حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
TT

حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر

في سنة 1929 التقت مجموعة متميزة من الباحثين في فندق «غراند بيلفيدير» في منتجع التزلج السويسري في دافوس، المكان الذي اكتسب شهرة أدبية من خلال «رواية» الجبل السحري لتوماس مان، وذلك في مؤتمر فلسفي كبير. في اللقاء دخل اثنان من أكثر المفكرين تأثيراً في تلك الفترة، مارتن هايدغر وإرنست كاسيرر، في جدل فلسفي صار أسطورياً. كان كاسيرر، الأستاذ المهذب من هامبورغ الذي جسد البرجوازي الليبرالي، والمثقف الكوني، يمثل المؤسسة الفلسفية. القادم الجديد والأصغر بكثير، مارتن هايدغر، بشعره الأسود ولونه المائل إلى السمرة نتيجة للأيام التي قضاها في التزلج، كان مصمماً على هز هذه المؤسسة. كان صراع شخصيات وفلسفات متعارضة. فبينما مثّل كاسيرر، المرجع العالمي في كانط، والذي كان في قمة مجده، القيم التنويرية للعقل البشري للتسامح والتقدم الحضاري، كان هايدغر، الذي كان قد نشر قبل عامين عمله الوجودي الكبير «الوجود والزمن»، يمثل ما في الحداثة من نزعة وطنية ورؤية صوفية رومانسية مضادة لليبرالية. كان جدلهما حول الحالة الإنسانية في القاعة الكبرى من الفندق بحضور جمهور ضخم يتضمن رودولف كارناب، وإميل ليفيناس، ونوربرت إلياس، يبرز هاتين الرؤيتين المتعارضتين للعالم. كان مرآة لروح العصر التي سادت ما بين الحربين.
تشكل المواجهة في دافوس الإطار لكتاب فولفرام آيلنبرغر الرائع «عصر السحرة»، الذي يتتبع الدروب التي سلكها أربعة من كبار المفكرين المتحدثين بالألمانية والذين أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم: كاسيرر، وهايدغر، ولودفيغ فتنغشتاين، وفالتر بنيامين. يرى آيلنبرغر عشرينات القرن الماضي على أنها اللحظة الكبرى الأخيرة للفلسفة الألمانية. الشخوص الأربعة في كتابه استطاع كل واحد منهم أن يشكل المدارس الرئيسة للفكر التي هيمنت على عالمنا الفلسفي: الهرمنيوطيقا، والوجودية، والفلسفة التحليلية، والنظرية النقدية. كان ذلك هو التحول المتطرف للحرب العالمية الأولى، التي هزت الثقافة السياسية واليقينيات الأخلاقية حول التقدم الإنساني، وكذلك الانقلابات الجوهرية التي تلت والتي أنتجت الثورات الفكرية الرئيسة في تلك السنوات.
يتتبع «عصر السحرة» حياة وأعمال أربعة فلاسفة مشبّكاً سيرهم الشخصية والفكرية. يروي حكاياتهم متوازية، يقفز إلى الخلف وإلى الأمام في سلسلة من اللقطات السريعة بطريقة بالغة التأثير وتصنع سردية ملونة وسريعة الخطو. المواضع الأكثر إثارة من الكتاب هي تلك المتعلقة بإرنست كاسيرر، الذي نشر ما بين 1923 و1929 كتابه ذا المجلدات الثلاثة «فلسفة الأشكال الرمزية»، الكتاب الذي يَدرس الإنسان بوصفه مخلوقاً يصنع الإشارات ويقرأها، ويتأمل في استعمال الأشكال الرمزية، وأهمها اللغة، في حياة الإنسان. كان كاسيرر ابناً لأسرة برجوازية ألمانية يهودية من روسيا البيضاء، وهو أحد الديمقراطيين القلة الملتزمين في عصره. في سنة 1928 ألقى خطاباً في مجلس شيوخ هامبورغ بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لدستور مقاطعة فايمار مدافعاً بحرارة عن الجمهورية التي تتعرض لهجوم. أنذرته زوجته، توني، بأن إعلان الولاء للجمهورية كان شديد الخطورة في الأجواء السياسية السائدة آنذاك، لا سيما وهو بروفسور يهودي. كان جار لهم معادٍ للسامية في حي ونترهود الراقي في هامبورغ قد تهجم عليها لفظياً بقوله: «هل تظنون أنكم لا تزعجوننا؟ إن مجرد رؤيتكم – إنكم تنتمون إلى فلسطين». بعد تولي هتلر أُبعد كاسيرر عن وظيفته الجامعية وهرب الزوجان إلى سويسرا.
