حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
TT

حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر

في سنة 1929 التقت مجموعة متميزة من الباحثين في فندق «غراند بيلفيدير» في منتجع التزلج السويسري في دافوس، المكان الذي اكتسب شهرة أدبية من خلال «رواية» الجبل السحري لتوماس مان، وذلك في مؤتمر فلسفي كبير. في اللقاء دخل اثنان من أكثر المفكرين تأثيراً في تلك الفترة، مارتن هايدغر وإرنست كاسيرر، في جدل فلسفي صار أسطورياً. كان كاسيرر، الأستاذ المهذب من هامبورغ الذي جسد البرجوازي الليبرالي، والمثقف الكوني، يمثل المؤسسة الفلسفية. القادم الجديد والأصغر بكثير، مارتن هايدغر، بشعره الأسود ولونه المائل إلى السمرة نتيجة للأيام التي قضاها في التزلج، كان مصمماً على هز هذه المؤسسة. كان صراع شخصيات وفلسفات متعارضة. فبينما مثّل كاسيرر، المرجع العالمي في كانط، والذي كان في قمة مجده، القيم التنويرية للعقل البشري للتسامح والتقدم الحضاري، كان هايدغر، الذي كان قد نشر قبل عامين عمله الوجودي الكبير «الوجود والزمن»، يمثل ما في الحداثة من نزعة وطنية ورؤية صوفية رومانسية مضادة لليبرالية. كان جدلهما حول الحالة الإنسانية في القاعة الكبرى من الفندق بحضور جمهور ضخم يتضمن رودولف كارناب، وإميل ليفيناس، ونوربرت إلياس، يبرز هاتين الرؤيتين المتعارضتين للعالم. كان مرآة لروح العصر التي سادت ما بين الحربين.
تشكل المواجهة في دافوس الإطار لكتاب فولفرام آيلنبرغر الرائع «عصر السحرة»، الذي يتتبع الدروب التي سلكها أربعة من كبار المفكرين المتحدثين بالألمانية والذين أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم: كاسيرر، وهايدغر، ولودفيغ فتنغشتاين، وفالتر بنيامين. يرى آيلنبرغر عشرينات القرن الماضي على أنها اللحظة الكبرى الأخيرة للفلسفة الألمانية. الشخوص الأربعة في كتابه استطاع كل واحد منهم أن يشكل المدارس الرئيسة للفكر التي هيمنت على عالمنا الفلسفي: الهرمنيوطيقا، والوجودية، والفلسفة التحليلية، والنظرية النقدية. كان ذلك هو التحول المتطرف للحرب العالمية الأولى، التي هزت الثقافة السياسية واليقينيات الأخلاقية حول التقدم الإنساني، وكذلك الانقلابات الجوهرية التي تلت والتي أنتجت الثورات الفكرية الرئيسة في تلك السنوات.
يتتبع «عصر السحرة» حياة وأعمال أربعة فلاسفة مشبّكاً سيرهم الشخصية والفكرية. يروي حكاياتهم متوازية، يقفز إلى الخلف وإلى الأمام في سلسلة من اللقطات السريعة بطريقة بالغة التأثير وتصنع سردية ملونة وسريعة الخطو. المواضع الأكثر إثارة من الكتاب هي تلك المتعلقة بإرنست كاسيرر، الذي نشر ما بين 1923 و1929 كتابه ذا المجلدات الثلاثة «فلسفة الأشكال الرمزية»، الكتاب الذي يَدرس الإنسان بوصفه مخلوقاً يصنع الإشارات ويقرأها، ويتأمل في استعمال الأشكال الرمزية، وأهمها اللغة، في حياة الإنسان. كان كاسيرر ابناً لأسرة برجوازية ألمانية يهودية من روسيا البيضاء، وهو أحد الديمقراطيين القلة الملتزمين في عصره. في سنة 1928 ألقى خطاباً في مجلس شيوخ هامبورغ بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لدستور مقاطعة فايمار مدافعاً بحرارة عن الجمهورية التي تتعرض لهجوم. أنذرته زوجته، توني، بأن إعلان الولاء للجمهورية كان شديد الخطورة في الأجواء السياسية السائدة آنذاك، لا سيما وهو بروفسور يهودي. كان جار لهم معادٍ للسامية في حي ونترهود الراقي في هامبورغ قد تهجم عليها لفظياً بقوله: «هل تظنون أنكم لا تزعجوننا؟ إن مجرد رؤيتكم – إنكم تنتمون إلى فلسطين». بعد تولي هتلر أُبعد كاسيرر عن وظيفته الجامعية وهرب الزوجان إلى سويسرا.
