تشيلي: عبر الاستفتاء كسب مناهضو اليمين جولة... ولم يحسموا الحرب

وسط انقسامات اليسار التنظيمية وضعف ذاكرة جيل الشباب وتجربته

تشيلي: عبر الاستفتاء كسب مناهضو اليمين جولة... ولم يحسموا الحرب
TT

تشيلي: عبر الاستفتاء كسب مناهضو اليمين جولة... ولم يحسموا الحرب

تشيلي: عبر الاستفتاء كسب مناهضو اليمين جولة... ولم يحسموا الحرب

بعد التأييد الكاسح الذي أسفر عنه الاستفتاء الشعبي يوم الأحد الفائت لتغيير دستور العام 1980 دخلت تشيلي الشوط الأخير من مسيرة طي صفحة ديكتاتورية الجنرال آوغوستو بينوتشيه الذي رحل منذ 40 سنة تاركا وراءه إرثا ثقيلا من القمع السياسي وترسانة من التشريعات الليبرالية تحت عباءة دستورية تحاول القوى الديمقراطية تفكيكها منذ سنوات بصعوبة فائقة.
وبلغت نسبة المؤيدين لتغيير الدستور 78 في المائة من الناخبين الذين شاركوا في الاستفتاء بما يزيد على 51 في المائة رغم الوضع الوبائي الذي تشهده البلاد. ومن المقرر أن تبدأ هذه المرحلة الجديدة التي مهّدت لها نتيجة الاستفتاء في أبريل (نيسان) المقبل باختيار 155 مواطنا، بالتساوي بين الرجال والنساء، يمثّلون مختلف القطاعات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لوضع نص الدستور الجديد الذي سيحلّ مكان الدستور الحالي. وستُعطى الهيئة المكلّفة صياغة الدستور الجديد مهلة لا تتجاوز السنة لوضع نص دستوري يحدد معالم وصفات النظام الجديد للحكم الذي سيعرض على الاستفتاء الشعبي في العام 2022 على أن يدخل حيّز التنفيذ بحلول خريف تلك السنة.
من المتوقع أن يشكّل باب الحقوق الاجتماعية العقدة الرئيسية أمام واضعي الدستور الجديد في تشيلي، إضافة إلى أبواب أخرى مهمة مثل نظام الحكم الذي تتنازع حوله اتجاهات ثلاثة بين مؤيد لنظام رئاسي أو شبه رئاسي أو مدافع عن نظام برلماني صرف يقصر صلاحيات رئيس الجمهورية على مراقبة المؤسسات ودستورية قراراتها. وتقول كلاوديا هايس، أستاذة السياسات العامة في جامعة سانتياغو، إن «الحقوق الاجتماعية هي الرحى التي ستدور حولها المعركة الحقيقية بين اليمين واليسار في صياغة الدستور الجديد». وتضيف موضحة أن القوى والأحزاب اليمينية تعتبر أن تكريس الحقوق الاجتماعية في النص الدستوري سيدفع البلاد نحو الإفلاس الاقتصادي، إذ ينيط القضاء بصلاحية إلزام الدولة تخصيص الموارد العامة لتفعيل الحقوق الاجتماعية التي يطالب بها العمال والموظفون. إلا أن المعسكر اليساري يعتبر أن هذه المخاوف ليس لها ما يسوّغها، خاصة، وأن انفجار الاحتجاجات الشعبية التي عصفت بالبلاد خريف العام الماضي أظهرت رسوخ المطالب الاجتماعية بتكريس حقوق التعليم والصحة والمعاشات التقاعدية والمسكن والعمل والحفاظ على البيئة في القوانين الأساسية. ومن ثم، فإن تجاهل هذه الحقوق سيفتح الباب مجددا على الاهتزاز وتقويض الاستقرار الاجتماعي الذي لا يتحقق نمو اقتصادي من دونه.
في هذه الأثناء، يحذّر خبراء دستوريون من أن تكريس حق منظمات المجتمع المدني والنقابات في معالجة المشاكل العامة، وإيجاد حلول لها في النصوص الدستورية، من شأنه أن يفتح الباب واسعا أمام الجدل القانوني المعقّد بين المؤسسات ويحمل بذور أزمات مستعصية، علما بأن معظم الدساتير الديمقراطية تحصر هذا الحق في الدولة ومؤسساتها وفتح الباب أمام الاحتكام للقضاء المختص في حال المنازعات.
أيضا، تجدر الإشارة إلى أن الدستور التشيلي الحالي خضع لأكثر من 50 تعديلا في غضون العقدين الماضيين، لكن من دون أن يمسّ أي منها الجوانب الليبرالية المُفرطة التي تضمن حقوق المؤسسات الخاصة وأصحاب العمل في تسوية والبتّ في مشاكل عامة مثل التعليم والصحة... وحتى الضمان الاجتماعي.