عندما كانت أسرة كاسيرر تحزم أمتعتها، كان هايدغر، «نبي الكينونة»، يصعد المنصة مديراً معيناً حديثاً لجامعة فرايبورغ ليعلن دعمه الثابت للنظام الجديد في كلمته سيئة السمعة «تأكيد الجامعة الألمانية لذاتها». ستدّعي تلميذته وعشيقته السابقة حنة أرنت أن شخصيته لم تكن سيئة لأنه لم تكن له شخصية (تبرئة). بدأ هايدغر حياته برجوازياً نكرة قادماً من الغابة السوداء، ثم خدم في الحرب العالمية الأولى وبعد عودته انطلق في مسيرة صاروخية، أولاً في ماربورغ وبعد ذلك في فرايبورغ حيث شغل الكرسي الذي كان يشغله راعيه، الفينومينولوجي إدموند هوسرل. في «الوجود والزمن» (1927)، الذي يتناول الوجود الإنساني، قدم هايدغر ميتافيزيقا لطبيعة الوجود. هو قلق حول فناء الإنسان، يعرّف الإنسان بأنه «وجود (دازاين) ملقى به في العالم» –يجعل المرء يتأمل في الاحتمالات المتاحة لوجوده. لكن الدرجة المثالية التي رفع إليها، من زاوية شعبوية، التجذر العضوي في البيئة الطبيعية، واللغة والتقاليد، وكذلك رومانسيته الريفية، وكراهيته المَرضية للبرجوازية الليبرالية، هي في المقام الأول ما أثار إعجاب الكثير من المثقفين الشبان آنذاك.
لودفيغ فتغنشتاين خدم أيضاً كجنديٍّ في الحرب. أكمل كتابه «رسالة منطقية فلسفية»، الذي مثَّل مرحلة جديدة في الفلسفة التحليلية، حيث تناول مسألة ما يمكن للبشر أن يقولوه من معنى، وما لا يمكنهم قوله، في معسكر لأسرى الحرب في إيطاليا. عند نشره عام 1921 احتفى به العالم بوصفه عبقرية القرن. كان فتغنشتاين وريثاً لإحدى أغنى الأسر الصناعية في فيينا، ولكنه أهدى كل إرثه –أي المئات من الملايين– لإخوته، وقرر أن يتحول إلى التدريس في مدرسة ابتدائية في ريف النمسا. لقد اعتقد أنه بعمله حل كل مشكلات الفلسفة «بشأن كل المسائل الأساسية». وكما هو متوقع لم يحقق تلامذته توقعاته. ونتيجة لما شعر به من إحباط كان كثيراً ما يضربهم بمفاصل يده على رؤوسهم أو بضربات بعصاه؛ في إحدى المرات ضرب صبياً على الرأس بدفتر التمارين حتى تمزق. في سنة 1929 تحققت له فرصة ثانية. وافقت جامعة كيبمرج على قبول «رسالة منطقية فلسفية» لتكون أطروحة دكتوراه. يقال إنه عند نهاية المناقشة قام المرشح ذو الأربعين عاماً بالتربيت بأدب على أكتاف ممتحنيه المتوترين، بيرتراند رسل وج. إي. مور، قائلاً: «لا تقلقوا، أدري أنكم لن تفهموه أبداً». كتب مور في تقرير اللجنة: «في رأيي أن هذا عمل عبقري؛ إنه في كل الحالات يرقى لمتطلبات الدرجة في كيمبرج». وكان جون مينارد كاينز قد لاحظ قبل ذلك بأشهر، في لقائه بفتغنشتاين في عربة قطار باتجاه كيبمرج: «حسناً، لقد وصل الإله، قابلته اليوم الساعة 5:15 في القطار».
أخيراً هناك فالتر بنيامين الذي يصفه آيلنبرغر بأنه «فيمار الرجل الواحد» الذي عاش الحياة الخطرة لمثقف مستقل. درس بنيامين في فرايبورغ على يد فيلسوف الكانطية الجديدة هاينريش ريكيرت، مع هايدغر، الذي كرهه بنيامين كراهية شديدة. في عام 1914 استطاع أن يحتال على أداء الخدمة العسكرية. ولقيت رسالة الدكتوراه التي كتبها حول «مفهوم النقد الفني في الرومانسية الألمانية» ترحيباً واسعاً. غير أن خروجه على التقاليد واستقلاليته الفكرية واهتماماته شديدة التنوع، كل ذلك بلغ حداً جعله غير مناسب للعمل في الجامعة فتحول للكتابة الحرة. تجول في أوروبا بين برلين وموسكو وباريس وكانت لديه، بتعبيره «شهية لا تنطفئ» للكازينوهات والنوادي الليلية والمواخير. ومع أنه مر بفترات من الاكتئاب والتدمير الذاتي فإن تلك لم تَخلُ من أوقات ارتفعت فيها إنتاجيته بشكل غير عادي. نصوصه تمتد عابرةً لحدود التخصصات والأساليب، واصلةً ما بين فلسفة اللغة والنظرية الأدبية إلى علم الاجتماع والتاريخ الثقافي. ويقدم آيلنبرغر رؤى معمقة حول أعمال أساسية له مثل مقالته حول «مهمة المترجم» (1921)، وهي تأملات في طبيعة اللغة، ومقالة «التشابهات الاختيارية لدى غوته» (1924)، وهي نقد لمؤسسة الزواج البرجوازية (وخطة الحياة البرجوازية بصفة عامة). حين غزت القوات الألمانية فرنسا عام 1940، حيث كان بنيامين يقيم لسنوات تعود إلى العقد السابق، هرب إلى الغرب وفي أحد فنادق جبال البيرينييه، قبيل الوصول إلى الحدود الإسبانية، انتحر.
