إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

نبيل فرج يستعيد ملامح عالمه في كتاب جديد عنه

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته
TT

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

إدوار الخراط... الجذور الفكرية التي شكلت هويته

عن العالم المتنوع للكاتب المصري إدوار الخراط الذي رحل عن عالمنا قبل خمس سنوات، ودوره الرائد في احتضان التيارات الجديدة في الأدب والفن والنقد، وتركيزه على مغامرة التجريب عبر مصطلحي «الكتابة عبر النوعية» و«الحساسية الجدية» اللذين ينسبان له، يدور كتاب الباحث نبيل فرج «إدوار الخراط... أشواق المعرفة والجمال» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب.
يكتسب الكتاب أهمية خاصة؛ فمؤلفه كان مقرباً من الخراط على مدار قرابة خمسين عاماً، عايش من خلالها أجواء أعماله، وما طرأ عليها من تحولات على مستويي الرؤية والتشكيل الفني. ويذكر أن الخراط تمتع بحس نقدي منذ شبابه، فرغم أنه ينتمي إلى جيل الخمسينات لم يكن يتردد في نقد أسماء راسخة أدبياً، كاشفاً عن عيوب فنية تعتري أعمالها وهي في قمة مجدها مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وغيرهما من الكتاب من الذين يتهيب كبار النقاد من الاقتراب منهم إلا بالتبجيل والتكريس بعدما تحولوا إلى سلطة ثقافية. وحول إنجاز الخراط في القصة القصيرة المصرية، يرى المؤلف أنه مثل اتجاهاً متميزاً تتردد أصداؤه حتى الآن في كثير من المغامرات الجديدة لقصص الشباب، حيث كانت مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» التي صدرت في القاهرة سنة 1959، بمثابة إيقاع جديد في الحركة الأدبية، اقتحم بها الكاتب هوامش العالم الداخلي للشخصيات خلف حيطانها العالية عبر لغة شعرية حارة تقدم رؤية خاصة للإنسان في أشواقه وعذاباته مستلهمة واقعاً محلياً، يتنقل ما بين مناخي الإسكندرية والصعيد المصري معاً.

الأرض مهد الجذور
ويتحدث الخراط ضمن الحوارات التي تضمنها الكتاب حول الجذور الفكرية التي شكّلت هويته الأدبية أديباً وناقداً، مشيراً إلى فكرة «الأرض» التي تمتد بجذورها في قلبه كمصري؛ فهي «تنطوي على ثروة شديدة الخصوبة عميقة الغور، أرض عريقة يجد فيها عراقة الجنس البشري كله، بل عراقة الحياة ذاتها»، مؤكداً أن «الفكر فيها ليس مصاغاً في قوالب النظم الفلسفية بقدر ما يجيش في حياة الناس البسطاء في كل (حدوتة) سمعها من جدته الفلاحة العجوز، وفي كل فعل من الجيران والقسس والشيوخ والعوالم والصبا، فكل ذلك يكوّن تربة الأرض الفكرية التي تمتاح منها الجذور ماءها وعصارة حياتها».
وحول الهدف من ممارسته الكتابة الأدبية، يقول الخراط «لست أهدف إلى وضع قصة محكمة الصنع فيها حبكة ومفارقة ومفاجأة ولحظة تنوير كما يقال، أو قصة مسلية أو مثيرة للتفكير أو تدعو إلى موقف اجتماعي معين أو تصور واقعاً معيناً، أو حتى قصة تتخذ لنفسها موقفاً فلسفياً أو ميتافيزيقياً معيناً. لست أهدف إلى ذلك وحده، بل أطمح إلى أن يكون في قصتي شيء من ذلك كله، وشيء آخر يغير ذلك ويحوله لمستوى آخر، أو جوهر آخر مغاير تماماً قد يعتمد على هذه العناصر أو يشتمل عليها بشكل ما، لكنه ينطلق منها إلى هدف آخر، ولعل هذا الهدف هو أن يشاركني القارئ مشاركة حميمية تتجاوز الأنا إلى تواصل جمعي ما على مستوى التجربة أو الخبرة الفنية، مشاركة في معرفة من نوع خاص، معرفة للنفس وللعالم منصهرة في وحدة واحدة، أن نذهب معاً أنا وقارئي على هذا الطريق نلتمس حقيقة مشتركة«.
ورغم ذلك، يكشف الخراط عن لحظات يشعر فيها بعدم جدوى الكتابة فيتساءل «ماذا يمكن أن يفعل العمل الفني في عصر تتحول فيه الإنسانية إلى مرحلة جديدة شاسعة الأبعاد، هائلة الإمكانات؟ عصر يملك فيه شخص ما في مكان ما يمكن أن يدمر كرتنا الأرضية الصغيرة الضئيلة؟ عصر تتحرك فيه جيوش لتقضي على الحياة وينطلق فيه ناس إلى حواف الكون يكسرون ثقباً في القشرة الكونية التي لطالما حمت الإنسان؟ عصر تحتشد فيه إرادة الملايين من البشر وتؤكد ذاتها في موجات كاسحة، كما تقهر فيه أيضاً إرادة الملايين من الأفراد ويصبحون بالفعل فتاتاً مسحوقاً لا قيمة له».
ويخلص صاحب روايتي «رامة والتنين» و«ترابها زعفران» إلى أن هذا التناقض بين تحولات الواقع ومحدودية تأثير النص الأدبي يصيبه أحياناً بالإحباط، فثمة تطورات تتزلزل فيها الأرض كل يوم لا تحسب حساباً بأي حال لقصة قصيرة أو طويلة مهما كانت قوتها وجمالها.

الانفتاح على التراث
ولد الخراط بمدينة الإسكندرية لأسرة قبطية تمتد جذورها إلى صعيد مصر، وكان في حياته يؤكد أنه مصري قبطي، يكتب باللغة العربية، وتراثه كمسيحي لا ينفصل عن التراث المصري الإسلامي العربي والفرعوني، ويعتز بأنه ابن هذه البوتقة التي تنصهر فيها كل هذه الخبرات الإنسانية في سبيكة واحدة.
حول إشكالية التراث والمعاصرة، يرى أن التراث يمكنه أن يمنح الكثير، لكن في غير الاتجاه الذي قد يتبادر إلى الذهن أساساً؛ فهو لا يقصد الحكايات ولا قصص ألف ليلة وليلة ولا مقامات الحريري والهمذاني على ما في هذا كله من كنوز خام وبذور قادرة على الجود والعطاء، وإنما يقصد ما في هذا التراث من ثراء في أداة اللغة. لكن ليس الثراء هنا الطاقة اللفظية الهائلة التي تثقل على التراث وتنوء به. إن ما يقصده تحديداً هو الحس المرهف في التراث العربي بين الدال والمدلول، أي بين الكلمة وظلال المعاني الدقيقة والخفية والتي تستطيع العربية أن تفي بها وفاءً يكاد أن يكون معجزاً، ومع ذلك فهي أداة ما زالت خاماً ومادة حية عضوية مهما كان قد ران عليها نوع من الخمود والموت الوقتيين، وهي ليست على أي حال قوالب مصنوعة ومفروضة، بل للكاتب الحرية في إعادة تشكيلها، لافتاً إلى أن «الحرية هنا مسؤوليتها فادحة ومقلقة في أن يشكل هذه المادة الخام وينفث فيها النفس المعاصر الحار».

وجوه الإسكندرية والصعيد
وحول علاقته بمدينة الإسكندرية التي ولد بها، يقول الخراط إنها مدينة سحرية ترابها زعفران حقاً، وهي شاطئ يقع على حافة بحر الأبد، حافة المطلق، فعندما ينظر منها إلى أفق البحر يعرف، كما علموهم في المدرسة والكتب أن هناك شاطئاً من الناحية الأخرى، ولعله لا يصدق ولا يقتنع بذلك حقيقة أبداً، «ليس هناك وراء هذا الأفق شيء فهذا امتداد لعباب المجهول إلى ما لانهاية كأنني أقف هناك على شاطئ الموت نفسه»، مشيراً إلى أن البحر والموت عنده مرتبطان بروابط انفعالية ورمزية وتجارب لاذعة المرارة لا يمحى طعمها أبداً من على لسانه والإسكندرية هي المحيط السحري اليانع الخضرة على حافة كون ملحي شاسع، بل غير محدود، الإسكندرية عالم ساطع ونقي ونظيف وحي متقلب بروائح خصوبة جديدة دائمة التجدد.
أما عن الصعيد وجنوب مصر منبت جذوره، فيقول: الصعيد عندي هو رسوخ مصر وشموخها وعظمتها السامقة، هو أيضاً بذرة الحب الصلبة التي لا تنكسر، هو الوشيجة الحية التي لا تنقطع أبداً بيني وبين أصل الحياة نفسها وعراقتها الضاربة حتى أعماق الإنسان الأول الخالد. هو أرض الأسطورة الراجعة إلى ألف ألف عام، هو العرش الوطيد للنيل في مطلق جلاله ووداعته والشمس المحرقة المخصبة وحورس في بحثه عن العدل، هو المسيح المصلوب، إيزيس وملاذ الأولياء والرهبان وأبناء الحق، لكنه أيضاً ضراوة العنف الضروري المركّب في صلب نسيج الحياة الكثيف الخشن الذي لا يتفكك ولا يتمزق قط، ومع ذلك فمن يعرف أن الصعايدة أرق الناس قلباً وأحنّهم وأقربهم إلى الدموع؟ نعم، هؤلاء الرجال العتاة وهاته النسوة كأنهن الصخور، أودعتْ في الصعيد أسرار مصر كلها تحت سفوح جباله.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.