لبنان يفرض تأشيرة مسبقة على الزوار السوريين ونظام كفالة على العمال

المديرية العامة للأمن العام: القرار يدخل حيز التنفيذ بدءا من يوم غد

سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
TT

لبنان يفرض تأشيرة مسبقة على الزوار السوريين ونظام كفالة على العمال

سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)

فرضت السلطات اللبنانية على السوريين الحصول على تأشيرة دخول في خطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين سوريا ولبنان، الذي يستقبل حاليا أكثر من مليون لاجئ سوري.
وأعلنت المديرية العامة للأمن العام على موقعها الإلكتروني عن «وضع معايير جديدة تنظم دخول السوريين إلى لبنان والإقامة فيه» وتقوم على فرض السمة أو الإقامة، على أن تدخل هذه المعايير حيز التنفيذ بدءا من يوم غد (الاثنين). وكانت عملية التنقل بين البلدين اللذين يتشاركان حدودا تمتد بطول 330 كلم تتم من خلال إبراز الهوية الشخصية فقط، دون الحاجة إلى أي مستندات أخرى.
وتغيرت العلاقة «المميزة» التي تجمع بين لبنان وسوريا كثيرا منذ اندلاع الأزمة في «الشقيقة» الكبرى التي طالما هيمنت على «الشقيق الأصغر» سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ولا ينظر المراقبون للعلاقة بين البلدين إلى قرار فرض نوع من التأشيرة المسبقة على المواطنين السوريين الراغبين بدخول لبنان، على أنه مجرد قرار يتخذه لبنان لـ«الحد من عبء النزوح السوري إلى لبنان»، كما أبلغ أمس وزير الشؤون الاجتماعية اللبنانية رشيد درباس «الشرق الأوسط»، بل كواحد من أبرز الدلائل على انحلال القبضة السورية عن لبنان لأول مرة منذ دخول القوات السورية لبنان عام 1978، بذريعة وقف الحرب الأهلية، قبل أن تصبح هذه القوات جزءا من الحرب.
فمن حيث المبدأ، توافق طرفا الأزمة في لبنان (المعارض والمؤيد للنظام السوري)، على قرارات جريئة تمنع المزيد من التدفق للاجئين السوريين إلى الأراضي اللبنانية، بعدما بات لبنان يضم نحو مليون و600 ألف سوري على الأقل، أي ما يوازي تقريبا نصف عدد سكانه البالغ 4 ملايين نسمة، مما شكل ضغطا هائلا على البنية السياسية والاقتصادية للبنان المنقسم سياسيا بين فريقين؛ أحدهما يقوده «حزب الله» المنخرط في الحرب السورية ويسمى «8 آذار»، وثانيهما فريق «14 آذار» الذي يقوده تيار «المستقبل». وقد شكل تفاهم الفريقين على قيادة البلاد بالحد الأدنى من التوافق، عبر حكومة يرأسها الرئيس تمام سلام، إلى التوصل في الأشهر الأخيرة إلى قناعة بأن الوجود السوري يشكل خطرا على لبنان إذا ما استمر التدفق، فبدأت إجراءات عدة لمنع تدفق هؤلاء، بالإضافة إلى عراقيل غير معلنة تهدف إلى التقليل من دخول إلى لبنان.
ولأول مرة منذ دخول سوريا إلى لبنان، يمكن لزائر الحدود المشتركة بين البلدين أن يلحظ تغييرا لافتا في الصورة؛ فطوابير السوريين الطويلة يمكن ملاحظتها من بعيد، حيث يعمد عناصر الأمن العام اللبناني إلى التدقيق في كل حالة بحالها، حيث بات عدد الذين يعودون أدراجهم إلى سوريا أكبر من الذين يدخلون إلى لبنان، وحيث يشكو السوريون من «معاملة غير لائقة». وقد أدلى العديد من السوريين بتصريحات تشير إلى سوء المعاملة التي تلقوها من قبل الأمن اللبناني، في صورة معاكسة لما كان يحصل خلال الوجود السوري في لبنان.
