الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

صاحب «الصنم» و«انحراف حاد».. وصلت أعماله للقائمة القصيرة لـ«البوكر» العربية

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»
TT

الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»

كانت القصة القصيرة جواز مروره لعالم الأدب، ويبدو أن الجدل الذي يثيره الكاتب أشرف الخمايسي في فضاء السردية المصرية العائد إليها بقوة، بعد انقطاع دام 10 سنوات، سوف يزداد مع مجموعته القصصية الجديدة: «أهواك.. خمس نوفيلات حول أسطورة العشق» التي ستصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2015، وضمت 5 قصص قصيرة، تمتلئ بعشق الرموز الدينية، منها «المنبر» و«المسجد»، لكن الخمايسي يكتب بلا سقف، ويقول: «الإبداع الحقيقي صادم دائما، يجعلنا نعيد التفكير في كل الثوابت المقيدة، وهي دائما ما تخلق المشاكل على المستوى السياسي والديني والثقافي». بهذه الروح المخلوطة بالواقعية السحرية، وصلت روايتان له إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ووصلت روايته الثالثة «انحراف حاد» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.
تدور مناخات الخمايسي السردية حول عصب أساسي هو ثنائية الموت والخلود، لكنهما معا يشكلان حالة من العشق الإنساني، تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الجسد والروح. هذا الهم برز على نحو لافت في مجموعته القصصية «الجبريلية»، ورواية «الصنم» عام 2000. وكذلك مجموعته القصصية الجديدة «أهواك»، التي يقول عنها: «كلها تدور عن حالات عشق، وكل قصة مختلفة عن الأخرى، لكنهم يشتركون في عامل واحد في الحب والعشق».
يضيف الخمايسي: «لا أريد أن أموت، وأبغي الانتصار على الموت، لكن يهمني أن من يقرأ كل رواية لا ينتظر رواية مكملة لها. لا أكتب رباعية، لكن كل رواية مكتملة وقائمة بذاتها لها توجهها ومذاقها الخاص ولغتها التي تجسد فكرة الخلود. (الصنم) فيها عجائبية الإنسان، وانحراف حاد فيها سرعة (الميكروباص)، وحرصت على ألا أكشف الشخصيات لنفسها في (الميكروباص) نفسه، بعكس (منافي الرب) التي كان فيها بطء الناقة وتأمل الصحراء، أما الرواية الجديدة (صوفيا هارون) فتتكلم عن مرحلة جديدة من مراحل الموت، وأعد القراء بأنها ستكون رواية مدهشة، وسوف تتبعها رواية (ضيف الله)، وبذلك ينتهي مشروعي الأدبي في معالجة فكرة الموت والانتصار عليه».
حينما قلت له إن نشأته في الأقصر بين المعابد والحضارة الفرعونية الخالدة ربما كانت هي الدافع في بحثه عن الخلود، كان له رأي مغاير: «وُلدت في الأقصر وعشت أغلب حياتي فيها، لكن في الصيف كنا نعود لجذورنا الأصلية في سوهاج وسط الريف، لم أتأثر بالأقصر ولم تؤثر فيَّ، كانت تمثل بالنسبة لي نقطة الألم واللاقيمة، كنت أرى القيمة في المتاحف والأحجار، لكن الإنسان لم تكن له قيمة. كان الإنسان بها مشوها يسعى وراء الأجنبي من أجل الأموال، كانت تمثل لي حالة تعب، بل، بالعكس، ولعي دائما بالريف والحقول والبيئة الجميلة ربما يكون ذلك الأثر في اللاوعي لدي، لكن أظن أنني لو كنت موجود في (ديزني لاند)، مدينة البهجة، كنتُ سأكتب عن الموت».
منذ نحو شهر تعرض لحادث، وكُسرت له 3 أضلع، وأُصيب بنزف في الرئة، فكانت تجربة بمذاق الموت، قال: «لم أفكر في شيء إلا فيمن سيستكمل (صوفيا هارون). شعرت بأنني سوف أدخل في غيبوبة. وشهد على الحادث أحمد سعيد صاحب دار نشر (الربيع العربي)، وقلت له: (أنا قررت ماموتش). تخيلت لو عرف الناس أني مت في حادثة موتوسيكل، كان تفكيري كله في استكمال كتابتي. وأود الدخول في المشروع الأصعب البهجة.. الكتابة المبهجة أصعب، بعد أن عاش الناس في أجواء الحزن، أود الدخول في عمق البهجة».
عن عناوين رواياته المثيرة لشغف القراء بغموضها وحداثيتها، يقول: «وأنا أكتب، أرى الكلمة تتوهج أمامي لتفرض نفسها كعنوان، لكن (انحراف حاد) جاءت كانحراف حاد لي في طقوسي بالكتابة، وفي قناعاتي في الكتابة، وهي تعبر عن انحرافات حادة في شخصياتها.. في كل ما كتبته كنت أنتظر الوحي، لكن في (انحراف حاد) ألزمت نفسي بالكتابة، ووجدت.. (هذا الوحي)».
ويصف نفسه: «أنا من النوعية (البجحة) في الحديث عن أعماله والمفاخرة بها. وكتب أحد النقاد أنني سوف أنتحر لعدم فوزي بـ(البوكر) عن (منافي الرب). لكن قلت لنفسي إنه مع ظهور (البوكر)، لا بد أن تكون (انحراف حاد) خرجت إلى النور.. أومن بأني أريد، فيحقق الله لي ما أريد».
يقول الخمايسي: «كان البعض يظن أنني سوف أقع في سطوة (منافي الرب)، فمن المهم ألا يقع الكاتب في أسر عمل له لأن اختلاف الألوان هو ما يصنع الجمال».
وحول انتقاد البعض لروايته «انحراف حاد»، لأن بها تناقضا بين المجال الاجتماعي والمجال الأدبي، وأنه لا يراعي نطاق الزمن وأحكام البشر في شخصياته، يقول: «لقد كتبوا عني أنني أحض على كراهية المسيحيين، رغم أنني أنتقد المسلمين فيما فعلوه مع المسيحيين في (انحراف حاد). أعتبر رأي القارئ هو الذي يعطي أكبر جائزة لي، لأن الجوائز تُدس بها الدسائس، خاصة أنني لا أقوم بعمل علاقات ولا أطرق باب أحد كي أحصل على امتيازات، الأهم بالنسبة لي أن أنام وضميري مرتاح».
ويؤكد أن «المبدع الحقيقي لا يحض على كراهية أي أحد ويؤمن بالاختلاف ويختلف مع الآخرين الاختلاف الذي يزيد باقة الزهور».
سألته: «أتكتب وعينك على القارئ العالمي؟»، فقال: «أكتب للإنسان في أي مكان. أكتب عن قضية تهم البشر، لكن (انحراف حاد) موجهة للإنسان العربي أكثر، لأن بها قضايا انتهى منها العالم منذ زمن، وترفض الثوابت المكبلة لنا».
أطلق على نفسه «إله السرد». لكنه يرى أن ذلك ليس غرورا أو اعتدادا بالذات، بل «من ضمن الأشياء السيئة في بلادنا الفهم الخاطئ للتواضع، وهناك فارق بين الغرور والاعتداد بالنفس، وفي بلادنا منكسرون حينما يرون شخصا مرفوع الرأس يحاولون تنكيس رأسه. نحن نعطي كتاب الغرب أكثر من حقهم.. أجد أنني لا أقل عنهم».
من تصريحاته المثيرة للجدل أيضا، ما يردده: «أنا من أقل الناس قراءة للروايات، وحتى الآن قرأت 46 رواية، وندرة قليلة تعجبني من الكتاب العرب والأجانب. لكن لم أقف أمام أي منهم بانبهار، وأكره أن يصفني أحد بـ(ماركيز العرب)». ويضيف: «حتى أول من أمس، لم أقرأ كونديرا (كائن لا تحتمل خفته)، وماركيز، وباوليو كويلو، قرأت لكل منهما روايتين، لكنني أشعر أنهم يتميزون فقط عنا بالتحرر والخيال الجامح، ولديَّ هاتان الميزتان».
وحول تشكل الذائقة الفنية للمبدع، قال: «تتأثر إذا قرأ لكتابات آخرين، لذلك عليه أن يقرأ ما هو أكبر، ألا وهو العالم من حوله، فأنا أرى أن العالم جميل جدا، وإذا تم تركيبه بشكل أفضل فسيصبح (ماسخ الطعم)».
ويضيف: «أنا منفصل عن جيلي بما فيه من إحباطات، وأجد أبناءه يعيشون في زمن السبعينات، لكن أحب جيل الشباب المتحرك، لكن عند مسألة الكتابة أنتقد من دون مجاملات».
وعما يكتبه شباب الأدباء، يرى أن «التسلية عمل بديع جدا، لأن التسلية لا تنتقص من قيمة العمل، ونحن نكتب الرواية للتسلية، ولكن بشكل آخر. لكن لا يصح أن تكتب بطريقة مخططة لتوجيه الأدب لناحية سطحية وخفيفة، ظاهرة (البيست سيلر) تقدم الكتابات المسلية على الكتابات التي لها قيمة، ولديّ معلومات يقينية بأنها تباع وتشترى وهي جزرة لأناس معينة.. أصبح لدينا ما يسمى (صناعة الأديب)؛ يدفع الشاب 5 آلاف جنيه ويصبح أديبا شهيرا.. لكنني لا أكف عن نقدهم وانتقادهم، وليس لدي مشكلة في أن أكون حتى بائع جرجير».
وعن القراءات التي شكّلت فكره والنزعة الفلسفية التي تظهر في كتاباته، قال: «قرأت (الكوميديا الإلهية) لدانتي، و(الإلياذة) لهوميروس، كانت هذه النوعية من الأدب تستهويني في صغري». ويضيف: «تكويني الفكري جاء نتاج تربيتي الجافة التي خلقت مني شخصا منطويا، الانطواء يخلق فيّ الكاتب الفيلسوف، فأنا من النوعية التي تتأمل، لم أقرأ كثيرا في الفلسفة، لكن أفكاري نتاج التأمل والتجارب التي خضتها؛ ففي داخلي السلفي والليبرالي والفيلسوف والإنسان البسيط».
وعن آرائه النارية حول الإبداع النسائي، قال: «المرأة أصل الإبداع والرجل يكتب من أجل المرأة، ولا يوجد مبدع حقيقي من الممكن أن يعيش من دون المرأة، لكن أجد أن المرأة غير قادرة على الإبداع.. لا أجد واحدة يمكن أن أطلق عليها كاتبة مبدعة.. لطيفة الزيات ومي زيادة لو عدتِ إلى كتاباتهما الآن، فلن تجدي قيمة إبداعية لها، الزمن يدهس هذه الكتابة، لكن لأن أي واحدة تكتب في ذلك الوقت كانت ستظهر كمبدعة».
ويضيف: «المرأة لم تكتب للرجل، بل تكتب ضد الرجل، ليس في الوطن العربي فقط بل في أنحاء العالم، وأرى أن الرجل يحب المرأة أكثر من أن تحب المرأة الرجل، الرجل لا يًستطيع أن يعيش دون امرأة، لكن المرأة تستطيع العيش من دون رجل، لذلك يبدع الرجل أكثر».



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.