امتيازات موروثة لـ«البينوتشيين»

يتضمّن الدستور الحالي الموروث من عهد بينوتشيه أحكاما توفّر الحماية القانونية للعسكر وحلفائهم بعد تسليم السلطة عام 1990. وتمنح القيادات العسكرية مقاعد في مجلس الشيوخ وصلاحية اختيار القائد العام للقوات المسلحة، كما تخصّص 10 في المائة من الواردات الضخمة لمناجم النحاس للموازنة العسكرية. يُضاف إلى كل ذلك، أن الدستور نصّ على منح عفو عن بينوتشيه وعدد من كبار معاونيه العسكريين الذين أشرفوا على جرائم القمع والتعذيب والاغتيالات التي تعرّض لها آلاف المعارضين السياسيين. وأرسى دعائم نظام انتخابي صمّم خصيصا لصالح الأحزاب اليمينية والمحافظة وحظر مشاركة الأحزاب اليسارية المتطرفة في الانتخابات.
وكان آخر التعديلات على الدستور قد أدخل في العام 2005 حين ألغيت المواد التي تضمن استقلالية المؤسسة العسكرية عن السلطة المدنية والمقاعد المخصصة للمتقاعدين من قيادات الجيش في مجلس الشيوخ مدى الحياة. لكن رغم ذلك بقيت الغالبية المطلوبة لتعديل أحكام الدستور عائقا في وجه إجراء إصلاحات أساسية.
من ناحية أخرى، في العقود الثلاثة الماضية شهدت تشيلي مراحل متتالية من النمو الاقتصادي جعل من نموذجها الإنمائي الليبرالي مثالا تدعو المؤسسات المالية الدولية إلى الاقتداء به. وكانت أول دولة في أميركا اللاتينية ترتقي إلى مرتبة الاقتصادات الناشئة وتنضمّ إلى «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» في العام 2010، ما شكّل «اعترافا دوليا بالجهود التي بذلتها تشيلي لإصلاح نظامها الديمقراطي وسياساتها الاقتصادية»، كما جاء في البيان الرسمي للمنظمة يوم الإعلان عن انضمام تشيلي إليها.
غير أن تلك الطفرة الاقتصادية، التي بقيت عائداتها مقصورة على فئة محدودة جدا من المواطنين جمعت ثرواتها وراكمت نفوذها في ظل نظام بينوتشيه، لم تعالج مواطن الخلل الاجتماعي العميق. وحقا، راح هذا الخلل يتنامى في السنوات الأخيرة إلى أن انفجرت موجة الاحتجاجات الشعبية العارمة أواخر العام الماضي لتكشف هشاشة النموذج التشيلي وتضع البلاد على مسار خطير من الاضطرابات العنيفة التي لم تخبُ إلا في مطالع العام الجاري مع هبوب عاصفة جائحة (كوفيد - 19).
يولاندا غيرّيرو، الباحثة في علم الاجتماع السياسي بجامعة سانتياغو قالت إن «رسوخ التوتاليتارية وتكريسها في أحكام الدستور هو بمثابة قنبلة موقوتة في النظم الديمقراطية يمكن أن تنفجر في أي لحظة أمام أي أزمة اجتماعية حادة، خاصة عندما تكون النصوص الدستورية ضامنة لمصالح فئة معيّنة من المواطنين ومهمّشة للأكثرية في وضع السياسات العامة ومحاسبة المسؤولين». وبالفعل، أدّت تلك الاحتجاجات التي عمّت شوارع العاصمة سانتياغو وجميع المدن الكبرى في البلاد، وما تخللها من أعمال شغب وقمع على يد الأجهزة الأمنية، إلى تقويض سمعة تشيلي كنموذج للاستقرار والنمو في أميركا اللاتينية طوال 40 سنة. واستمرت هذه السمعة بالتدهور مع الاستجابة المتعثّرة لجائحة (كوفيد - 19) عندما تحوّلت تشيلي إلى إحدى البؤر الكبرى لانتشار الفيروس القاتل في أميركا اللاتينية والعالم.