عندما كانت أسرة كاسيرر تحزم أمتعتها، كان هايدغر، «نبي الكينونة»، يصعد المنصة مديراً معيناً حديثاً لجامعة فرايبورغ ليعلن دعمه الثابت للنظام الجديد في كلمته سيئة السمعة «تأكيد الجامعة الألمانية لذاتها». ستدّعي تلميذته وعشيقته السابقة حنة أرنت أن شخصيته لم تكن سيئة لأنه لم تكن له شخصية (تبرئة). بدأ هايدغر حياته برجوازياً نكرة قادماً من الغابة السوداء، ثم خدم في الحرب العالمية الأولى وبعد عودته انطلق في مسيرة صاروخية، أولاً في ماربورغ وبعد ذلك في فرايبورغ حيث شغل الكرسي الذي كان يشغله راعيه، الفينومينولوجي إدموند هوسرل. في «الوجود والزمن» (1927)، الذي يتناول الوجود الإنساني، قدم هايدغر ميتافيزيقا لطبيعة الوجود. هو قلق حول فناء الإنسان، يعرّف الإنسان بأنه «وجود (دازاين) ملقى به في العالم» –يجعل المرء يتأمل في الاحتمالات المتاحة لوجوده. لكن الدرجة المثالية التي رفع إليها، من زاوية شعبوية، التجذر العضوي في البيئة الطبيعية، واللغة والتقاليد، وكذلك رومانسيته الريفية، وكراهيته المَرضية للبرجوازية الليبرالية، هي في المقام الأول ما أثار إعجاب الكثير من المثقفين الشبان آنذاك.
لودفيغ فتغنشتاين خدم أيضاً كجنديٍّ في الحرب. أكمل كتابه «رسالة منطقية فلسفية»، الذي مثَّل مرحلة جديدة في الفلسفة التحليلية، حيث تناول مسألة ما يمكن للبشر أن يقولوه من معنى، وما لا يمكنهم قوله، في معسكر لأسرى الحرب في إيطاليا. عند نشره عام 1921 احتفى به العالم بوصفه عبقرية القرن. كان فتغنشتاين وريثاً لإحدى أغنى الأسر الصناعية في فيينا، ولكنه أهدى كل إرثه –أي المئات من الملايين– لإخوته، وقرر أن يتحول إلى التدريس في مدرسة ابتدائية في ريف النمسا. لقد اعتقد أنه بعمله حل كل مشكلات الفلسفة «بشأن كل المسائل الأساسية». وكما هو متوقع لم يحقق تلامذته توقعاته. ونتيجة لما شعر به من إحباط كان كثيراً ما يضربهم بمفاصل يده على رؤوسهم أو بضربات بعصاه؛ في إحدى المرات ضرب صبياً على الرأس بدفتر التمارين حتى تمزق. في سنة 1929 تحققت له فرصة ثانية. وافقت جامعة كيبمرج على قبول «رسالة منطقية فلسفية» لتكون أطروحة دكتوراه. يقال إنه عند نهاية المناقشة قام المرشح ذو الأربعين عاماً بالتربيت بأدب على أكتاف ممتحنيه المتوترين، بيرتراند رسل وج. إي. مور، قائلاً: «لا تقلقوا، أدري أنكم لن تفهموه أبداً». كتب مور في تقرير اللجنة: «في رأيي أن هذا عمل عبقري؛ إنه في كل الحالات يرقى لمتطلبات الدرجة في كيمبرج». وكان جون مينارد كاينز قد لاحظ قبل ذلك بأشهر، في لقائه بفتغنشتاين في عربة قطار باتجاه كيبمرج: «حسناً، لقد وصل الإله، قابلته اليوم الساعة 5:15 في القطار».
