ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

حول مؤتمر الحوار السياسي الذي تستضيفه تونس

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق
TT

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

انطلقت في تونس الاجتماعات الأمنية والسياسية التونسية - الليبية الرفيعة المستوى؛ تمهيداً لتنظيم «مؤتمر الحوار السياسي الليبي الأول» الذي سينظم في العاصمة التونسية، في حين أعلنت موفدة الأمم المتحدة بالنيابة ستيفاني وليامز نجاح اجتماعات جنيف بين كبار القادة العسكريين الليبيين ضمن ما عرف بمجموعة «5+5» في تحقيق اتفاق هدنة أمنية شاملة غير مسبوقة.
هذا المؤتمر الأممي الليبي فتح آفاقاً للتسوية السياسية الشاملة والانتعاش الاقتصادي في دور دول الجوار الليبي، إلا أنه كشف في الوقت نفسه عن صراعات جديدة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة الليبية. وبينما تحركت السلطات في كل من تونس والجزائر والمغرب ومصر دعماً لـ«التسوية السياسية» التي يمكن أن تخدم مصالحها الاقتصادية على المديين القصير والبعيد، تعاقبت تحرًكات العواصم الغربية لمحاولة التأثير في مقررات هذا المؤتمر، المرشح أن يحدد مصير بلد تقدر احتياطه من النفط بأكثر من 20 مليار البراميل، ومن الغاز بعشرات تريليونات من الأمتار المكعبة. فهل يسفر مؤتمر تونس عن الحوار الليبي عن نتائج ملموسة بما يخدم الاستقرار الأمني والمصالح الاقتصادية في ليبيا والدول المجاورة لها، وخاصة في البلدان التي انهار اقتصادها بشكل كبير بعد أزمة «كوفيد - 19» مثل تونس، أم يحصل العكس؟ وهل يساهم الانفراج الأمني والسياسي في ليبيا في إنقاذ دول جوارها من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟

تكشف تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين عن ليبيا، بعد زيارات قاموا بها إلى تونس والجزائر والرباط وطرابلس والقاهرة والخرطوم وجنيف، عن وجود «إرادة سياسية لإيقاف الحرب المدمرة التي تعصف بليبيا منذ حرب الإطاحة بحكم معمر القذافي في 2011»، حسب تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط» الدبلوماسي التونسي السابق في ليبيا والخبير لدى الاتحاد الأوروبي البشير الجويني. لكن الجويني استطرد وحذر من «الإفراط في التفاؤل، ومن تجاهل لعبة المصالح المحلية والعربية والدولية في ليبيا، ومن تعمّق الخلاف حولها بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وأميركا وروسيا وتركيا...».
الدبلوماسي التونسي ذكّر بكون القمة العربية التي عقدت في تونس مطلع شهر أبريل (نيسان) 2019 بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعمت «المؤتمر الوطني الجامع» الذي كان مقرراً عقده بجنوب ليبيا يوم 19 من الشهر ذاته. إلا أن الأوضاع العسكرية تفجّرت بعد أيام من مغادرة القادة العرب وأمين عام الأمم المتحدة تونس... وكانت الحرب الشاملة في العاصمة طرابلس ومعظم مدن الغرب الليبي.
من جانبيه، لم يستبعد علي اللافي، الإعلامي التونسي الخبير في الشؤون الليبية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تضرم بعض الجهات مجدداً «فتيل الحرب والاقتتال بالقرب من حقول إنتاج النفط وموانئ تصديرها؛ وهو ما يعني إجهاض أحلام الشعب الليبي وشعوب دول الجوار التي لديها مصالح كبيرة في ليبيا، وتطمع في أن تفوز بجانب من صفقات إعادة البناء ومن فرص إنعاش الحركة التجارية والسياحية معها». وأشار اللافي إلى كون ليبيا كانت توظف قبل حرب الإطاحة بالقذافي في 2011 نحو مليوني عامل عربي، نصفهم من مصر ونصفهم الآخر من تونس وبقية دول الجوار.
أيضاً، أورد السفير الليبي السابق بتونس أحمد النقاصة، أن ليبيا كانت الشريك الاقتصادي الأول لتونس قبل ثورات 2011، وأن المبادلات الرسمية وغير الرسمية معها كانت توفر مورد الرزق الأول لملايين التونسيين، خاصة في محافظات الوسط والجنوب.

فرصة للمصانع وللتجار
في اتجاه موازٍ، يعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين، منهم محسن حسن، وزير التجارة التونسي السابق، أن «الاتفاق السياسي الليبي، تتويج لمحادثات تونس وسويسرا وألمانيا والمغرب ومصر، يمكن أن يكون فرصة لإعادة الحياة للمبادلات التجارية ولاتفاقيات التصدير السابقة بين مئات المصانع التونسية والجزائرية والمصرية مع المؤسسات الليبية ومع بقية الأسواق الأفريقية في دول جنوبي الصحراء». وأورد محسن حسن في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تطبيع الأوضاع في ليبيا قد يساعد تونس على تحقيق نسبة نمو سنوية في الناتج الخام لا تقل عن نقطة كاملة، ويمكن أن يساعد السلطات والأطراف الاقتصادية على تخفيف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة في البلاد. كذلك، أورد محمد المسيليني، وزير التجارة السابق والقيادي في حزب الشعب القومي العربي، أن عشرات الآلاف من صغار التجار والمستثمرين التونسيين يعتمدون على شراكتهم مع ليبيا. بيد أن المسيليني أعرب عن تخوفه من تعثر مسار المصالحة والتسوية السلمية في ليبيا بعد تعاقب حالات غلق المعبرين الحدوديين بين تونس وليبيا في مستوى «رأس الجدير» و«الذهيبة - وازن»، بسبب خلافات بين كبار المهرّبين وقادة بعض المجموعات العسكرية الليبية، والاضطرابات الاجتماعية في الجهات الحدودية من الجانب التونسي.

السودان ودول جنوبي الصحراء
وفي السياق نفسه، قال حكيم بن حمودة، الخبير الاقتصادي لدى الصناديق الأفريقية والدولية والوزير التونسي السابق للاقتصاد والمالية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدراسات التي أجرتها مؤسسات الاتحاد الأفريقي تؤكد أن دول الجوار الليبي، وخاصة تونس والسودان ومصر، تأثرت اقتصادياً سلباً بالحرب الطويلة التي تشهدها ليبيا من 2011». وتوقع بن حمودة أن «تنتعش اقتصاديات هذه الدول والقطاع الخاص فيها في حال نجاح مسار الانفراج السياسي والأمني في ليبيا بعد المؤتمر الأممي في تونس».
أما الدبلوماسي سعيد بحيرة، الكاتب العام السابق لوزارة الخارجية وممثل تونس في «الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة»، فقد نوّه بـ«الصبغة الاستراتيجية للشراكة بين ليبيا وجيرانها، وخاصة مع تونس ومصر والجزائر والمغرب». وذكّر بالمبادرات السياسية التي سبق أن صدرت خلال الأعوام الماضية في تونس، ومن بينها المبادرة الثلاثية التونسية – الجزائرية – المصرية، ومبادرة «دول الجوار الليبي»، وأدت إلى عقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات عن ليبيا في تونس ومصر والدول المغاربية.
أيضاً، نوّه سعيد بحيرة بإعادة تعيين سفير لتونس في طرابلس بعد سنوات من الغياب. وأثنى على خصال السفير التونسي الجديد الأسعد العجيلي، الذي كان مكلفاً ملف العلاقات مع ليبيا في الخارجية التونسية، وسبق له أن تابعه عن قرب عندما كان سفيراً لتونس في القاهرة. لكن بحيرة – بدوره - حذّر من «الإفراط في التفاؤل بسيناريو تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس ربطاً بعلاقة بالانفراج السياسي والأمني والعسكري في ليبيا»، واعتبر أن «القوى العظمى، التي تتحكم في المتغيرات الإقليمية والحروب بالوكالة التي تشهدها المنطقة، قد لا تسمح لبعض الدول العربية مثل تونس بأن تلعب دوراً يتجاوز حجمها في ليبيا»، خاصة عند إبرام صفقات إعادة الإعمار.

