إرادة قيصر في روح امرأة

معرض هو الأشمل لأرتيمسيا جنتلسكي في «ناشونال غاليري» بلندن

من المعرض
من المعرض
TT

إرادة قيصر في روح امرأة

من المعرض
من المعرض

يحتفي «ناشونال غاليري» في لندن، عقب فترة إغلاقه بسبب الوباء العالمي، بالرسامة أرتيمسيا جنتلسكي، من خلال معرض هو الأكبر من نوعه بعرض لوحاتها من مختلف المتاحف العالمية بترتيب كرونولوجي ممتاز، وعرض ملفات المحكمة التي كابدتها في شبابها المبكر، ورسائلها الشخصية إلى حبيبها. ويستمر المعرض لغاية ربيع العام المقبل.
وأرتيمسيا جنتالسكي المولودة في روما عام 1593 لم تكن أول فنانة إيطالية نالت شهرة فنية في القرن السابع عشر، فقد سبقتها بضع فنانات وجايلتها أخريات مثل صوفنسيبا أنغيشولا وفيدا كاليزيا اللتين اشتهرتا برسم الصور الشخصية ولوحات الحياة الساكنة. ويبدو أن هذين الموضوعين مفضلان لدى فنانات عصر النهضة وما بعدها، لأنه لم يكن يسمح لهن بدخول الأكاديميات الفنية، أو متابعة الدروس الفنية في محترفات الفنانين أو توظيف موديل. لكن كل من يحالفه الحظ ويقف أمام لوحة «جوديث تحز رقبة هولفرنيس»، وهي إحدى الثيمات التي رسمتها أرتيمسيا مراراً، وهي تصوّر لحظة حز رقبة رجل من قبل امرأة، وبمساعدة خادمتها، يدرك أن هذه الفنانة التي تصنف كأبرز ممثلي عصر الباروك قد اختلفت وتميزت فنياً عن أسلوب فنانات عصر النهضة وما بعدها. واللوحة تتناول القصة التوراتية لفتاة يهودية تدعى جوديث تتسلل ليلاً إلى خيمة قائد الجيش الذي يحاصر مدينتها لتقتله وتحمل رأسه إلى قومها. وعندما نقارن هذه اللوحة تحديداً مع لوحة كرافاجيو التي تصور الموضوع ذاته، سنصل لنتيجة أن لوحة أرتيمسيا أكثر دموية وواقعية، وكأنها تصب حنقها وغضبها من خلال بطلتها جوديث على ذلك الرجل الذي تدعس جبهته بقبضة يدها القوية، وتحز عنقه بسيفها، بينما تتطاير نافورات الدم على السرير. الغريب في هذه اللوحة أيضاً أن عيني الرجل الضحية مفتوحتان وهو يعرف تماماً ماذا يحصل له وعلى يد منّ. لكن كيف تسنى لامرأة حبيسة منزلها غالباً رسم مشهد القتل والدماء بكل هذه الواقعية؟ كثيراً ما فُسرت هذه اللوحة، كما بقية لوحات أرتميسيا، كأنها سيرة ذاتية لحياة الفنانة التي واجهت الكثير من المحن والمصاعب، حين عبرت عن حنقها وشعورها بالظلم بالاستعانة بثيمات وقصص دينية من العهد القديم معروفة ومتداولة فنياً، وغالباً كانت النساء بطلات تلك القصص. الرجل الذي يتم حزّ رقبته في تلك اللوحة يأخذ ملامح الفنان الإيطالي أوغستينو تاسي (1578 - 1644) صديق والدها أورازيو جنتلسكي الذي كلفه الأخير بتعليمها فن المنظور، لكن أوغسيتنو سرعان ما استغل ثقة أورازيو، وأغوى واغتصب أرتيمسيا، وهي بعمر السابعة عشرة، واعداً إياها بالزواج. سيكتشف الأب هذه الفعلة الدنيئة ويقيم دعوة قضائية على أوغسيتنو بتهمة النيل من شرف الابنة، وخلال شهور المحاكمة ستبدع أرتيمسيا لوحتها «سوزانا والعجوزان/1610»، وهي لوحة بالحجم الكبير تصور القصة التوراتية لفتاة عفيفة في حمامها بينما يراقبها عجوزان، ويطلبان منها ممارسة الرذيلة، وهي تبادلهم الرفض والاشمئزاز والانزعاج.
حينما وقفتُ أمام لوحة «سوزانا والعجوزان»، وهي القصة التي رسمتها أرتيمسيا مراراً أيضاً، تساءلت كيف يمكن لشابة في السابعة عشرة تعرضت لقهر وإذلال المحاكمة العلنية الطويلة لإثبات صدق ادعائها بالاغتصاب، أن تبدع هذه اللوحة ذات الألوان المدهشة والممسرحة بإتقان وباستخدام أسلوب الـ«Chiarosura» (أسلوب التناقض الحاد بين العتمة والضوء)، لإضافة دراما حركية لونية على شخوص اللوحة.
أرتيمسيا في روما