مظاهرات العام الماضي

ثم إنه عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع في العام الماضي، وكان معظمهم من الطلاب والعمّال، كانت مطالبهم تركّز على تلبية احتياجات أساسية كزيادة الأجور لمواجهة غلاء المعيشة المستفحل، وتحسين الخدمات الصحية والمواصلات العامة، والتعليم الرسمي المجاني، ونظام التقاعد وحقوق الأقليات العرقية. لكنهم، بجانب كل ذلك، كانوا يطالبون أيضا بدور فاعل في رسم السياسات العامة التي منذ سنوات طويلة أهملت خلالها مطالب الناس الأساسية وانصرفت السلطات إلى موازنة الحسابات واستقطاب الاستثمارات الخارجية والحفاظ على الاستقرار.
وعليه، يرى المراقبون اليوم أن الدستور الجديد هو المفتاح لتلبية هذه المطالب الاجتماعية الملحّة التي ما عاد من الممكن تجاهلها أو تأجيلها، كما أنه يشكّل مخرجا من مأزق الإفلاس السياسي الذي وصل إليه النظام في الفترة الأخيرة. ومن شأن هذه المرحلة التي بدأت الآن لوضع نصّ دستوري جديد أن تملأ الفراغ الناجم عن العجز في القيادات السياسية، من خلال إشراك المواطنين في مسار استشاري واسع لتحديد معالم المستقبل انطلاقا من الاهتمام بمصالحهم الأساسية.
في سياق متصل، بينما يخشى البعض أن تأتي هذه الخطوة الإصلاحية الكبيرة لتحقيق حزمة واسعة من المطالب الاجتماعية والسياسية على حساب موقع تشيلي كقوة اقتصادية في المنطقة، يرى المدافعون عن الإصلاح أن نظاما سياسيا جديدا يعزّز حقوق غالبية المواطنين ويضمنها بموجب أحكام دستورية سيساعد على الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأنه سيعود في نهاية المطاف بالمنفعة على أصحاب العمل والشركات الكبرى. ويضرب المدافعون عن الإصلاح أمثلة على بعض أعرق النظم الديمقراطية وأكثرها تطورا في العالم، مثل السويد والدنمارك، التي ألغت دساتيرها التوتاليتارية بعد الحرب العالمية وبدأت مسيرة نحو النمو والازدهار ما زالت مستمرة إلى اليوم.
هذا، ومن المقرر اختيار أعضاء الهيئة التي ستكلّف وضع الدستور الجديد في انتخابات تخضع لنفس القواعد المرعيّة في اختيار أعضاء البرلمان. وهو أمر يدفع إلى خشية البعض من أن تكون هذه الهيئة انعكاسا للقوى التي تشكّل المشهد السياسي الحالي... الذي جاءت نتيجة الاستفتاء كضربة قاسية لصدقيته المتآكلة منذ سنوات. وفي ضوء ذلك، تقترح جهات أكاديمية وحقوقية تغيير نظام اختيار «الهيئة الدستورية» واعتماد «نظام القرعة»، كما في بعض الدول الاسكندينافية، أو نظام «اللائحة الوطنية النسبية الواحدة» التي تفتح الباب واسعا أمام تمثيل عدد أكبر من الفئات الاجتماعية والمستقلّين.
وللعلم، كانت الحكومة اليمينية الحالية التي يرأسها الرئيس المليونير سيباستيان بينييرا قد حاولت تأجيل الاستفتاء، ثم تغيير شروطه ومساره، إلا أنها رضخت في النهاية أمام ضغط الشارع، وتبنّت اقتراح الدعوة لإجرائه وفقا للقواعد التي وضعتها الحكومة السابقة.
ويحاول بينييرا الآن قطع الطريق أمام تغيير جذري في النظام السياسي، في حين تتهمه المعارضة باستغلال جائحة (كوفيد - 19) لفرض قواعد وشروط جديدة على عملية اختيار أعضاء «الهيئة الدستورية».