خلافات فرنسا وإيطاليا وتركيا
في هذه الأثناء، حذر عدد من الخبراء العسكريين والاقتصاديين التونسيين، مثل الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمارك) في تونس، من «سيناريو انحياز تونس إلى أحد أطراف النزاع الليبي أو إلى إحدى الدول التي ثبت تدخلها المباشر في الحرب الليبية عسكرياً ومادياً، ومن بينها تركيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة وإيطاليا، وبعض الدول العربية». وناشد الجنرال محمد المؤدب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» المسؤولين التونسيين والقيادات العربية «التزام الحياد التام مستقبلاً في النزاع الليبي خدمة لمصالحهم ودعماً لجهود صناع القرار في ليبيا من أجل وقف الحرب والانتصار على كل الميليشيات المسلحة المحلية والأجنبية».
لكن، في هذه الأثناء، وعلى الرغم من «التصريحات المتفائلة بالتسوية السياسية» الصادرة عن الموفدة الأممية ستيفاني وليامز وعن السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند، بعد زيارات الأخير إلى كل من باريس والقاهرة وأنقرة، فإن بعض المراقبين يتعاملون بحذر مع تصريحات قيادات دول أخرى فاعلة في ليبيا، بينها فرنسا وروسيا وإيطاليا وتركيا. إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن «مبادرة فرنسية» جديدة لإعادة تجميع قيادات من كل دول الجوار الليبي، بما فيها السودان وتشاد والنيجر. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: هل سيتعلق الأمر بمجهود تكميلي لمسار الحوار السياسي الأممي الذي ينظم في تونس وأعلنت عنه ستيفاني وليامز بعد مشاورات مع الرئيس التونسي قيس سعيّد في قصر قرطاج... أم بمسار بديل ومشروع موازٍ؟
وهل سوف تقدم المبادرة الفرنسية «مشروعاً جديداً للتسوية» تحسباً لفشل مؤتمر تونس، أم تكون مجرد تحرك للضغط وضمان مصالح باريس والشركات الفرنسية في ليبيا في مرحلة إعادة الإعمار؟
كذلك... هل لن يشوش تحرك باريس بقوة عشية انطلاق اجتماعات تونس عن ليبيا على التحركات التي قام بها أخيراً في المنطقة وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان مايك بومبيو ومارك إسبر، والقائد العام لقوات «أفريكوم» الجنرال ستيفان تاونسند، والسفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند؟
المنذر بن عيّاد، الخبير التونسي في العلاقات الأميركية - العربية، لم يستبعد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تسعى بعض العواصم الإقليمية والأوروبية إلى «تمديد الأزمة»، وإلى «تأجيل موعد الاتفاق السياسي الليبي - الليبي» إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. كذلك، لم يستبعد بن عيّاد «تأجيل» التسوية السياسية في ليبيا إلى ما بعد تحقيق توافقات واضحة في بقية «بؤر التوتر والنزاعات الإقليمية»... وبينها الخلافات الأميركية - الروسية والتركية - اليونانية والفرنسية والإسرائيلية حول مستقبل شرق المتوسط وتوزيع حقول الغاز والنفط التي اكتشفت فيه..
حقيقة الأمر، أن كل السيناريوهات واردة؛ لأن المعركة تمسّ بلداً عضواً في «منظمة الدول المصدرة للنفط» عدد سكانه 6 ملايين نسمة... وتقدر بعض الدراسات أن أكثر من ثلاثة أرباع ثرواته الباطنية لم يقع الكشف عنها بعد أو لم يبدأ استغلالها.