مقاربة آيلنبرغر السيرية تعتمد على تتبع شخوصه إلى غرف نومهم. يلاحظ أنه «بين فلاسفتنا الأربعة كان كاسيرر الوحيد الذي لم تتحول غريزته الجنسية إلى مشكلة وجودية». يناقش مغامرات فتغنشتاين المثلية في «بريتر بارك» في فيينا، ويقتبس هايدغر وهو يكتب لمعشوقته حنة أرنت ذات الأعوام التسع عشرة أن «العفريت يسيطر عليَّ». وحين خانت هايدغر زوجته إلفريد مع فريديل قيصر، وكان طبيباً في مستشفى جامعة فرايبورغ، حاملة منه بالصبي هيرمان، تعامل هايدغر مع الأمر بهدوء. أما بنيامين فقد انطلق في استعراض من العلاقات؛ في إحدى تلك العلاقات لاحق النحاتة جولا كون، التي بدورها كانت على علاقة مع صديق بنيامين القديم إريك شون، الذي كانت زوجة بنيامين دورا على علاقة مكشوفة به. لكن عشق بنيامين الحقيقي كان مخرجة المسرح الشيوعية من لاتفيا آسيا لاتشيش. في ربيع عام 1929 كتبت دورا لغيرشوم (غيرهارد) شولم تقول:
«يسير فالتر في طريق سيئ جداً، يا عزيزي غيرهارد، ولا أستطيع أن أخبرك بأكثر من ذلك لأن الأمر يحطم قلبي. إنه بالكامل تحت تأثير آسيا ويفعل أشياء يقاوم القلم كتابتها وتمنعني من تبادل حتى الكلمات معه. إنه موجود الآن فقط بوصفه رأساً وأعضاءً تناسلية، وكما تعلم، أو يمكنك أن تتخيل، في حالات كتلك ينهزم الرأس سريعاً».
عبر الكتاب، يُبرز المؤلف المشتركات بين الفلاسفة الأربعة. الأهم بين تلك كانت اللغة التي احتلت موقعاً مركزياً لهم جميعاً في فهمهم للحالة الإنسانية. لقد جسّد كل واحد من أولئك المفكرين الكارزميين فلسفته؛ كانوا جميعاً، ربما باستثناء كاسيرر، شخصيات وصل الإعجاب بهم في حياتهم إلى درجة التقديس. ومع ذلك ففي النهاية كان الأربعة وبطرق مختلفة على تفاوت شديد، ويميل المؤلف أحياناً إلى المبالغة في إبراز تشابهاتهم على حساب النظر المدقق في اختلافاتهم. كما أن حياة تلك الشخصيات نادراً ما تقاطعت. يضاف إلى ذلك أن الفترة الزمنية المختارة (1919 – 1929) -التي توصف بأنها فترة «اختراع الفكر الحديث»– فترة اعتباطية. فقد كتب فالتر بنيامين بعض أعماله الأكثر أهمية، مثل «العمل في عصر إعادة الإنتاج الآلية» و«حول مفهوم التاريخ»، بعد تلك الفترة؛ كما أن عمله في معهد البحوث الاجتماعية، منطلق مدرسة فرانكفورت، لم يبدأ إلا في ثلاثينات القرن. وكتب فتغنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» قبل 1919 و«أبحاث فلسفية» بعد 1929. أما كاسيرر فلم يكتب «فلسفة التنوير» و«منطق العلوم الثقافية» و«أسطورة الدولة» خلال وجوده في المنفى. ومر هايدغر بـ«انعطافته» بعد ذلك العقد. وحسب سيرة كل منهم، كان يمكن لسنة 1933، التي أثّرت في الفلاسفة الثلاثة ذوي الخلفية اليهودية بشكل مباشر، أن تكون الانقطاع الأكثر تقليدية ولكن الأكثر منطقية. ففي النهاية مثّل تولي النازيين الحكم هجوماً على الحياة العقلية في ألمانيا لن تستعيد البلاد عافيتها منه أبداً.
إن كتاب «عصر السحرة» مكتوب بلغة رفيعة ومرويٌّ على نحو جميل. آيلنبرغر، وهو الباحث العارف بالفلسفة، يمتلك مهارة التكثيف المركب للأفكار لتأتي في لغة سهلة، دون أن يكون ذلك على حساب العمق. كتابه يمزج السيرة بالفلسفة بالتاريخ ليخبر ليس فقط قصة الفلاسفة أنفسهم وإنما ليقدم أيضاً صورة فكرية مثيرة لعصرهم. ترافق نشر الطبعة الألمانية بنقاش حول الحالة الراهنة للفلسفة الأكاديمية. كتب آيلنبرغر، وهو فيلسوف غير مرتبط بمؤسسة، في مقالة في صحيفة «ديي تسايت» أن كليات الفلسفة أراضٍ يباب مقارنةً بعالم العمالقة الراحلين. المسائل التي تناقَش في مجلات الفلسفة الأكاديمية اليوم ليست مهمة لأحد، حتى للكتاب أنفسهم -كما يقول- وليس فيها شيء جديد أو مثير أو أصيل. وإن بدا هذا حكماً قاسياً، فإن كتاب «عصر السحرة» يثبت بكل تأكيد أن سنوات ما بين الحربين كانت بين أعظم ما شهدته البشرية من نشاط فكري.