مخاطر المستقبل

في هذه الأثناء، تحذّر أوساط أكاديمية تشيلية كثيرة من أن الهدوء الذي ساد استفتاء الأحد الماضي، والروح المدنية العالية التي عكستها نسبة المشاركة رغم ظروف جائحة (كوفيد - 19)، لا يجوز أن تحجب عن الأنظار ما يعتمل من غضب ونقمة داخل المجتمع التشيلي، ولا سيما، وسط الطلاب والعمّال. وتذكّر هذه الأوساط بالعنف الذي تميّزت به الاحتجاجات الأخيرة، وما رافقها من أعمال شغب وتدمير، بعد القمع الذي مارسته قوى الأمن وأعاد إلى الأذهان أبشع مراحل النظام الديكتاتوري السابق.
من جانب آخر، يقول المؤيدون لتغيير الدستور إن استفتاء العام 1990 أعاد لهم الديمقراطية ولكن من دون المضمون الذي يكفل لهم ممارستها السياسية، ولذا فهذا الاستفتاء الجديد سيعيد لهم حق ممارسة السياسة في الديمقراطية. لكن المراقبين ينبّهون إلى أن المشهد الذي عاشته مدن تشيلي وشوارعها خلال احتجاجات العام الماضي، لا يختلف كثيرا عن المشهد الذي سادها في العام 1973 عندما سقطت ديمقراطية الرئيس اليساري سالفادور الليندي في قبضة العسكر تحت مظلّة أميركية وارفة.
إنها الشعارات نفسها، الأغاني نفسها، والعنف نفسه... الذي لم يوفّر حتى الكنائس والمتاحف، إلى أن هبّت عاصفة الجائحة الهوجاء، ربما لتعيد الأمور إلى المسار الذي يوفّر على التاريخ التشيلي العودة إلى تكرار فصوله القاسية.

«السيناريوهات» الحالية والمرتقبة للصراع السياسي
> يدور الصراع السياسي الآن في تشيلي بين القوى اليمينية والمحافظة المؤيدة للحكومة من جهة، والمعارضة الوسطية واليسارية من جهة أخرى، حول انتخاب أعضاء «الهيئة الدستورية» للحصول على غالبية الثلثين اللازمة للموافقة على مضمون النصوص الدستورية الجديدة.
ويبدأ هذا الصراع من خط انطلاق لصالح الحكومة والقوى المؤيدة لها، التي يسهل توحيد مواقفها بالنظر إلى قلة عددها وتوافر الانسجام بين مصالحها. وهذا بعكس حال قوى المعارضة وأحزابها التي يربو عددها على 15 حزبا وجماعة تتضارب أهدافها في أمور كثيرة. ويحذّر مراقبون من الاعتقاد بأن نتيجة استفتاء الأحد الماضي تعكس التوزيع السياسي الراهن في البلاد، وأن شعبية القوى اليمينية لا تتجاوز نسبة 22 في المائة من المواطنين الذين رفضوا اقتراح تغيير الدستور.
في ضوء هذا الواقع وتركّز الحكومة اليمينية جهودها الآن على توحيد صفوف القوى المؤيدة لها تأهبا للمعركة الانتخابية في الربيع المقبل. وهي تدرك سلفا أن المعارضة المتفرقة ستجد صعوبة كبيرة للتوصل إلى اتفاقات وتحالفات متينة لتأييد فريق المرشحين نفسه لعضوية «الهيئة». ولكن، رغم معرفة الحكومة أن نسبة المؤيدين في الاستفتاء لا تعكس التأييد الشعبي للمعارضة، فإنها تخشى من ردة فعل الشارع ومن الاضطرابات التي يمكن أن تقوم بها الجماعات التي تعتبر نتيجة الاستفتاء رسالة احتجاج قوية موجّهة إلى الحكومة ومن خلفها معسكر اليمين.
هذا، ومن المقرر، بعد انتخاب أعضاء «الهيئة الدستورية» في موعد أقصاه منتصف مايو (أيار) المقبل، أن تنتخب «الهيئة» رئيسا لها، ومن ثم، تشرع في وضع الدستور الجديد والموافقة عليه ضمن فترة 9 أشهر، قابلة للتمديد 3 أشهر مرة واحدة، قبل أن يُعرض النص الدستوري على استفتاء تكون المشاركة فيه إلزامية. ومن المتوقع، أن يكون الدستور الجديد جاهزا للاستفتاء منتصف العام 2022، أي عندما تكون تشيلي قد انتخبت رئيسا جديدا للجمهورية.