«حقول النفط المشتركة»
على صعيد متصل، يتطلع خبراء ومسؤولون سياسيون في تونس والجزائر ومصر وبقية دول الجوار الليبي إلى أن يؤدي الانفراج السياسي والأمني في ليبيا إلى إعادة تفعيل مشاريع شراكة اقتصادية عملاقة بين ليبيا وجيرانها، بما في ذلك في قطاع المحروقات والغاز الصخري أو ما يسمى بـ«غاز الشيست».
ولقد أثبتت الدراسات المشتركة قبل ثورات 2011، أن حدود ليبيا مع جيرانها، وخاصة مع مصر شرقاً ومع تونس والجزائر غرباً مناطق غنية جداً بحقول المحروقات غير المستغلة وبـ«صحارٍ تزخر بالغاز الصخري الذي قد يجعل من ليبيا خامس أكبر دولة منتجة له في العالم». وتجدر الإشارة إلى أنه سبق أن اتفقت القيادة الليبية في عهد معمر القذافي، مراراً، مع نظيراتها في تونس والجزائر ومصر على الاستغلال المشترك لبعض الثروات الباطنية، براً وبحراً، من بينها حقل «البوري» في السواحل التونسية - الليبية. كذلك اتفقت على إنشاء «مناطق اقتصادية حرة مشتركة» في المحافظات الحدودية تركز فيها مصانع ومؤسسات تجارية وزراعية وتنموية.
وعلى الرغم من تعثر تنفيذ بعض القرارات السابقة، فإن اقتصاديات الكثير من المدن في الجنوب التونسي، مثل تطاوين وبن قردان ومدنين وجربة وقابس وصفاقس، تعتمد على المبادلات مع ليبيا، وأصبحت تحتضن «أسواقاً مشتركة» عملاقة يؤمها سنوياً ملايين الجزائريين والسياح الأوروبيين والمواطنين.
أيضاً ناقشت سلطات تونس والجزائر وليبيا قبل 2011 الاستغلال المشترك للمحروقات داخل نطاق منطقة غدامس الحدودية، الذي يمتد في مساحات شاسعة حسب الدراسات الجيولوجية في الصحراء التي تربط بين البلدان الثلاثة. وسبق لشركات نفط وغاز عربية وأوروبية وأميركية أن دخلت في سباق للفوز بصفقات التنقيب والإنتاج في «المثلث الحدودي الليبي – التونسي - الجزائري» في غدامس، إلا أن كل تلك الصفقات تعثرت وتسببت في خلافات مع القذافي ومستشاريه، وأجهضت بعد سقوطه.
ومن جهتها، سبق لـ«صوناتراك»، مؤسسة النفط والغاز العملاقة في الجزائر، أن أبرمت اتفاقات مع الجانب الليبي قبل 2011 بهدف أن يستغل البلدان معاً ثروات حقلي «الوفاء» الليبي و«الرار» الجزائري، بيد أن الاضطرابات الأمنية وإغلاق حقل «الوفاء» الليبي بعد 2011 أثر سلباً على قدرات الإنتاج حقل «الرار» في محافظة إيليزي.
ومعلومٌ، أنه سبق لليبيا وتونس والجزائر ومصر أن دخلت منذ 40 سنة في نزاعات حول بعض حقول النفط والغاز الموجودة بالقرب من الحدود البرية أو في عرض البحر. وبلغ الأمر حد التلويح بالحرب مراراً بين ليبيا وكل من مصر وتونس. وأيضاً، لجأت الحكومتان التونسية والليبية إلى التقاضي في آخر عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بسبب خلافات حول آبار نفط في حدودهما البحرية وبالقرب من «الجرف القاري».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