ريع أفلام هوليوود في السوق الأميركي بحالة تراجع

بعضها مكرر وإنتاجها باهظ.. لكن الصغيرة منها حققت رواجا استثنائيا

«حرّاس المجرة».. أحد أكثر أفلام 2014 نجاحا
«حرّاس المجرة».. أحد أكثر أفلام 2014 نجاحا
TT

ريع أفلام هوليوود في السوق الأميركي بحالة تراجع

«حرّاس المجرة».. أحد أكثر أفلام 2014 نجاحا
«حرّاس المجرة».. أحد أكثر أفلام 2014 نجاحا

عندما يسقط على الأرض شيء ما فإن الدوي الناتج بثقل ذلك الشيء. لذلك فإن سقوط فيلم بحجم «توب فايف» (الذي تكلّف صنعه أقل من 20 مليون دولار) يختلف عن سقوط فيلم بحجم «نوح» الذي تكلف 125 مليون دولار وجمع من الولايات المتحدة 101 مليون دولار فقط.
صحيح أن الفيلم الديني الذي أصر المخرج دارن أرونوفسكي على منحه وجهة نظر خاصّة لحكاية النبي نوح، جمع 250 مليون دولار خارج الولايات المتحدة، لكنه في حسابات السينما كان عليه أن ينجز أكثر من 350 مليون دولار قبل أن يستطيع دخول خانة الأرباح. الباقي يذهب في سبل وقنوات مختلفة تتوزّعها الحصص وطبع النسخ وعمليات التوزيع وما يصاحبها من حملات ترويجية. ما يعني إنه إذا ما ربح «نوح» عائدا صافيا فإنه لا يتجاوز 10 ملايين دولار.
الوضع غير الوردي
باراماونت، التي أنتجت الفيلم، طوته بين دفّتي أعمالها التي قامت بإنتاجها وعرضها في العام الماضي. فهو ورد في المركز السابع والعشرين في سلّم الإيرادات الأميركية في سنة 2014، وفي المركز الـ19 عالميا. ولديها 3 أفلام أخرى سبقته في مجال الإيرادات واحتلت مراكز أكثر تقدّما على القائمتين المذكورتين: «سلاحف النينجا المشوهّة الشابة» (المركز 14 عالميا و14 محليا أيضا) و«بين النجوم» (المركز 10 عالميا و15 عالميا) ثم «ترنسفورمرز: عصر الإبادة» (في المركز الخامس محليا وفي الأول عالميا).
«ترانسفورمرز: عصر الإبادة» Transformers‪:‬ Age of Extinction الذي قام بتحقيقه مايكل باي وببطولته مارك وولبرغ جمع عالميا مليار و78 مليون دولار من بينها 257 مليون دولار داخل الولايات المتحدة وكندا فقط. بينما آل المركز الأول في شمالي أميركا إلى فيلم ديزني «حراس المجرة» Guardians of the Galaxy الذي جمع 333 مليون دولار بينما حل في المركز الثاني عالميا منجزا 772 مليون دولار.
لكن هذا ليس بالضرورة أخبارا سعيدة بالنسبة لهوليوود، ففي العام الأسبق، 2013. أنجز الفيلم الذي احتل المركز الأول عالميا، وهو الفيلم الكرتوني Frozen مليار و274 مليون دولار بينما تمتّع الفيلم الذي جاء ثانيا، وهو Iron Man 3 بمليار و215 مليون دولار، أي بفارق يقترب من 200 مليون دولار عما حققه «ترانسفورمز: عصر الإبادة».
هناك انحدار ملحوظ في إيرادات الأفلام الأميركية خصوصا داخل الولايات المتحدة ذاتها. فالحصيلة الكلية لما تم توزيعه من أفلام داخل الولايات المتحدة (688 فيلما بما فيها أفلام أجنبية) بلغت 9 مليارات و716 مليون و19 ألف دولار (أي بمعدل 14 مليون دولار للفيلم الواحد). هذه الأرقام مصدرها جهة واحدة، لكن جهة معنية أخرى ترفع رقم الإيرادات الكلي إلى 10 مليارات و300 مليون دولار. هذا الفارق الضئيل بين الرقمين يؤكد ولا ينفي أن الوضع ليس ورديا لسوق اعتاد أن يستوعب 12 و14 مليار دولار في بعض السنوات السابقة. في واقع الحال، هو أقل بنسبة 5‪.‬2 في المائة عما سجّله عام 2013 من إيرادات التي بلغت 10 مليارات و951 مليون دولار.
العامل الصيني
مسؤولو التوزيع والإنتاج في كبرى الشركات الأميركية (ديزني، باراماونت، صوني، وورنر، الخ…) يشيرون إلى أن صالات السينما واصلت رفع أسعار التذاكر (نحو 9 دولارات كمعدل عام للتذكرة الواحدة) ما يعني أنه لو بقيت على حالها فإن الأرقام المسجلة في 2014 كانت ستقل عن تلك المسجّلة فيما لو كان حجم الإقبال (مليار و260 مليون تذكرة) بقي على ما هو. لكن هذه الشركات تؤكد أن العكس كان سيحصل إذ كان الجمهور سيزيد من إقباله عوض أن يزيد من تراجعه.
لكن صالات السينما تنكر ذلك وتقول إن التراجع في الإيرادات مردّه أن شركات الإنتاج لم تنتج ما يكفي من أفلام ولا ما يكفي من تنويع. حسب باتريك كوركوران في تصريح لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر»: «الشيء الوحيد الذي تطلبه صالات السينما هو أفلام أكثر. أفلام أكبر. أفلام درامية أفضل. كوميديات ذات مستوى».
والأرقام الأخرى المتوفّرة تتجه لتأكيد شيء آخر: سواء أكان اللوم يقع على رفع صالات السينما المتواصل لأسعار تذاكرها أو بسبب إحجام المؤسسات الكبيرة عن المخاطرة بأعمال أكثر تنوّعا فإن موسم الصيف (الذي هو عمود التوزيع الفقري) حصد 15 في المائة أقل مما حصده صيف عام 2013 وإذا ما نظرنا إليه مجددا فإن عدد الأفلام الكبيرة التي عرضت فيه 8 أفلام أي أقل بـ4 أفلام عما عرضه صيف 2013 من إنتاجات.
هذه الأفلام تحديدا هي «هيركوليس» و«حافة الغد» و«غودزيلا» و«سبايدر مان المذهل - 2» و«فجر كوكب القردة» و«رجال إكس: أيام المستقبل الماضي»: «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» و«حرّاس المجرة». وبعض هذه الأفلام خسر على الصعيد المحلي عوض أن يسجل أرباحا ومنها «حافة الغد» الذي بلغت تكلفته نحو 175 مليون دولار، لكنه لم يخترق سقف المائة مليون دولار كإيرادات محلية (ونحو 200 مليون دولار عالمية).
ما خسرته السوق المحلية عوضته بعض الشيء السوق الآسيوية خصوصا الصينية. خبراء الاقتصاد الأميركيون يرون أن الولايات المتحدة باتت، ومنذ سنوات، تعتمد وعلى نحو ينقصه الحكمة، على الصين التي تزيد من ضخ المزيد من أموالها في صلب الحياة الاقتصادية الأميركية ومنها صناعة السينما. وهذا واضح بالنظر إلى حصيلة هوليوود من السوق الصيني. في عام 2014 شهدت صالات السينما الصينية ارتفاع مداخيلها بنسبة 36 في المائة عن السنة الأسبق. مجمل الإيرادات الصينية بلغ 4 مليارات و760 مليون دولار علما بأن سعر التذكرة لا يزيد عن نصف معدل سعر التذكرة في الولايات المتحدة. الفيلم الأول في حصيلة سنة 2014 صينيا هو الفيلم الأميركي «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» الذي جمع أكثر مما جمعه داخل الولايات المتحدة إذ بلغت إيراداته الصينية 301 مليون دولار وتربّع في المركز الأول بين كل ما عرض فيها من أفلام. لنا أن نتصوّر كيف كان الحال لو أن سعر التذكرة في الصين تجاوز الـ4 دولارات أو الـ5 دولارات.