أخيراً هناك فالتر بنيامين الذي يصفه آيلنبرغر بأنه «فيمار الرجل الواحد» الذي عاش الحياة الخطرة لمثقف مستقل. درس بنيامين في فرايبورغ على يد فيلسوف الكانطية الجديدة هاينريش ريكيرت، مع هايدغر، الذي كرهه بنيامين كراهية شديدة. في عام 1914 استطاع أن يحتال على أداء الخدمة العسكرية. ولقيت رسالة الدكتوراه التي كتبها حول «مفهوم النقد الفني في الرومانسية الألمانية» ترحيباً واسعاً. غير أن خروجه على التقاليد واستقلاليته الفكرية واهتماماته شديدة التنوع، كل ذلك بلغ حداً جعله غير مناسب للعمل في الجامعة فتحول للكتابة الحرة. تجول في أوروبا بين برلين وموسكو وباريس وكانت لديه، بتعبيره «شهية لا تنطفئ» للكازينوهات والنوادي الليلية والمواخير. ومع أنه مر بفترات من الاكتئاب والتدمير الذاتي فإن تلك لم تَخلُ من أوقات ارتفعت فيها إنتاجيته بشكل غير عادي. نصوصه تمتد عابرةً لحدود التخصصات والأساليب، واصلةً ما بين فلسفة اللغة والنظرية الأدبية إلى علم الاجتماع والتاريخ الثقافي. ويقدم آيلنبرغر رؤى معمقة حول أعمال أساسية له مثل مقالته حول «مهمة المترجم» (1921)، وهي تأملات في طبيعة اللغة، ومقالة «التشابهات الاختيارية لدى غوته» (1924)، وهي نقد لمؤسسة الزواج البرجوازية (وخطة الحياة البرجوازية بصفة عامة). حين غزت القوات الألمانية فرنسا عام 1940، حيث كان بنيامين يقيم لسنوات تعود إلى العقد السابق، هرب إلى الغرب وفي أحد فنادق جبال البيرينييه، قبيل الوصول إلى الحدود الإسبانية، انتحر.
مقاربة آيلنبرغر السيرية تعتمد على تتبع شخوصه إلى غرف نومهم. يلاحظ أنه «بين فلاسفتنا الأربعة كان كاسيرر الوحيد الذي لم تتحول غريزته الجنسية إلى مشكلة وجودية». يناقش مغامرات فتغنشتاين المثلية في «بريتر بارك» في فيينا، ويقتبس هايدغر وهو يكتب لمعشوقته حنة أرنت ذات الأعوام التسع عشرة أن «العفريت يسيطر عليَّ». وحين خانت هايدغر زوجته إلفريد مع فريديل قيصر، وكان طبيباً في مستشفى جامعة فرايبورغ، حاملة منه بالصبي هيرمان، تعامل هايدغر مع الأمر بهدوء. أما بنيامين فقد انطلق في استعراض من العلاقات؛ في إحدى تلك العلاقات لاحق النحاتة جولا كون، التي بدورها كانت على علاقة مع صديق بنيامين القديم إريك شون، الذي كانت زوجة بنيامين دورا على علاقة مكشوفة به. لكن عشق بنيامين الحقيقي كان مخرجة المسرح الشيوعية من لاتفيا آسيا لاتشيش. في ربيع عام 1929 كتبت دورا لغيرشوم (غيرهارد) شولم تقول:
«يسير فالتر في طريق سيئ جداً، يا عزيزي غيرهارد، ولا أستطيع أن أخبرك بأكثر من ذلك لأن الأمر يحطم قلبي. إنه بالكامل تحت تأثير آسيا ويفعل أشياء يقاوم القلم كتابتها وتمنعني من تبادل حتى الكلمات معه. إنه موجود الآن فقط بوصفه رأساً وأعضاءً تناسلية، وكما تعلم، أو يمكنك أن تتخيل، في حالات كتلك ينهزم الرأس سريعاً».