وصلت أرتيمسيا مع زوجها الفنان بيرانتونيو ستياتيسي، فلورنسا القرن السابع عشر، قبلة الفن والفنانين، وسرعان ما أصابت شهرة وأصبحت فنانة محترفة تعيش من فنها، تعلمت القراءة والكتابة، وقُبلت في أكاديمية فلورنسا الفنية عام 1616 كأول امرأة تقبل في الأكاديمية العريقة، وحظيت برعاية كويزمو دي مديتشي الثاني دوق فلورنسا، رغم التنافس الشديد من قبل الفنانين لنيل الحظوة لدى أسرة الميتدشي المعروفة بحبها للفن والفنانين. في هذه الفترة أبدعت عدداً من لوحاتها الشهيرة منها «جوديث تحز رقبة هولفرنس»، وصور ذاتية تصور نفسها كالقديسة كاترينا الإسكندرانية وأخرى كعازفة عود، والملاحظ أنها بكل لوحاتها تستثمر مكابداتها وقوة شخصيتها من خلال إحلال ملامحها الذاتية على شخصياتها النسائية التوراتية ذات الأذرع القوية، وكثيراً ما ذكرتني هذه الصور الذاتية بالفنان الهولندي رامبرنت. في بلاط كوزيمو الثاني التقت بأشهر علماء وفناني عصرها مثل غاليليو غاليلي والشاعر مايكل أنجلو بوناروتي ابن اخ الفنان مايكل أنجلو، وارتبطت بعلاقة عاطفية مع نبيل فلورنسي يدعى فرانسيسكو مارينغي. لم تخل سنواتها الست في فلورنسا من المصاعب، فقد توفى أربعة من أطفالها الذين أنجبتهم في سنوات متلاحقة، وتعرضت لمصاعب مادية اضطرتها إلى الرجوع لروما، وبيع مقتنياتها في فلورنسا لتسديد ديونها.
حين عادت أرتيمسيا إلى روما عام 1620 كانت قد حازت شهرة واسعة، وكان المقتنون يتسابقون للحصول على لوحاتها، وسرعان ما انخرطت في الحياة الفنية وفي حلقات الفنانين الأوروبيين في روما، ربطتها صداقة مع الفنان الفرنسي سايمون فويت (1590/1649) وهو أبرز ممثلي الكرافاجية (نسبة إلى كارافاجيو)، حيث رسم لها صورة شخصية وهي تحمل لوحة ألوانها وفرشاتها ترسيخاً لصورتها كفنانة، وكذلك هناك تخطيط مذهل ليدها اليمنى وهي تحمل فرشاتها الدقيقة رسمه الفنان الفرنسي بيير دومنستير الثاني لها من تلك الفترة. بينما استمرت أرتميسيا برسم اللوحات الكبيرة التي تصور مشاهد دينية وميثولوجية التي كانت امتحاناً لبراعتها الفنية، واستمرت أيضاً تزيح نساء لوحاتها عن الأنوثة والرقة وجعلهن فاعلات مسيطرات، حيث رسمتهن بواقعية دراماتيكية وبأذرع مفتولة وقوة ممزوجة بعاطفة هشة، كما في لوحة «ياعيل وسيسرا/ 1620». سيموت ابنها كريستيفانو ولم يبلغ الخامسة من عمره في هذه الفترة وسيختفي أي أثر لزوجها أيضاً. وستنتقل إلى البندقية بين الأعوام (1927 - 1630) ربما للبحث عن رعاة أثرياء لفنها، لكنها سرعان ما ستتخذ مدينة نابولي التي كانت تحت السيطرة الإسبانية مستقراً لها لما تبقى من حياتها، ربما بدعوة من دوق المدينة الإسباني الذي كان من هواة فنها، واقتنى ثلاث من لوحاتها قبل وصولها إلى المدينة. سرعان ما سترسم أرتيمسيا أعمالاً فنية لكاتدرائية المدينة، منها لوحة «ولادة القديس يوحنا المعمدان». لكنها ستلتحق بأبيها أورازيو في لندن بدعوة من الملك ريتشارد الأول في عام 1638 ربما لمساعدته في تزيين سقف قصر الملكة هنريتا ماريا في منطقة غرينتش، لكن أورازيو سرعان ما سيموت فجأة، تاركاً ابنته كرسامة في بلاط الملك ريتشارد الأول. وأبرز لوحة من فترة وجودها في لندن هي «صورة ذاتية كأمثولة للفن/ 1638»، التي تصور بها نفسها كرمز فني متماهية مع عملها وتحمل في يديها أدواتها الفنية وقلادة لجمجمة ترمز إلى الفناء تتدلى من عنقها، اللوحة تمثل تحدياً حقيقياً لنبوغ أرتيمسيا الفني، حيث استعملت الفنانة عدة مرايا كي ترسم انعكاس صورتها من زوايا عديدة، وقد لجأت بحذق إلى تقنية التقصير والعتمة المضادة للضوء وغيرها من التقنيات ثلاثية الأبعاد لجعل المشاهد ينجذب لا شعورياً، ويميل بجسمه نحو اللوحة، هذه اللوحة لا تزال ضمن المقتنيات الفنية للعائلة الملكية البريطانية.
عادت أرتيمسيا إلى نابولي بعد اندلاع الحرب الأهلية في بريطانيا عام 1642، ولا يعرف تاريخ موتها، لكن آخر لوحة رسمتها (سوزانا والعجوزان) تعود لعام 1652 وهناك أعمال فنية لها لا تزال ضائعة، مثل لوحة «ديفيد مع رأس غولياث» التي تم إعادة اكتشافها في لندن عام 2020، والتي ربما تكون أرتيمسيا قد رسمتها لمقتن إنجليزي خلال فترة إقامتها في لندن.



فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
TT

فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)

يواجه فيلم «أسد» اتهامات واسعة بدعم سردية «الأفروسنتريك»؛ إذ حذر كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار بمصر من المساس بـ«الهوية المصرية»، على خلفية مشاهدته للمواد الدعائية للفيلم، كما انتقدت تعليقات ومنشورات «سوشيالية» عدة قصة الفيلم الذي عُرض قبل يومين بالسينمات المصرية، وحقق إيرادات مليونية في «شباك التذاكر»، وفق بيان الموزع المصري محمود الدفراوي، ويتصدر بطولته الفنان محمد رمضان بعد غياب سينمائي دام 3 سنوات.

وشملت الانتقادات طرح الفيلم لـ«ثورة العبيد»، مؤكدين «أن الأحداث لم تكن بمصر بل في دولة عربية أخرى»، وتساءلوا: «لماذا تتم صياغتها في فيلم مصري؟»، حيث تحولت بعض الآراء لاتهامات صريحة لصناع الفيلم بدعم أفكار حركة «الأفروسنتريك»، وسرديتها التي تدعي أن «الحضارة المصرية»، أصلها أفريقي.

وردّ المخرج محمد دياب على الاتهامات الموجهة لصناع الفيلم عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، مستنكراً ما يشاع حول دعم «أسد»، لأفكار «الأفروسنتريك».

وأكد دياب أن من شاهد أول مشهد بالفيلم سيعي جيداً أن العبيد الذين ظهروا خلال الأحداث ليسوا من أصل مصري بل من أفريقيا، وهذا الأمر ينفي الاتهامات، مشيراً إلى أنه يعمل حالياً على فيلم «فرعوني»، يكشف وهم فكرة «الأفروسنتريك»، مطالباً الناس بتحري الدقة.

وتابع دياب أن صناع فيلم «أسد»، قدموا الفيلم بتفانٍ، وعملوا عليه لسنوات، وتم تصويره بالكامل في مصر بأيادٍ مصرية، لافتاً إلى أنهم يحتاجون الدعم من أجل صناعة السينما، وتأثيرها ليس المادي فقط، بل لقوتها الناعمة في نشر الثقافة والوعي.

وذكر في منشوره أن ما يقال عن تناول الفيلم لـ«ثورة الزنج» في العصر العباسي عارٍ من الصحة، موضحاً أن أحداثه تدور خلال منتصف القرن الـ19، وأن مصر كانت أول دوله في المنطقة تلغي العبودية.

وقبل أيام من عرض الفيلم، أكد الدكتور مجدي شاكر كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار بمصر، أن الفيلم يثير مخاوف على الهوية والتاريخ، ويطرح تساؤلات حول توقيته ومضمونه، مؤكداً «أن البرومو والملصق الترويجي، يشيران إلى تناول ثورة الزنج التي اندلعت بالعراق خلال العصر العباسي، وهي ثورة ليست من التاريخ المصري»، محذراً من «اللعب في مناطق شائكة تتعلق بالهوية المصرية»، ودعم أصحاب نظرية المركزية الأفريقية، الذين يحاولون نسب الحضارة المصرية لأنفسهم.

الفيلم تضمن ممثلين من عدة دول عربية (الشركة المنتجة)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد الدكتور مجدي شاكر، أن اعتراضه ليس على تناول التاريخ، ولكن على «تناول العبودية»، والطرح والوقت والأدوات، متسائلاً: «هل تمت الاستعانة بمتخصص بالتاريخ لمراجعة القصة وتفاصيلها في هذا العصر أم لا؟»، مشيراً إلى أن الدراما شيء، والتاريخ شيء آخر.

وأضاف شاكر: «هل ما يتم طرحه بالفيلم من عبودية وثورة عبيد وسوق النخاسة مناسب للوقت الحالي بمصر؟»، وأكد المتخصص في الآثار المصرية أنه ليس ضد صناعة السينما، ولكن لا بد أن تسير بشكل صحيح ليستفيد منها الناس.

ولفت إلى أن رأيه كان بناءً على البرومو الترويجي للفيلم وملصقاته، وفي حال مشاهدته بالكامل فإن اعتراضه على بعض النقاط لن يتغير، «خصوصاً فيما يتعلق بالتاريخ الذي ستتعرف عليه أجيال، وتأخذ معلوماتها من خلال الأحداث؛ لذا يجب أن تكون صحيحة ومتقنة»، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن الفن قدم معلومات مغلوطة عدة، ورغم ذلك ترسخت في أذهان الناس من بينها «إلقاء عروس بالنيل»، وديانة «عيسى العوام» المخالفة للواقع.

ويرى الناقد الفني المصري سمير الجمل، بشكل عام، «أن اللجوء للتاريخ يجب أن يكون متقناً، وليس اعتباطياً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالكامل بداية من اسمه يعود على بطل الفيلم، وهو مجرد امتداد لأعماله السابقة.

ويجمع فيلم «أسد»، بين الدراما والرومانسية، والتشويق والإثارة، حيث يقدم المخرج محمد دياب قصة تاريخية تتناول قضية «العبودية والحرية»، ويشارك في بطولة الفيلم بجانب محمد رمضان، ماجد الكدواني، وعلي قاسم، وأحمد داش، وعدد من الفنانين العرب، مثل اللبنانية رزان جمال، والفلسطيني كامل الباشا، ومن السودان، إسلام مبارك، وإيمان يوسف، ومحمود السراج، ومصطفى شحاتة، والفيلم من تأليف محمد وخالد وشيرين دياب.

وقالت الناقدة الفنية المصرية فايزة هنداوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يثار من اتهامات، هو حديث خالٍ من أي منطق، ورؤية سطحية في التعامل مع الفيلم، وبحث عن أي إثارة للجدل ولفت الأنظار فقط».

وفي تصريحات صحافية، أكد محمد رمضان أن صناع «أسد»، أخلصوا في العمل، وضحوا بعامين لتقديم فيلم يليق بالسينما المصرية، والجمهور العربي، موضحاً أن بطل الفيلم كان سبباً في القضاء على العنصرية بمصر، وأن الشخصية والمرحلة التي طرحها الفيلم أثرت فيه، وأن الفيلم سيكون بداية طريق سينمائي جديد في مشواره.


«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
TT

«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)

بدا اختيار «بيت السناري» الأثري، الممتد عمره لأربعة قرون، لاستضافة ومناقشة كتاب «رسومٌ سماوية - الدير الأحمر الأثري» للدكتورة أمنية صلاح، مرتبطاً بأحد أبرز محاور اللقاء؛ وهو فكرة تواصل الفنون وتراكمها في مصر، منذ الفن المصري القديم، مروراً بالفن القبطي وحتى الفن الإسلامي.

هذا الطرح، الذي استهلّ به الدكتور شريف شعبان، خبير الآثار المصرية والمحاضر في تاريخ الفن، حديثه عن الكتاب، استعاد سيرة المكان نفسه؛ «بيت السناري»، الذي ارتبط تاريخياً بكتابة موسوعة «وصف مصر»، ولا يزال يحتفظ بدوره بوصفه مساحةً للتأمل في تاريخ الفنون وتحولاتها. وعدّ شعبان أن كتاب «رسوم سماوية: الدير الأحمر الأثري»، الصادر أخيراً عن دار «العين للنشر» بالقاهرة، ينتمي إلى فئة الكتب التي تشتبك مع واحدة من أكثر الحقب الفنية صعوبةً من حيث الدراسة والتوثيق، نظراً إلى قلّة مصادرها؛ وهي حقبة الفن القبطي.

جانب من زخارف الدير الأحمر كما التقطته الكاتبة (الشرق الأوسط)

يُعد «الدير الأحمر» بمحافظة سوهاج (جنوب مصر) واحداً من أبرز الشواهد الباقية على الفن والعمارة القبطية في مصر، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى القرن الخامس الميلادي، ويرتبط بالقديس الأنبا بشاي، أحد أبرز رموز الحركة الرهبانية في صعيد مصر، ويتميّز الدير بطرازه البازيليكي وجدارياته الغنية بالزخارف والرسوم الدينية التي تكشف عن تداخل التأثيرات المصرية والبيزنطية والقبطية في تكوينه البصري.

كما خضع الدير خلال العقود الأخيرة لمشروع ترميم واسع، نفذه مركز البحوث الأميركي (ARCE) بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار في مصر، واستمرت أعماله نحو 10 سنوات، بهدف إنقاذ الجداريات والعناصر المعمارية التي تضررت بفعل الزمن والكوارث الطبيعية، وأسهمت أعمال الترميم في إحياء جانب كبير من ألوان الجداريات وتفاصيلها، بعد أن كانت مغطاة بطبقات من السناج والترسبات التي طمست ملامحها لسنوات طويلة.

تُشير الكاتبة والباحثة الدكتورة أمنية صلاح إلى تلك الخلفية التاريخية، موضحة أن الدير قبل الترميم «ظل مهمشاً رغم قيمته التاريخية والمعمارية»، مضيفة أن «الدكتور خالد العناني، الذي يشغل حالياً منصب المدير العام لمنظمة (اليونيسكو)، كان من أبرز المتحمسين لمشروع الترميم خلال فترة توليه وزارة الآثار في مصر، وحرص آنذاك على دعوة عدد من السفراء الأجانب لتفقد الدير بوصفه من أهم مواقع السياحة الدينية في مصر»، ولفتت إلى أن الدير أصبح اليوم مفتوحاً للزيارة، وسط اهتمام متزايد بالفن القبطي وتاريخه.

جانب من لقاء مناقشة «رسوم سماوية» في «بيت السناري» (الشرق الأوسط)

وحصلت الدكتورة أمنية صلاح على الدكتوراه في تخصص الآثار والفنون القبطية من جامعة الإسكندرية، فيما بدا عنوان كتابها «رسومٌ سماوية» مستمداً من طبيعة هذا الفن وروحه الرمزية، فتقول: «الفنان القبطي لا يقوم بالتصوير بعيداً عن التزامه بالكتاب المقدس وأيقوناته»، موضحة أن «الفن القبطي احتفظ عبر تاريخه بسماته الخاصة، بوصفه فناً شعبياً بعيداً عن أي رعاية إمبراطورية، وهو ما انعكس على طابعه القائم على التحوير والتجريد والرمزية».

وتوالت خلال الندوة الصور المعروضة على جدران «بيت السناري» كأنها امتداد بصري للحديث عن الفن القبطي نفسه؛ حيث تنقّلت الكاتبة بين نماذج من التأثيرات الفنية المختلفة للفن القبطي وصولاً إلى انعكاساتها على جداريات «الدير الأحمر»؛ ذلك المكان الذي «نجا عبر القرون من الزلازل والحرائق والنهب، قبل أن تستعيد جدارياته ألوانها من جديد، شاهدة على طبقات طويلة من التاريخ والفن والروحانية»، على حد تعبير الكاتبة.

من جانبه، عدّ الدكتور شريف شعبان أن «الفن المصري القديم امتد لآلاف السنوات، ما منحه مساحة واسعة من التراكم البصري، فيما تبدو دراسة الفن القبطي أكثر صعوبة بسبب قلة المصادر المتاحة عنه، خصوصاً في فترات الاضطهاد التي لحقت به»، مشيراً إلى أهمية الكتب والدراسات التي تُعيد قراءة هذا الفن وتقديمه للقارئ العربي.

غلاف كتاب «رسوم سماوية» (دار العين للنشر)

وتستعير مؤلفة الكتاب تعبير الكاتب والسيناريست المصري الراحل أسامة أنور عكاشة على لسان بطل مسلسله «أرابيسك» حين قال: «مصر معدة تأخذ الثقافات وتُمصّرها»، بوصفه مدخلاً لفهم التأثيرات المتبادلة بين الفنون المصرية عبر العصور؛ حيث تأثر الفن القبطي بالفن المصري القديم والفن اليوناني الروماني، قبل أن يترك بدوره أثره الواضح على الفن الإسلامي.

ويمر الكتاب على الموضوعات المصوّرة داخل الدير الأحمر، متوقفاً عند رمزية الألوان، وتنوع أنماط تصوير الشخصيات، وحرص الفنان القبطي على التعبير عن الحركة، إلى جانب تصويره السيد المسيح والسيدة العذراء والتلاميذ وموضوعات العهدين القديم والجديد، فضلاً عن الزخارف النباتية والحيوانية والهندسية، في طرح بحثي يسعى إلى قراءة جدران الدير الأثرية بوصفها مساحة حيّة تحتفظ بذاكرة الفن والروح معاً.


لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
TT

لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

قُبيل رحيله، أوصى الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي. ورغم وفاته في أحد مستشفيات مدينة الشيخ زايد، التي تبعد دقائق عن مسجد الشرطة حيث خرج منه جثمانه إلى مثواه الأخير، فقد حرص نجله الموسيقار أحمد أبو زهرة على تنفيذ وصية والده التي تعكس تعلّقه بالمسرح القومي الذي شهد نجاحاته عبر عدد كبير من العروض الكلاسيكية المصرية والعالمية.

وأكد رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الدكتور أيمن الشيوي، أنّ أبو زهرة أوصى أسرته بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، كونه يحتضن جزءاً كبيراً من تاريخه وحياته التي أفناها في خدمة الفنّ.

ويرى الناقد المسرحي المصري محمد الروبي أنّ الفنان حين يُوصي بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، فهو لا يطلب مجرّد مرور عابر أمام مبنى قديم في قلب القاهرة، بل يطلب أن يودّع حياته من الباب الذي دخل منه للمرّة الأولى، كأنه يعود في لحظته الأخيرة إلى المنبع وإلى الخشبة التي منحته صوته والتصفيق الأول.

وأضاف الروبي لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «فرصة المرور أمام المسرح تبدو لحظة شديدة الإنسانية، وكأنّ الفنان يقول: خذوني إلى هناك للمرّة الأخيرة». وأشار إلى أنّ فنانين كباراً سبقوا أبو زهرة في ذلك، من بينهم شفيق نور الدين وتوفيق الدقن وغيرهما من أبناء المسرح القومي الذين ظلّوا حتى آخر العمر يشعرون بأن بينهم وبين خشبة المسرح عهداً لا ينتهي بالموت، بل حياة تُعاش تحت الأضواء وتُستهلك فوق الألواح الخشبية، حيث يقف الممثل وحيداً أمام الجمهور بلا فرصة ثانية، ومع السنوات يصبح المسرح جزءاً من تكوينه النفسي.

ويلفت الروبي إلى أنّ للمسرح القومي تحديداً رمزية لا تُخطئها العين، فهو ذاكرة كاملة للفنّ المصري الحديث، وعلى خشبته وقف فنانون عظام صنعوا وجدان الجمهور المصري والعربي، على غرار يوسف وهبي وجورج أبيض.

أما أيمن الشيوي فيفسّر لماذا يُعد المسرح القومي درة تاج المسارح المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «للمسرح القومي مكانة كبيرة في تاريخ الفنّ العربي والمصري، فالفنّ المسرحي يبدأ منه، بكلّ ما يمثّله من تراث وفنّ حقيقي راسخ عبر أجيال عدّة من الفنانين العظام الذين خرجوا منه وقدموا أعمالهم طوال حياتهم».

وأكد أنّ «القومي» بالنسبة إلى الفنانين المصريين يتجاوز مجرّد مبنى يقدّم عروضاً مسرحية إلى حياة وقيمة ثقافية وفنية للمجتمع المصري كلّه.

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة أوصى بمرور جنازته أمام المسرح القومي (فيسبوك)

ويحظى المسرح القومي بمكانة خاصة لما يمثّله من تاريخ عريق؛ إذ شهد أهم العروض المسرحية التي قدَّمها كبار نجوم المسرح، ومن بينهم يوسف وهبي، وجورج أبيض، وأمينة رزق، وعبد الله غيث، وسميحة أيوب، ومحمود ياسين، ونور الشريف، ويفخر الفنان الذي يقف على خشبته بذلك في مسيرته الفنّية.

ويشير الشيوي، الذي تولّى إدارة المسرح القومي خلال السنوات الماضية، إلى اختصاص «القومي» بكلاسيكيات النصوص المسرحية المصرية والعالمية، وأنه شهد في الآونة الأخيرة تقديم عروض مهمّة، مثل «رصاصة في القلب» لتوفيق الحكيم، ومعالجة لشكسبير في مسرحية «مش روميو وجولييت»، وأخرى لمسرحية «بجماليون» في عرض «سيدتي أنا»، وقبلها مسرحية «الحفيد» لعبد الحميد جودة السحار.

كما احتفل قبل أيام بالليلة الـ150 لعرض مسرحية «الملك لير» من بطولة الفنان يحيى الفخراني، فيما تنتظره عروض جديدة مهمة خلال المرحلة المقبلة.

ويرفض الشيوي ما يتردَّد عن تراجع دور المسرح القومي، الذي شهدت مرحلة الستينات قمة ازدهاره، مؤكداً أنّ «الجمهور يرتاد المسرح القومي، والأُسر المصرية تحرص على حضور عروضه، مع حرصنا على أن تظلَّ أسعار التذاكر رمزية وفي متناول المواطن العادي، كونه خدمة ثقافية تدعمها الدولة».

يحيى الفخراني في مسرحية «الملك لير» المعروضة حالياً على خشبة المسرح القومي (فيسبوك)

ولفت إلى تحقيق إيرادات تُقدّر بنحو 4 ملايين ونصف المليون جنيه من عائد التذاكر حتى الآن خلال موسمي 2025 و2026، ممّا يؤكد الكثافة الجماهيرية الكبيرة التي توافدت على المسرح.

ويعاني المسرح القومي أزمة وجوده بجوار منطقة العتبة المزدحمة بأسواقها والباعة الجائلين. وهنا يلفت الشيوي إلى أنّ وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي تواصلت مع محافظ القاهرة وجهاز التنسيق الحضاري، وجرت تهيئة المكان المحيط بمسرحي الطليعة والعرائس، وأنّ المنطقة كلّها في طريقها إلى التطوير، وفي مقدّمتها محيط المسرح القومي حفاظاً على مكانته.

جانب من جمهور المسرح القومي خلال عرض «الملك لير» (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

وأسَّس الخديو إسماعيل المسرح القومي عام 1869 بحي الأزبكية وسط القاهرة، بجوار دار الأوبرا القديمة، تزامناً مع الاحتفال بافتتاح قناة السويس. وقد أُطلق عليه اسم المسرح القومي بعد ثورة يوليو (تموز) 1952.

وكان المسرح قد تعرَّض لحريق عام 2008، وتوقَّفت العروض فيه لـ6 سنوات، حتى إعادة تجديده وافتتاحه في ديسمبر (كانون الأول) 2014.

وتستأثر القاهرة بأكبر عدد من المسارح التابعة لوزارة الثقافة، من بينها: الجمهورية والسلام والحديث وميامي والعائم والغد ومسارح الأوبرا، بخلاف مسارح الفرق الخاصة.