنفية البسيطة ومساعدة هؤلاء الأخيرين على العثور على فرص للتعليم والعمل بدلاً من تركهم للسقوط إلى القاع من بوابة هفوة تأثيرها محدود (نسبياً) على الآخرين.
«الحقائق التي نحتفظ بها: رحلة أميركية» سيرة ذاتية أكثر دفئاً من «العقوبات» لكنها تبدو على نحو ما وكأنها اقتراح لصيغة علمية حول إدارة العمل الحكومي بخطوات متتابعة تقود في النهاية إلى حل التناقضات الفرعية والمحلية بدلاً من محاولة فرض حلول فوقية شاملة.
وإذا كان يمكن دائماً الركون إلى المناقشة العبثية حول الأصول العرقية المختلطة لهاريس، وتأثير منابت والديها على حياتها، فإن الجانب الأهم الذي أورثاها إياه كما يُقرأ من الكتابين هو تلك الصرامة العلمية في مقاربة المسائل. فهذه سيدة مهما كان موضوعها ستكون أبداً ابنة أكاديميين مُجلين. وفي نشأتها – حسبما كتبت في «العقوبات» – كانت المدرسة محور حياتها، وضرورة «مثل التنفس والأكل»، وهي لا تبدو بعد أن كبرت قد تغيرت كثيراً، فهي تفكر ببرود العالم، ويمكنها أن تستغرق مستمتعة في نقاش مطول حول الاقتصاد مثلاً، وتريد دائماً عند التفكير بالسياسات إجراء المزيد من التجارب المختبرية الطابع لتثبت صحة فرضياتها.
الجانب الآخر الذي يستشف عن هاريس من قراءة كتابيها هو تلك الأجواء العالمية الطابع التي نشأت فيها، وأهلتها لتكون مواطنة عالمية بامتياز. هاريس ما زالت تزور أهل والدتها في الهند كل عامين، وتحكي في «العقوبات» عن ذكرياتها هناك وأن أول ما علق برأسها تجربة المشي على طول الشاطئ مع جدها الذي كان دبلوماسيا متقاعدا، ومناضلاً من أجل استقلال الهند، وكذلك نقاشاتها مع جدتها الناشطة في مجال حقوق المرأة لكنها يبدو قد تجنبت الخوض عميقاً في ذلك الجانب – كما فعلت أيضاً بشأن انتقال العائلة للعيش في مونتريال – كندا عندما كانت في الثانية عشرة من العمر ربما خوفاً من الوقوع في المطب الذي وقع فيه باراك أوباما الذي تعرض لحملة شعواء من قبل اليمين الأميركي بتهمة أنه ولد في كينيا – لا في الولايات المتحدة.
قد لا تكون كل اقتراحات هاريس في كتابيها حول السياسات العامة موفقة، وتتوارى فيهما شخصيتها وراء الجوانب البيروقراطية الطابع، ولكن على الأقل لدى الجمهور فرصة لتلقف الصورة التي تجتهد لنحتها عن نفسها وتطورها مع الأيام. ولا شك أنها ستجد الوقت بعد أربع أو ثماني سنوات لتخط كتابها الثالث عن تجربتها هذه المرة كأول سيدة في تاريخ الولايات المتحدة تتولى منصب نائب الرئيس، وعندها ستكون دون شك أكثر ارتياحاً في الكشف عن مكنونات قلبها، ومشاعرها الشخصية واللمسات الإنسانية وراء الأدويسة الأميركية التي أخذتها من مدرسة الألف شجرة بلوط الابتدائية في أوكلاند، إلى واشنطن، في أجواء البيت الأبيض – وربما الإقامة فيه في يوم ما.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.