وسط مخاوف من العنف... ماذا لو تكرر سيناريو «بوش - آل غور»؟

الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش وآل غور (يسار) في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش وآل غور (يسار) في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

وسط مخاوف من العنف... ماذا لو تكرر سيناريو «بوش - آل غور»؟

الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش وآل غور (يسار) في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش وآل غور (يسار) في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

خلال رئاسة دونالد ترمب، أطلق على الأحداث السياسية اسم «أزمات دستورية» في كثير من الأحيان أكثر من أي فترة سابقة. وقبل عام 2016، كان استخدام المصطلح نادراً، وكانت آخر مرة عاشت فيها البلاد قلقاً من أزمة دستورية محتملة هي في أعقاب الانتخابات الرئاسية لعام 2000، والتي بلغت ذروتها في قرار المحكمة العليا المرتبط بالمرشحين الجمهوري جورج دبليو بوش والديمقراطي آل غور، بعد أكثر من شهر من يوم الانتخابات.
ومع اقترابنا من الذكرى العشرين للقرار، ومع وجود رئيس وعد بنقل نتائج الانتخابات إلى المحكمة، قد نواجه تكراراً محتملاً لتلك الأحداث، وربما أزمة دستورية حقيقية حول الانتخابات الرئاسية، والتي يمكن أن تؤدي إلى الفوضى وقد يصعب حلها، وفقاً لتقرير لصحيفة «نيويوركر».
إن الأزمة الدستورية ليست مجرد حالة لمخالفة الدستور أو عدم تطبيقه. إنها بالأحرى، وضع أكثر إرباكاً، حيث يكون فرعان من الحكومة في صراع نشط مع بعضهما بعضاً، لكن القواعد والمعايير الدستورية لا تخبرنا بكيفية حلها. كانت هناك أزمة دستورية حقيقية حول الانتخابات الرئاسية لعام 1876، عندما لم يفز صامويل جيه. تيلدن، الديمقراطي، ولا رذرفورد ب. هايز، الجمهوري، بأغلبية الهيئة الانتخابية (فاز تيلدن بالتصويت الشعبي).
وفي ولايات فلوريدا وساوث كارولينا ولويزيانا، حيث كانت عمليات فرز الأصوات قريبة، حاول الناخبون الديمقراطيون والجمهوريون المتنافسون إقناع الكونغرس بالاعتراف بأصواتهم. لإنهاء الصراع السياسي الذي دام أشهراً، والذي اتسم بالترهيب والحرمان من التصويت والتهديد بالعنف، عيّن الكونغرس لجنة انتخابية من الحزبين، تتألف من أعضاء من كل مجلس والمحكمة العليا. توصلت اللجنة إلى حل وسط، لسحب القوات الفيدرالية من الجنوب، وإنهاء إعادة الإعمار فعلياً، مقابل منح الأصوات الانتخابية للولايات المتنازع عليها إلى هايز، الذي أصبح رئيساً.
* قضية بوش - آل غور
ولم يقترب أي نزاع انتخابي من مستوى انتخابات عام 1876 حتى عام 2000، عندما، كما يتذكر الكثيرون، توقفت النتيجة على فرز الأصوات في فلوريدا، حيث كانت الأرقام قريبة جداً؛ ما نجم عن ذلك إعادة فرز الأصوات في مقاطعات عدة. وبعد ثلاثة أسابيع من يوم الانتخابات، بينما كانت عمليات إعادة الفرز لا تزال جارية، أقرت وزيرة الخارجية الجمهورية في فلوريدا، كاثرين هاريس، فوز جورج دبليو بوش بهامش خمسمائة وسبعة وثلاثين صوتاً؛ مما منحه عدداً كافياً من أصوات الهيئة الانتخابية للفوز بالرئاسة. ثم رفع آل غور دعوى قضائية في محكمة فلوريدا للمطالبة بمواصلة عمليات إعادة الفرز. وفي الثامن من ديسمبر (كانون الأول)، أمرت المحكمة العليا في فلوريدا بإعادة فرز الأصوات يدوياً على مستوى الولاية لـ«الأصوات الناقصة»، وهي بطاقات الاقتراع التي لم يسجل العد الآلي منها أصواتاً.
وطلب بوش على الفور من المحكمة العليا الأميركية عكس هذا القرار. رأت المحكمة أن إعادة فرز «الأصوات الناقصة» فقط وعدم وجود معايير موحدة لفرز الأصوات المتنازع عليها ينتهك بند الحماية المتساوية في المادة الرابعة عشرة، مع موافقة سبعة قضاة على الأسس الموضوعية. وبسبب معارضة القضاة الأربعة الليبراليين، أمرت أغلبية المحكمة أيضاً بإنهاء إعادة الفرز، بدلاً من إعادة القضية إلى محكمة فلوريدا لوضع معايير مقبولة. وغذى هذا الحل الاعتقاد السائد بأن المحكمة قررت نتائج الانتخابات الرئاسية: كان ذلك يعني أن شهادة هاريس السابقة لبوش كفائز في فلوريدا جعلت بوش هو الرئيس المنتخب.
وقبل آل غور قرار المحكمة العليا ووافق على انتخاب بوش. ولو لم يتنحَ حينها وضغط بدلاً من ذلك على دعوى ربما من خلال العودة إلى محاكم فلوريدا للمطالبة بإعادة فرز جديدة، وحث الديمقراطيين على رفض قرار المحكمة بشأن هذه المسألة، فربما كنا اتجهنا إلى أزمة دستورية حقيقية آنذاك.
ووجد الكثيرون أنه من غير اللائق أن تتم تسوية الانتخابات الرئاسية من قبل المحكمة العليا، لا سيما عندما تم تقسيم القضاة بشكل حاد، من خمسة إلى أربعة، على أسس حزبية. ولكن، في وقت لاحق، فإن أمر المحكمة، عندما يقترن برد غور، وقبول الجمهور له، ضمن تجنب حدوث أزمة. في العام التالي، وجدت مراجعة لأوراق الاقتراع من قبل مجموعة من المؤسسات الإخبارية، أن بوش كان سيفوز بفارق ضئيل حتى لو سمحت المحكمة بإعادة فرز الأصوات في فلوريدا.
* إعادة لسيناريو عام 2000؟
في خريف هذا العام، تسببت حالات لا تعد ولا تحصى حول ترتيبات التصويت في الولايات، بما في ذلك الولايات المتأرجحة مثل أريزونا، وفلوريدا، وجورجيا، وأيوا، وميتشيغان، ومينيسوتا، ونيفادا، ونورث كارولينا، وبنسلفانيا، وتكساس وويسكونسن، في خلق إحساس مقلق مع اقتراب يوم الانتخابات. ولكن، حتى الآن، كانت المعارك القانونية مثيرة للجدل، ولكنها خلافات قابلة للحل حول الوصول إلى التصويت؛ نظراً للمخاوف بشأن مخاطر التصويت الشخصي والتأخير في النظام البريدي.
وكانت المعارك تدور حول المواعيد النهائية للتسجيل للتصويت، وإرسال بطاقات الاقتراع بالبريد، وتسلم بطاقات الاقتراع ليتم عدها، وحول من يمكنه التصويت غيابياً، أو توزيع طلبات الاقتراع الغيابي، أو جمع بطاقات الاقتراع، أو العمل كعاملين في الاقتراع. وكانت هناك أسئلة حول تسليم بطاقات الاقتراع الإلكترونية، أو التصويت على الرصيف أو من السيارة، وحمل الأسلحة النارية علانية في أماكن الاقتراع، وحتى حول ما إذا كان يجب على الناخبين ارتداء الأقنعة.
وبشكل عام، عكست الحالات قبول كل من الديمقراطيين والجمهوريين بأن زيادة التصويت من المرجح أن تفيد المرشحين الديمقراطيين.
ووصلت أكثر من خمس عشرة قضية إلى المحكمة العليا حتى الآن، حيث تم تقسيم النتائج بالتساوي بين تفضيل الديمقراطيين وتفضيل الجمهوريين.
ومن الواضح أن المحكمة العليا تترك الولايات لتحديد قواعد الانتخابات الخاصة بها وترفض تعديلات المحاكم الفيدرالية لها. وهذا يعني أن بطاقات الاقتراع التي تصل بعد يوم الانتخابات سيتم احتسابها في بعض الولايات ولكن ليس في أخرى، وهو تباين محير رغم أنه ربما لا يكون مخالفاً للدستور.
إن احتمال أن يسعى المرشحون إلى قلب هوامش الأصوات الضيقة في الولايات المتأرجحة من خلال قرار المحكمة حول كيفية فرز الأصوات يعيد إحياء ذكريات بوش ضد غور ويثير احتمال أن تلعب المحكمة مرة أخرى دوراً حاسماً في الانتخابات.
وقال القاضي أنتونين سكاليا لشبكة «سي إن إن» في عام 2012، إنه بمجرد وصول المتقاضين إلى المحكمة، كان «السؤال الوحيد الذي يتعين البت فيه هو ما إذا كان سيتم البت في الرئاسة من قبل المحكمة العليا في فلوريدا أو المحكمة العليا للولايات المتحدة». بالطبع، لا يمكن للمحكمة العليا أن تقرر الانتخابات إذا لم يحِل الطرفان نزاعاتهما إلى المحكمة.
وغالباً ما يقال حول النزاع الشهير بين بوش وآل غور، بأن «اعتبار المحكمة يقتصر على الظروف الحالية». وأشار القاضي بريت كافانو بشكل إيجابي إلى قضية بوش ضد غور في رأيه المؤيد في قضية الموعد النهائي للاقتراع الغيابي في ويسكونسن، من أجل التأكيد على «الدور القضائي الفيدرالي المهم في مراجعة قرارات محاكم الولاية بشأن قانون الولاية في الانتخابات الرئاسية الفيدرالية». وأثار هذا البيان مخاوف من أن بعض القضاة المحافظين على الأقل مستعدون للتكهن بقرارات محكمة الولاية بشأن قانون انتخابات الولاية لصالح ترمب، تماماً كما نقضت المحكمة قرار إعادة فرز الأصوات الذي أصدرته المحكمة العليا في فلوريدا وقررت انتخاب بوش عام 2000.
* الطريق إلى العنف
ويمكن أن تكون الأزمة الدستورية مرحلة مبكرة على طريق الفشل الدستوري. إن الفشل النهائي للدستور هو بالطبع الحرب الأهلية. واحتمال اندلاع أعمال عنف يطارد الأيام والأشهر المقبلة، لا سيما في ضوء استطلاعات الرأي التي تظهر أن ثلث الأميركيين على الأقل، من الجمهوريين والديمقراطيين، يعتقدون أن العنف مبرر إذا فاز مرشح الطرف الآخر في الانتخابات.
وانتهت انتخابات عام 2000 بنفور من الأزمة، عندما اتخذ الديمقراطيون قراراً صعباً بالابتعاد عن القتال بعد أن أصدرت المحكمة العليا قرارها. ولكن منذ ذلك الحين، وخاصة بعد السنوات الأربع الماضية، كان هناك عداء أكبر بكثير بين المواطنين وثقة أقل بكثير في الديمقراطية، وسيادة القانون، والمحكمة العليا. هذه المرة، يبدو أن الكثيرين على استعداد لإخراج الصراع إلى الشوارع.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».