مقارنات إقليمية وحسابات بالأرقام
> يقول المدافعون عن النموذج الاقتصادي التشيلي إن معدلات الفقر في البلاد تراجعت من 39 في المائة في العام 1990 إلى 7 في المائة فقط في العام 2017 في حين ارتفع متوسط دخل الفرد خلال الفترة ذاتها من 4 آلاف دولار أميركي إلى 15 ألف دولار سنويا. ويضيفون أن العقود الثلاثة الماضية كانت الأكثر رفاهية وديمقراطية في تاريخ تشيلي.
أيضا، يقول باحثون إن النموذج التشيلي نجح على جبهة النمو الاقتصادي العريضة، إلا أنه أخفق في توزيع مكاسب هذا النمو واستخدامه لتوطيد نظام الخدمات الاجتماعية الأساسية الذي لم يتغيّر طوال فترة النمو الطويلة، لا بل تراجع في قطاعات حيوية مثل التعليم والعناية الصحية. ويحذّر هؤلاء من أن الأجيال الشابة التي ولدت في ظل النظام الديمقراطي لا تشعر بالخوف - والأرجح، لا تتذكّر - الذي يسكن الأجيال السابقة التي تعرّضت للقمع. وبالتالي، فهي ليست مستعدة للمساومة عند المطالبة بحقوقها، غير مدركة مدى سهولة ضياع الديمقراطية، إذا ما تحرّكت قوى الديكتاتورية.
من ناحية ثانية، لا شك في أن أزمة (كوفيد - 19) وتداعياتها الصحية والاقتصادية قد أسدلت ستارا مؤقتا على تطورات المشهد السياسي والاجتماعي في تشيلي، كما في الكثير من البلدان الأميركية اللاتينية الأخرى التي عاشت سلسلة من الاضطرابات العنيفة طوال العام الماضي. لكن يبقى مآل هذه التطورات موعدا مؤجّلا، ليس فقط بالنسبة لتشيلي، بل أيضا لجوارها الواسع، لدى استعاد صراعاته السياسية والاجتماعية الحادة التي ميّزت تاريخه منذ الاستقلال. لكن هذه المرة في هذه البلدان أنها تجد نفسها في ظل معادلات دولية جديدة.
وتكفي نظرة سريعة على المشهد المجاور وما تخلله من تطورات في السنوات القليلة الأخيرة. إذ وصل اليميني المتطرف جاير بولسونارو إلى الرئاسة في البرازيل، وانتخب كل من اليساري المعتدل آندريس مانويل لوبيز أوبرادور في المكسيك واليساري المعتدل ألبرتو فرنانديز في الأرجنتين، وعاد حزب إيفو موراليس اليساري إلى الحكم في بوليفيا، ما يعني أن أميركا اللاتينية عادت لتصبح مرة أخرى «رقعة شطرنج» تتبارز عليها البيادق المحلية بدعم وتوجيه من القوى الخارجية الكبرى.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.