وقد شكلت هذه الإجراءات مورد رزق لبعض «السماسرة» الذين باتوا يتقاضون أموالا من السوريين لمساعدتهم على عبور الحدود. ويشير أحد هؤلاء إلى أن أحدهم طلب منه 2000 دولار، لإدخال مجموعة مؤلفة من 4 أشخاص مُنعوا من دخول لبنان، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن المبلغ ارتفع لاحقا إلى 5 آلاف دولار، بعدما تبين وجود مذكرة لبنانية تمنع دخول أحد هؤلاء.
وأشار إلى أنه بالفعل تم إدخال هؤلاء في وقت لاحق، لكن الشخص المعني بقرار منع الدخول اضطر للعودة إلى دمشق لأسباب شخصية، ومع هذا أصر السمسار على حصوله على 5 آلاف دولار. وقد توقف لبنان عن استقبال اللاجئين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما تجاوز عددهم مليونا ونصف المليون، ومنع اللاجئين الذين يغادرون الأراضي اللبنانية من العودة إليها، مما أسهم في خفض العدد بنحو 100 ألف لاجئ. وأكد مصدر أمني للوكالة نفسها أن الهدف من هذه الخطوة «ضبط الوضع اقتصاديا وأمنيا، ومتابعة أماكن وجودهم (السوريين) فوق الأراضي اللبنانية).
وفي هذا الإطار، أوضح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن الإجراءات الأخيرة استكمال للتدابير التي سبق أن اتخذتها الحكومة للحد من عبء النزوح السوري.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الأمر من شأنه أن يسمح للسلطات اللبنانية التمييز بين اللاجئ وغير اللاجئ، مبديا في الوقت عينه استغرابه من تضخيم الموضوع، لا سيما أن هذه الإجراءات تنفذ بين أي دولتين.
وأوضح أنه ولتنفيذ الاستراتيجية الجديدة التي أعلنت عنها السلطات اللبنانية لا بد لها من تنظيم دخول السوريين وخروجهم، مؤكدا كذلك عدم إقدام الدولة اللبنانية على إغلاق الحدود أو ترحيل أي لاجئ سوري، مع التأكيد على أن من يقيم في لبنان بصفة غير لاجئ أو غير شرعية، عليه تسوية وضعه. وفي حين جدد درباس التأكيد على استعداد الحكومة اللبنانية للتنسيق مع الحكومة السورية بشأن إعادة اللاجئين إلى بلادهم، لا سيما في المناطق الآمنة، أشار إلى أن هذا المطلب لم يلقَ استجابة من الطرف المعني إلى الآن. واعتبر مدير المؤسسة الديمقراطية لحقوق الإنسان (لايف)، نبيل الحلبي، أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية أخيرا تُعد قانونية من حيث الشكل، بشرط أن يتم تطبيقها بطريقة لا تتعارض مع حقوق الإنسان.
وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعايير التي أعلنت عنها السلطات اللبنانية غير واضحة إلى الآن، متخوفا من أن يتم تطبيقها انتقائيا.
ولفت إلى أنه، ومنذ أن اتخذت الحكومة اللبنانية قرار التوقف عن استقبال اللاجئين قبل 3 أشهر، لم تعمد إلى ترحيل عائلات لاجئة، لكنها وإن كانت لم تسلّم المعارضين السوريين إلى النظام، منعا لخرق قانون حقوق الإنسان، عمدت إلى ترحيلهم من لبنان وتركهم لمصيرهم.
وتشمل المعايير الجديدة المفروضة على السوريين أنواعا مختلفة من السمات والإقامة، هي السمة السياحية، والإقامة المؤقتة، وسمات أخرى للراغبين في الدراسة بلبنان، أو للسفر عبر مطاره أو أحد موانئه البحرية، أو للقادمين للعلاج أو لمراجعة سفارة أجنبية. ونصت المعايير الجديدة على حصر دخول السوريين بهذه الأسباب إلا «في حال وجود مواطن لبناني يضمن ويكفل دخوله، إقامته، سكنه ونشاطه، وذلك بموجب تعهد بالمسؤولية».
وسيكون على السوري الراغب في دخول لبنان للسياحة أن يقدم حجزا فندقيا، ومبلغا يوازي ألف دولار أميركي، وهوية أو جواز سفر، على أن يُمنح سمة «تتناسب مع مدة الحجز الفندقي قابلة للتجديد».
أما زيارة العمل، فقد أصبحت مشمولة بإقامة مؤقتة لمدة أقصاها شهر، على أن يقدم الراغب للحصول عليها «ما يثبت صفته كرجل أعمال، مستثمر، نقابي، موظف في القطاع العام السوري، رجل دين»، أو «تعهد إجمالي أو إفرادي بالمسؤولية من شركة كبيرة أو متوسطة أو مؤسسة عامة، لحضور اجتماع عمل أو للمشاركة في مؤتمر».
كما يُمنح القادم للعلاج سمة لمدة 72 ساعة فقط قابلة للتجديد لمرة واحدة، على أن يقدم «تقارير طبية أو إفادة متابعة علاج لدى أحد المستشفيات في لبنان، أو لدى أحد الأطباء، بعد التأكد من صحة ادعائه». أما من يرغب في متابعة دراسته في لبنان، فيحصل بداية على إقامة لمدة 7 أيام، وبعد إثبات تسجيله يُمنح إقامة دراسية.
وفرض القرار اللبناني أيضا نظام كفيل للعمال السوريين، الذين يعتمد عليهم لبنان بشكل أساسي في قطاعي البناء والزراعة، وإن كان هذا النظام غير مُعلَن؛ فمن لا تنطبق عليه أي من «الفئات» التي ذكرها القرار لا يُسمح له بالدخول إلا في حال وجود مواطن لبناني يضمن ويكفل دخوله، إقامته، سكنه ونشاطه، وذلك بموجب «تعهد بالمسؤولية». ويُمنح عندها سمة دخول وتجدّد مرتين لمدة 6 أشهر. وسيشكل هذا الإجراء عقبة جديدة أمام أرباب العمل اللبنانيين الذين يعتمدون على هؤلاء، كما يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط». ويشير فايق طنوس، صاحب متجر لبيع الخضراوات في جبل لبنان، إلى أنه منذ فترة يتعرض لأعباء مختلفة بشأن عدد عماله السوريين، لكنه أشاد بهذه القرارات «لأن لبنان يتحمل ضغط مليون ونصف مليون سوري يؤذي وجودهم الاقتصاد ويؤثر على الأمن، لكن هناك في المقابل عمال يؤثرون إيجابا على الاقتصاد اللبناني».
وإذ أشار إلى أن القرار ليس واضحا لجهة آلية تنفيذه، ومن المسؤول عن إصدار الكفالة وكيفية حصولها، فإنه رأى أنه من الخطوات المفيدة التي سوف تمنع المضايقات التي يتعرض لها العمال لدى دخولهم البلاد، حيث سيصبح دخولهم شرعيا ومنظما. وأضاف: «نقدم لعمالنا المأوى، ولا يريد أي منا أن يؤوي أشخاصا يضرون بأمن البلد، ولهذا نرحب بأي إجراء».
ويلاقي العمال السوريون في لبنان العديد من المضايقات، فبالإضافة إلى قرار منع هؤلاء من التجول ليلا، وعمليات التدقيق الأمني المستمرة بهم من قبل الأجهزة الأمنية، كان هؤلاء يتعرضون لمضايقات عند الحدود نتيجة عدم وجود «فئة خاصة» بهم، فيتم الخلط بينهم وبين اللاجئين، مما يحرمهم من الدخول.
وقد أدت هذه الإجراءات في وقت سابق إلى إرباكات، خصوصا أن ثمة جهات سياسية دخلت على خط معالجة الملف. ويشكو عمال سوريون من أن «المرضي عنهم» من قبل «حزب الله» كانوا يعبرون إلى الأراضي اللبنانية عبر المناطق الحدودية التي يسيطر عليها الحزب في منطقة القصير السورية التي ترتبط بلبنان بممر عسكري خاص للحزب لا توجد عليه أي قوى أمنية لبنانية.
وفي حين كانت مطالبات سياسية لبنانية قد ارتفعت منذ فترة مطالبة بالتنسيق مع النظام السوري لتأمين عودة النازحين إلى بعض المناطق، أيد السفير السوري لدى لبنان، علي عبد الكريم علي «الخطوات الأخيرة»، ورأى أن «فيها ملامح أفضل من الإجراءات السابقة، ونحن مع الحكومة اللبنانية»، معتبرا أن موضوع دخول السوريين وخروجهم يحتاج تنسيقا وتكاملا بين الجهات المعنية في البلدين.
وأضاف: «هذه الإجراءات معادلة لإيجاد عوامل تنظيمية نتيجة ضغوط كبيرة ربما أسهمت فيها سياسات سابقة، والأوضاع التي يعانيها لبنان، ونحن نقدرها ونتفهمها».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.