* صغيرة - كبيرة
* في وسط كل ذلك، فإن العزوف عن أفلام ذات العضلات الكبيرة من نوع «حافة الغد» و«رجال إكس» و«ترانسفورمرز» (وكلها حققت أقل مما كان متوقّعا منها) وإزاء الإقبال على الأفلام المستقلة أو الصغيرة (ولو نسبيا) وهي حسب ترتيب مجموع إيراداتها الأميركية على النحو التالي:
1 - The Grand Budapest Hotel الذي حصد 59 مليون دولار (وبلغت ميزانيته 11 مليون دولار)
2 - Chef وجمع 41 مليون و400 ألف دولار مقابل ميزانية قدرها 11 مليون دولار
3 - Birdman وأنجز 24 مليون و300 ألف دولار بينما تكلّف 18 مليون دولار
4 - Boyhood وحقق 24 مليون و200 ألف دولار الذي بلغت كلفته أقل من أي فيلم آخر: 2 مليون و400 ألف دولار.
5 - The Theory of Everything وهو خرج بـ22 مليون و700 ألف دولار وهو كلف شركته (فوكاس) 16 مليون دولار.
هذه الأفلام الـ5 تحديدا لديها ميزتان إضافيّتان. الأولى أن عروضها العالمية تجاوزت كل رقم مسجل هنا في خانة الإيرادات والثانية أنها ما زالت معروضة بنجاح في الصالات حول العالم ما يعني أن نتائجها (نظير تكاليفها) هي النجاح المؤكد للعام السينمائي المنصرم.

* الأفلام المحلية الأكثر رواجا في بلدانها

* مصر: «الجزيرة 2» (أكشن: 5 ملايين دولار)
الهند: «بي كي» (كوميديا: 8 ملايين دولار)
بريطانيا: «بادينغتون» (كوميديا: 23 مليون دولار)
فرنسا: «ماذا فعلنا للسماء» (كوميديا: 105 ملايين دولار)
الصين: «صداقة فارطة» (أكشن: 187 مليون و970 ألف دولار).



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً