مع اقتراب موعد الاقتراع الرئاسي في الولايات المتحدة، يتخبط الجمهوريون والديمقراطيون في دوامة من الصراعات الجانبية للحفاظ على مقاعدهم في الكونغرس. فالانتخابات التشريعية التي تجري في اليوم نفسه من الانتخابات الرئاسية سترسم معالم الكونغرس الجديد، وتحدد العلاقة المستقبلية بين السلطة التشريعية والرئيس المقبل. وتختلف طبيعة هذه العلاقة حسب النتيجة التي ستصدر، وفق أربعة سيناريوهات.
السيناريو الأول
إذا بقي دونالد ترمب سيد المكتب البيضاوي، وفاز الديمقراطيون بأغلبية مجلسي الشيوخ والنواب، فهذا سيضع عقبات حقيقية أمام أجندة ترمب في عهده الجديد، وسيزيد من التوتر المخيّم أصلاً على الساحة السياسية الأميركية بشكل قد يخرج عن السيطرة. فالديمقراطيون توعدوا بالرد على قرارات الرئيس الأميركي التي دعمها زملاؤهم الجمهوريون، وهم لن يترددوا في عرقلة أي طرح يقدمه إليهم. وسيتمكنون بحكم أغلبيتهم في المجلسين من تحدي ترمب عبر تمرير مشاريع قوانين يتفق عليها الحزب الديمقراطي. لكن مصير هذه القوانين سيكون متعلقاً بعدد الأغلبية التي سيتمكنون من انتزاعها في الانتخابات.
فعلى الرغم من أن وظيفة الكونغرس تنص على تمرير مشاريع قوانين، بصفته المجلس التشريعي للبلاد، فإن هذه المشاريع تحتاج إلى توقيع الرئيس الأميركي كي تصبح قانوناً نافذ المفعول. وهنا المفارقة، فقلم الفيتو الرئاسي ينتظر المشرعين بالمرصاد، ولا يمكن التصدي له إلا من خلال رقم سحري، وهو أغلبية ثلثي الأصوات في مجلسي الشيوخ والنواب.
لهذا، فإن فوز الديمقراطيين بالأغلبية البسيطة وبقاء ترمب في السلطة لن يشكل العلاج المنشود للحزب الديمقراطي، إلا في حال فاز هؤلاء بالأغلبية الساحقة التي تضمن لهم ثلثي الأصوات في المجلسين، أي 67 مقعداً في الشيوخ و290 مقعداً في مجلس النواب. حالياً، يتمتع الديمقراطيون بـ47 مقعداً فقط في الشيوخ و232 مقعداً في النواب.
وإلى جانب سنّ القوانين، ينص الدستور الأميركي على أن وظيفة مجلس الشيوخ هي المصادقة على التعيينات الرئاسية، هذا يعني أن السيناريو الأول يجعل من شبه المستحيل على ترمب تمرير تعييناته من دون مفاوضات وتسويات. كما أن هذا السيناريو سيعزز من سعي الديمقراطيين إلى عزل الرئيس الأميركي مجدداً، وعلى الأرجح أن ينجحوا بذلك إذا ما فازوا بالأغلبية الساحقة.
السيناريو الثاني
فوز بايدن بالرئاسة وانتزاع الديمقراطيين للأغلبية في المجلسين، وهذا هو الحلم الديمقراطي. في هذا السيناريو، سيعيش الديمقراطيون فترة وردية ستفسح لهم المجال لتطبيق أجندتهم. لكن اللائحة طويلة وصعبة التنفيذ، في وقت تمر به البلاد بأزمات متلاحقة خلقها فيروس «كورونا». وتشمل التحديات ملفات الرعاية الصحية والاقتصاد والهجرة والتغير المناخي وإصلاحات الشرطة، وغيرها.
وقد يظن القارئ أن هذا السيناريو سيوفر للديمقراطيين وبايدن فرصة ذهبية لتحقيق أحلامهم السياسية كلها، لكن الواقع سيكون مختلفاً. فتصاعد نفوذ التقدميين في الحزب سيعكر الأجواء ويسلّط الضوء أكثر فأكثر على الانقسامات الداخلية في الحزب، خصوصاً إذا ما فاز هؤلاء بالمزيد من المقاعد في الانتخابات، وهو أمر متوقع. فالتقدميون يختلفون مع بايدن على أسلوب التعاطي مع الأزمات الحالية، وسوف يضغطون عليه وعلى زعماء الحزب لاتخاذ قرارات تناسب رؤيتهم، خصوصاً في ملفات الرعاية الصحية والتغير المناخي، والمحكمة العليا. وسيحاول بايدن التوصل إلى تسويات معهم في هذه الملفات، لكنه سيكون بحاجة إلى دعم وجوه تقدمية بارزة مثل برني ساندرز وإليزابيث وارن، لهذا تزداد الترجيحات بأن يعطي بايدن ساندرز أو وارن مناصب في إدارته للتودد إلى قاعدة الحزب التقدمية.
السيناريو الثالث
فوز بايدن وإبقاء الجمهوريين على أغلبيتهم في الشيوخ. سيجبر هذا السيناريو الطرفين على التسوية والتفاوض. وهو أمر يتباهى بايدن بمهاراته فيه، ويعتمد على العلاقات التي تجمعه مع الجمهوريين والتي كرّسها خلال فترة خدمته في مجلس الشيوخ منذ عام 1973. لكن ثمة تغييرات كثيرة طرأت على المجلس منذ أن كان فيه، فلم يبقَ من أصدقائه القدامى هناك سوى 34 سيناتوراً خدموا معه. الأمر الذي سيصعّب من مهمته، ويجعله بحاجة ماسّة لرئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، لدعمه في تمرير أجندته. ويرجح الكثيرون أن يعمد بايدن إلى تعيين وزراء في إدارته من الحزب الجمهوري لمساعدته في التفاوض مع الكونغرس.
ومما لا شك فيه أن تصريحات بايدن في المناظرة الأخيرة التي جمعت بينه وبين ترمب، حيث اتهم الأغلبية الجمهورية في الكونغرس بعرقلة الإصلاحات التي سعت إدارة أوباما لفرضها، ستلقي بظلالها على علاقته مع الجمهوريين، الذين سيذكّرونه بها كلما سنحت لهم الفرصة.
السيناريو الرابع
فوز ترمب واحتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ، وهو سيناريو الوضع الراهن، حيث لن تحدث تغييرات تُذكر في الساحة السياسية، وستبقى الأمور كما عهدناها منذ عام 2016. ولعلّ الفارق الوحيد سيكون أن فوز ترمب والجمهوريين سيعطيهم دفعاً كبيراً وثقة أكبر للاستمرار في سياساتهم التي اعتمدوها.
شهدت علاقة الرئيس ترمب بالمشرعين الديمقراطيين عدة تحديات خلال السنوات الأربع الماضية (غيتي)