عبر الكتاب، يُبرز المؤلف المشتركات بين الفلاسفة الأربعة. الأهم بين تلك كانت اللغة التي احتلت موقعاً مركزياً لهم جميعاً في فهمهم للحالة الإنسانية. لقد جسّد كل واحد من أولئك المفكرين الكارزميين فلسفته؛ كانوا جميعاً، ربما باستثناء كاسيرر، شخصيات وصل الإعجاب بهم في حياتهم إلى درجة التقديس. ومع ذلك ففي النهاية كان الأربعة وبطرق مختلفة على تفاوت شديد، ويميل المؤلف أحياناً إلى المبالغة في إبراز تشابهاتهم على حساب النظر المدقق في اختلافاتهم. كما أن حياة تلك الشخصيات نادراً ما تقاطعت. يضاف إلى ذلك أن الفترة الزمنية المختارة (1919 – 1929) -التي توصف بأنها فترة «اختراع الفكر الحديث»– فترة اعتباطية. فقد كتب فالتر بنيامين بعض أعماله الأكثر أهمية، مثل «العمل في عصر إعادة الإنتاج الآلية» و«حول مفهوم التاريخ»، بعد تلك الفترة؛ كما أن عمله في معهد البحوث الاجتماعية، منطلق مدرسة فرانكفورت، لم يبدأ إلا في ثلاثينات القرن. وكتب فتغنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» قبل 1919 و«أبحاث فلسفية» بعد 1929. أما كاسيرر فلم يكتب «فلسفة التنوير» و«منطق العلوم الثقافية» و«أسطورة الدولة» خلال وجوده في المنفى. ومر هايدغر بـ«انعطافته» بعد ذلك العقد. وحسب سيرة كل منهم، كان يمكن لسنة 1933، التي أثّرت في الفلاسفة الثلاثة ذوي الخلفية اليهودية بشكل مباشر، أن تكون الانقطاع الأكثر تقليدية ولكن الأكثر منطقية. ففي النهاية مثّل تولي النازيين الحكم هجوماً على الحياة العقلية في ألمانيا لن تستعيد البلاد عافيتها منه أبداً.
إن كتاب «عصر السحرة» مكتوب بلغة رفيعة ومرويٌّ على نحو جميل. آيلنبرغر، وهو الباحث العارف بالفلسفة، يمتلك مهارة التكثيف المركب للأفكار لتأتي في لغة سهلة، دون أن يكون ذلك على حساب العمق. كتابه يمزج السيرة بالفلسفة بالتاريخ ليخبر ليس فقط قصة الفلاسفة أنفسهم وإنما ليقدم أيضاً صورة فكرية مثيرة لعصرهم. ترافق نشر الطبعة الألمانية بنقاش حول الحالة الراهنة للفلسفة الأكاديمية. كتب آيلنبرغر، وهو فيلسوف غير مرتبط بمؤسسة، في مقالة في صحيفة «ديي تسايت» أن كليات الفلسفة أراضٍ يباب مقارنةً بعالم العمالقة الراحلين. المسائل التي تناقَش في مجلات الفلسفة الأكاديمية اليوم ليست مهمة لأحد، حتى للكتاب أنفسهم -كما يقول- وليس فيها شيء جديد أو مثير أو أصيل. وإن بدا هذا حكماً قاسياً، فإن كتاب «عصر السحرة» يثبت بكل تأكيد أن سنوات ما بين الحربين كانت بين أعظم ما شهدته البشرية من نشاط فكري.

* أستاذ التاريخ في
مدرسة لندن للاقتصاد.
المقالة مراجعة لكتاب «عصر السحرة: اختراع الفكر الحديث،
1919 - 1929»،
تأليف: فولفرام آيلنبرغر.
وترجمه عن الألمانية
شون وايتسايد.
المصدر: «ملحق التايمز الأدبي»



«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.