* أستاذ التاريخ في
مدرسة لندن للاقتصاد.
المقالة مراجعة لكتاب «عصر السحرة: اختراع الفكر الحديث،
1919 - 1929»،
تأليف: فولفرام آيلنبرغر.
وترجمه عن الألمانية
شون وايتسايد.
المصدر: «ملحق التايمز الأدبي»



مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
TT

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

يتعرض المسلسل المصري «منّاعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس، كما تداولت وسائل إعلام مصرية أخباراً تُفيد بانفصال مخرج العمل حسين المنباوي، عن زوجته الفنانة مها نصار إحدى بطلات المسلسل، بجانب أزمة «الملصق الدعائي»، الذي نشرته الشركة المنتجة وخلا من أي عنصر نسائي باستثناء هند صبري.

وأكد منشور منسوب لمها نصار على حسابها الشخصي عبر «فيسبوك» وجود أزمة بالعمل، حيث اتهمت بطلة العمل هند صبري بـ«التطاول عليها وشن حملات ضدها، هي وبطلة أخرى بالعمل»، إلا أنها قامت بحذف منشورها، وتجاهلت الدعاية لمسلسل «منّاعة»، بينما نشرت منشورات لمسلسل «على قد الحب»، الذي تشارك به مع نيللي كريم.

وفور انتشار أزمة «الملصق الدعائي» قامت الشركة المنتجة بإضافة الفنانتين مها نصار، وهدى الإتربي، ونشره على حساباتها مجدداً، إلا أن الأمر زادت حدته بعد دخول الفنانة ميمي جمال على خط الأزمة؛ إذ أكدت في تصريحات إعلامية استنكارها لعدم وجودها ضمن نجوم الملصق برغم مساحة دورها الكبيرة.

