الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

صاحب «الصنم» و«انحراف حاد».. وصلت أعماله للقائمة القصيرة لـ«البوكر» العربية

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»
TT

الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»

كانت القصة القصيرة جواز مروره لعالم الأدب، ويبدو أن الجدل الذي يثيره الكاتب أشرف الخمايسي في فضاء السردية المصرية العائد إليها بقوة، بعد انقطاع دام 10 سنوات، سوف يزداد مع مجموعته القصصية الجديدة: «أهواك.. خمس نوفيلات حول أسطورة العشق» التي ستصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2015، وضمت 5 قصص قصيرة، تمتلئ بعشق الرموز الدينية، منها «المنبر» و«المسجد»، لكن الخمايسي يكتب بلا سقف، ويقول: «الإبداع الحقيقي صادم دائما، يجعلنا نعيد التفكير في كل الثوابت المقيدة، وهي دائما ما تخلق المشاكل على المستوى السياسي والديني والثقافي». بهذه الروح المخلوطة بالواقعية السحرية، وصلت روايتان له إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ووصلت روايته الثالثة «انحراف حاد» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.
تدور مناخات الخمايسي السردية حول عصب أساسي هو ثنائية الموت والخلود، لكنهما معا يشكلان حالة من العشق الإنساني، تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الجسد والروح. هذا الهم برز على نحو لافت في مجموعته القصصية «الجبريلية»، ورواية «الصنم» عام 2000. وكذلك مجموعته القصصية الجديدة «أهواك»، التي يقول عنها: «كلها تدور عن حالات عشق، وكل قصة مختلفة عن الأخرى، لكنهم يشتركون في عامل واحد في الحب والعشق».
يضيف الخمايسي: «لا أريد أن أموت، وأبغي الانتصار على الموت، لكن يهمني أن من يقرأ كل رواية لا ينتظر رواية مكملة لها. لا أكتب رباعية، لكن كل رواية مكتملة وقائمة بذاتها لها توجهها ومذاقها الخاص ولغتها التي تجسد فكرة الخلود. (الصنم) فيها عجائبية الإنسان، وانحراف حاد فيها سرعة (الميكروباص)، وحرصت على ألا أكشف الشخصيات لنفسها في (الميكروباص) نفسه، بعكس (منافي الرب) التي كان فيها بطء الناقة وتأمل الصحراء، أما الرواية الجديدة (صوفيا هارون) فتتكلم عن مرحلة جديدة من مراحل الموت، وأعد القراء بأنها ستكون رواية مدهشة، وسوف تتبعها رواية (ضيف الله)، وبذلك ينتهي مشروعي الأدبي في معالجة فكرة الموت والانتصار عليه».
حينما قلت له إن نشأته في الأقصر بين المعابد والحضارة الفرعونية الخالدة ربما كانت هي الدافع في بحثه عن الخلود، كان له رأي مغاير: «وُلدت في الأقصر وعشت أغلب حياتي فيها، لكن في الصيف كنا نعود لجذورنا الأصلية في سوهاج وسط الريف، لم أتأثر بالأقصر ولم تؤثر فيَّ، كانت تمثل بالنسبة لي نقطة الألم واللاقيمة، كنت أرى القيمة في المتاحف والأحجار، لكن الإنسان لم تكن له قيمة. كان الإنسان بها مشوها يسعى وراء الأجنبي من أجل الأموال، كانت تمثل لي حالة تعب، بل، بالعكس، ولعي دائما بالريف والحقول والبيئة الجميلة ربما يكون ذلك الأثر في اللاوعي لدي، لكن أظن أنني لو كنت موجود في (ديزني لاند)، مدينة البهجة، كنتُ سأكتب عن الموت».
منذ نحو شهر تعرض لحادث، وكُسرت له 3 أضلع، وأُصيب بنزف في الرئة، فكانت تجربة بمذاق الموت، قال: «لم أفكر في شيء إلا فيمن سيستكمل (صوفيا هارون). شعرت بأنني سوف أدخل في غيبوبة. وشهد على الحادث أحمد سعيد صاحب دار نشر (الربيع العربي)، وقلت له: (أنا قررت ماموتش). تخيلت لو عرف الناس أني مت في حادثة موتوسيكل، كان تفكيري كله في استكمال كتابتي. وأود الدخول في المشروع الأصعب البهجة.. الكتابة المبهجة أصعب، بعد أن عاش الناس في أجواء الحزن، أود الدخول في عمق البهجة».
عن عناوين رواياته المثيرة لشغف القراء بغموضها وحداثيتها، يقول: «وأنا أكتب، أرى الكلمة تتوهج أمامي لتفرض نفسها كعنوان، لكن (انحراف حاد) جاءت كانحراف حاد لي في طقوسي بالكتابة، وفي قناعاتي في الكتابة، وهي تعبر عن انحرافات حادة في شخصياتها.. في كل ما كتبته كنت أنتظر الوحي، لكن في (انحراف حاد) ألزمت نفسي بالكتابة، ووجدت.. (هذا الوحي)».
ويصف نفسه: «أنا من النوعية (البجحة) في الحديث عن أعماله والمفاخرة بها. وكتب أحد النقاد أنني سوف أنتحر لعدم فوزي بـ(البوكر) عن (منافي الرب). لكن قلت لنفسي إنه مع ظهور (البوكر)، لا بد أن تكون (انحراف حاد) خرجت إلى النور.. أومن بأني أريد، فيحقق الله لي ما أريد».
يقول الخمايسي: «كان البعض يظن أنني سوف أقع في سطوة (منافي الرب)، فمن المهم ألا يقع الكاتب في أسر عمل له لأن اختلاف الألوان هو ما يصنع الجمال».
وحول انتقاد البعض لروايته «انحراف حاد»، لأن بها تناقضا بين المجال الاجتماعي والمجال الأدبي، وأنه لا يراعي نطاق الزمن وأحكام البشر في شخصياته، يقول: «لقد كتبوا عني أنني أحض على كراهية المسيحيين، رغم أنني أنتقد المسلمين فيما فعلوه مع المسيحيين في (انحراف حاد). أعتبر رأي القارئ هو الذي يعطي أكبر جائزة لي، لأن الجوائز تُدس بها الدسائس، خاصة أنني لا أقوم بعمل علاقات ولا أطرق باب أحد كي أحصل على امتيازات، الأهم بالنسبة لي أن أنام وضميري مرتاح».
ويؤكد أن «المبدع الحقيقي لا يحض على كراهية أي أحد ويؤمن بالاختلاف ويختلف مع الآخرين الاختلاف الذي يزيد باقة الزهور».
سألته: «أتكتب وعينك على القارئ العالمي؟»، فقال: «أكتب للإنسان في أي مكان. أكتب عن قضية تهم البشر، لكن (انحراف حاد) موجهة للإنسان العربي أكثر، لأن بها قضايا انتهى منها العالم منذ زمن، وترفض الثوابت المكبلة لنا».
أطلق على نفسه «إله السرد». لكنه يرى أن ذلك ليس غرورا أو اعتدادا بالذات، بل «من ضمن الأشياء السيئة في بلادنا الفهم الخاطئ للتواضع، وهناك فارق بين الغرور والاعتداد بالنفس، وفي بلادنا منكسرون حينما يرون شخصا مرفوع الرأس يحاولون تنكيس رأسه. نحن نعطي كتاب الغرب أكثر من حقهم.. أجد أنني لا أقل عنهم».
من تصريحاته المثيرة للجدل أيضا، ما يردده: «أنا من أقل الناس قراءة للروايات، وحتى الآن قرأت 46 رواية، وندرة قليلة تعجبني من الكتاب العرب والأجانب. لكن لم أقف أمام أي منهم بانبهار، وأكره أن يصفني أحد بـ(ماركيز العرب)». ويضيف: «حتى أول من أمس، لم أقرأ كونديرا (كائن لا تحتمل خفته)، وماركيز، وباوليو كويلو، قرأت لكل منهما روايتين، لكنني أشعر أنهم يتميزون فقط عنا بالتحرر والخيال الجامح، ولديَّ هاتان الميزتان».
وحول تشكل الذائقة الفنية للمبدع، قال: «تتأثر إذا قرأ لكتابات آخرين، لذلك عليه أن يقرأ ما هو أكبر، ألا وهو العالم من حوله، فأنا أرى أن العالم جميل جدا، وإذا تم تركيبه بشكل أفضل فسيصبح (ماسخ الطعم)».
ويضيف: «أنا منفصل عن جيلي بما فيه من إحباطات، وأجد أبناءه يعيشون في زمن السبعينات، لكن أحب جيل الشباب المتحرك، لكن عند مسألة الكتابة أنتقد من دون مجاملات».
وعما يكتبه شباب الأدباء، يرى أن «التسلية عمل بديع جدا، لأن التسلية لا تنتقص من قيمة العمل، ونحن نكتب الرواية للتسلية، ولكن بشكل آخر. لكن لا يصح أن تكتب بطريقة مخططة لتوجيه الأدب لناحية سطحية وخفيفة، ظاهرة (البيست سيلر) تقدم الكتابات المسلية على الكتابات التي لها قيمة، ولديّ معلومات يقينية بأنها تباع وتشترى وهي جزرة لأناس معينة.. أصبح لدينا ما يسمى (صناعة الأديب)؛ يدفع الشاب 5 آلاف جنيه ويصبح أديبا شهيرا.. لكنني لا أكف عن نقدهم وانتقادهم، وليس لدي مشكلة في أن أكون حتى بائع جرجير».
وعن القراءات التي شكّلت فكره والنزعة الفلسفية التي تظهر في كتاباته، قال: «قرأت (الكوميديا الإلهية) لدانتي، و(الإلياذة) لهوميروس، كانت هذه النوعية من الأدب تستهويني في صغري». ويضيف: «تكويني الفكري جاء نتاج تربيتي الجافة التي خلقت مني شخصا منطويا، الانطواء يخلق فيّ الكاتب الفيلسوف، فأنا من النوعية التي تتأمل، لم أقرأ كثيرا في الفلسفة، لكن أفكاري نتاج التأمل والتجارب التي خضتها؛ ففي داخلي السلفي والليبرالي والفيلسوف والإنسان البسيط».
وعن آرائه النارية حول الإبداع النسائي، قال: «المرأة أصل الإبداع والرجل يكتب من أجل المرأة، ولا يوجد مبدع حقيقي من الممكن أن يعيش من دون المرأة، لكن أجد أن المرأة غير قادرة على الإبداع.. لا أجد واحدة يمكن أن أطلق عليها كاتبة مبدعة.. لطيفة الزيات ومي زيادة لو عدتِ إلى كتاباتهما الآن، فلن تجدي قيمة إبداعية لها، الزمن يدهس هذه الكتابة، لكن لأن أي واحدة تكتب في ذلك الوقت كانت ستظهر كمبدعة».
ويضيف: «المرأة لم تكتب للرجل، بل تكتب ضد الرجل، ليس في الوطن العربي فقط بل في أنحاء العالم، وأرى أن الرجل يحب المرأة أكثر من أن تحب المرأة الرجل، الرجل لا يًستطيع أن يعيش دون امرأة، لكن المرأة تستطيع العيش من دون رجل، لذلك يبدع الرجل أكثر».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.