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» (الشركة المنتجة)

ولم تتوقف الأزمة على كواليس «منّاعة»، بل طالت هند صبري بشكل خاص كونها البطلة؛ حيث استعادت تعليقات ومشاركات «سوشيالية»، موقف هند الداعم لـ«قافلة الصمود»، والذي أعلنته في يونيو (حزيران) الماضي عبر «ستوري»، حسابها على موقع «إنستغرام»، إلا أنها قامت بحذفه بعد الهجوم عليها، الذي وصل حد «المطالبة بترحيلها، وسحب الجنسية المصرية منها».

وبجانب ذلك طالبت تعليقات أخرى بمقاطعة «منّاعة»، بسبب تصريحات إعلامية منسوبة لمؤلفه عباس أبو الحسن، اعتبرها البعض مسيئة، خصوصاً بعد مقارنته بشكل ساخر بين العامل المصري، وآخر من إحدى الجنسيات.

وعن رأيه في مدى تأثير الخلافات على العمل الفني، أكد الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الخلافات تقلل من شأن أي عمل بالتأكيد، وأن ما يدور ربما يفسد المشروع بكامله؛ لأن فريق العمل تربطهم علاقات مختلفة أمام الكاميرا، بينما تطغى خلافاتهم بالواقع، وهذا الفصل في عقلية المشاهد ليس في صالح العمل، ويقلل من مصداقيته، ويتسبب في المقارنة بين الشخصية التمثيلية والحقيقية.

الفنانة هند صبري (حسابها على موقع فيسبوك)

وصرّح سمير الجمل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن دعوات المقاطعة التي تخص هند صبري وبعيداً عن كونها فنانة جيدة، موجودة بالمواقع، وليست بالواقع، موضحاً أن المشكلة الكبرى تكمن في قصة العمل، وحضور حي الباطنية مجدداً في دراما تلفزيونية، مستنكراً ذلك، ومتسائلاً: «هل نحن بحاجة لمثل هذه الموضوعات؟».

ويعيد «منّاعة» هند صبري للمنافسة ضمن سباق الدراما الرمضانية بعد غياب دام نحو 5 سنوات منذ مشاركاتها في مسلسل «هجمة مرتدة»، بطولة أحمد عز، برغم تقديمها أعمالاً فنية أخرى خارج الموسم، من بينها «البحث عن علا».

وعلى هامش حضورها لحفل «رمضان بريمير»، الذي أقامته «الشركة المتحدة» في مصر للإعلان عن أعمالها الفنية المشاركة في موسم رمضان 2026، وهو الحفل نفسه الذي شهد على حضور مخرج «مناعة» وزوجته حينها، أكدت هند صبري أن المسلسل تدور أحداثه في حقبة الثمانينيات بمنطقة الباطنية المجاورة للجامع الأزهر، وكيف انتهت تجارة المخدرات بها، والسيطرة على الوضع بها، مؤكدة في تصريحات أخرى «أن مقارناتها بالفنانة نادية الجندي بطلة فيلم (الباطنية) واردة»، لكنها أوضحت أن ما يجمع العملين هو حي «الباطنية» فقط.

وتجاهلت هند صبري أزمات «منّاعة»، بحساباتها على «السوشيال ميديا»، ولم تعلق على الأخبار المتداولة بأي شكل.

ويؤكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن هند صبري لا تحب الدخول في معارك جانبية خارج رقعة الفن.

وأوضح الشناوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هند صبري فنانة مثقفة وتتعامل بإنسانية، ولا يمكن أن ترى أن نجاح من حولها يشكّل خطورة عليها، بعد تألقها الفني الطاغي على مدار سنوات، كما وصف الشناوي ما يحدث بأنه «دخول في معارك خارج النص»، وأن هند صبري لن تتورط بها.

وفنياً بدأت هند صبري مشوارها في منتصف التسعينات، عبر الفيلم التونسي «صمت القصور»، بينما بدأت رحلتها الفنية بمصر مطلع الألفية الجديدة، وشاركت بأفلام عدة من بينها: «مذكرات مراهقة»، و«عايز حقي»، و«حالة حب»، و«ويجا»، و«ملك وكتابة»، و«الجزيرة»، و«إبراهيم الأبيض»، وقدمت مسلسلات مثل «عايزة أتجوز»، و«إمبراطورية مين»، «حلاوة الدنيا».


«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended