لماذا كان ديكارت يعيش متخفياً عن الأنظار؟

لم يكتفِ بتغيير سكنه بل غير وطنه أيضاً

ديكارت
ديكارت
TT

لماذا كان ديكارت يعيش متخفياً عن الأنظار؟

ديكارت
ديكارت

يعتبر ديكارت أحد الخمسة الكبار في تاريخ الفلسفة البشرية: أفلاطون، أرسطو، ديكارت، كانط، هيغل. وقد جسد في شخصه العبقرية الفرنسية في أنصع تجلياتها. ولذلك أصبح رمزاً على فرنسا إلى درجة أن أحدهم قال: ديكارت هو فرنسا. وهذا يعني أن عبقرية الأمم تتجسد في شخوص الأدباء والشعراء والفلاسفة، أكثر مما تتجسد في شخوص القادة العسكريين والسياسيين. وهذا يعني أيضاً أن عبقرية الروح أو الفكر هي أعلى أنواع العبقريات.
وعموما عندما يذكر اسم ديكارت أو الديكارتية نتخيل فوراً تلك الصورة الشائعة المنتشرة في كل مكان والتي تقول إن الديكارتية هي فلسفة الدقة والمعيار الصائب والحسابات العقلانية الباردة. فالفرنسي ديكارتي بهذا المعنى. وكذلك الأوروبي بشكل عام. وهناك عقل ديكارتي مثلما هناك عقلية ديكارتية. وحتى اللحام يقطع لك اللحم على الطريقة الديكارتية! ولا ريب في أن ذلك صحيح إلى حد كبير. ولكننا ننسى أن مؤسس العقلانية الديكارتية لم يكن «عقلانياً» إلى هذه الدرجة التي نتوهمها، بل إنه مرّ بلحظات أقل ما يقال فيها إنها تقف خارج حدود العقل والتوازن المنطقي الصارم، وذلك قبل أن تنكشف له الحقيقة الساطعة ويضرب ضربته الفلسفية الكبرى.
- حياة غريبة
والواقع أن حياته الشخصية نفسها لم تكن تخلو من الغرابة والشذوذ عن عموم البشر. فمن المعروف أن ديكارت الذي ولد في فرنسا عام 1596 لم يعش فيها إلا لفترات قليلة، متقطعة. ويبدو أنه كان يزورها أحياناً كما يفعل السائح المتجول.
وكان يقول ما معناه: «عندما يغيب المرء عن بلاده لفترة طويلة من الزمن ثم يعود إليها للزيارة يشعر وكأنه سائح غريب». ولم يكن هناك أي سبب شخصي يدعوه لمغادرة وطنه. فهو قد ولد في عائلة غنية، ووسط اجتماعي راقٍ. ولم يكن يعاني من أي شيء يدفعه لمغادرة البلاد. فهو لا ينتمي إلى الأقلية البروتستانتية المضطهدة وإنما إلى الأغلبية الكاثوليكية المهيمنة. ومع ذلك فقد غادر فرنسا ولم يعد إليها إلا نادراً، وفقط من أجل حل بعض الأمور العائلية أو لكي يلتقي ببعض العلماء والأصدقاء في باريس. هكذا نجد أن مؤسس العقل العلمي الحديث ومفخرة فرنسا والفرنسيين عاش أكثر من ثلثي حياته خارج فرنسا. وهو بمعنى من المعاني هولندي، أكثر مما هو فرنسي بعد أن اختار هولندا وطناً. والواقع أن هولندا كانت أكثر حرية من فرنسا في ذلك الوقت. وكان المفكرون منذ زمن ديكارت يقصدونها لكي يفكروا بحرية وينشروا فيها مؤلفاتهم لأن فرنسا كانت لا تزال آنذاك أصولية ظلامية تخنق حرية الروح والفكر. كانت أمستردام تشبه بيروت سابقاً بالنسبة للمثقفين العرب.
لكن يبدو أن هناك سبباً آخر لابتعاد ديكارت. إنه حب الوحدة والعزلة بشكل لم يسبق له مثيل. فهذا الرجل المقبل على الحياة والناس كان أكثر ما يخشاه هو تطفل الناس على وحدته وحياته الشخصية، وكان يعتبر ذلك بمثابة الاعتداء عليه. ويروي كاتب سيرته الذاتية، بهذا الصدد، الحكاية التالية: «عندما كان لا يزال في باريس قبل اختيار المنفى تجمع نحوه أهل الأدب والفن من كل حدب وصوب... وراحوا يطالبونه بالإمساك بالقلم بعد أن ظهرت عليه أمارات النبوغ والعبقرية. وكانوا يقصدونه كل يوم ويتحلقون حوله الساعات الطوال فلا يدعونه يتنفس أو يستريح. وعندئذ قرر تغيير مسكنه دون إخبار أحد. فاستأجر بيتاً في أعماق منطقة السان جيرمان، وأحاطه بالصمت والكتمان. وقال لخادمه: ممنوع منعاً باتاً أن يعرف أحد بمكان سكني. فأنا أريد التوحّد والاعتزال. وفي يوم من الأيام كان الخادم سائراً في الشارع فرآه صديق ديكارت الحميم وسأله بكل شوق ولهفة عنه، وبعد إلحاح شديد، وأخذ ورد، انصاع الخادم لرغبته وأخبره بمكان سكنه. فقال له: سوف نذهب فوراً إليه لكي نرى ماذا يفعل. وعندما وصلا إلى البيت خففا من وقع خطواتهما لكيلا يحس بهما فيجفل. ودخلا الشقة بكل هدوء ثم توجه الصديق نحو غرفة نوم ديكارت وراح ينظر إليه من ثقب الباب فرأى منظراً عجباً. رأى ديكارت مضطجعاً في فراشه وهو يغمض عينيه كالمتناوم لفترة من الزمن. ثم فجأة يقفز من السرير لكي يجلس وراء طاولته ويسجل بعض الأشياء على الورق. ثم يعود إلى الفراش ويتخذ نفس الوضع السابق فيغمض عينيه من جديد وينتظر حتى تتجمع الأفكار في رأسه ويعتصرها كما يعتصر الماء من بين الغمام، ثم يقفز ثانية إلى خلف طاولته ويصب على الورق عصارة فكره. وهكذا يتكرر الأمر مرات ومرات حتى يستنفد كل ما عنده. وبعدئذ يخرج ويلبس ثيابه. وفي تلك اللحظة تنحنح صديقه ودق على الباب موهماً ديكارت أنه قد وصل للتو ولم يرَ شيئاً».
وبعد أن سافر ديكارت إلى بلاد الشمال الأوروبي شعر بفرح كبير لأن أحداً لا يعرفه في الحي ولا أحد يعيره أي اهتمام. وبالتالي فهو على عكس بعض المثقفين العرب الذين إذا لم يطبل لهم الناس ويزمرون كل يوم لا يستطيعون العيش... كان يشعر بسعادة لا متناهية لأنه يتجول على كيفه في الأسواق والشوارع دون أن يعرف أحد من هو بالضبط. وهذا كل ما يبتغيه. وإذا ما عرفوا من هو كان ينزعج جداً ويغير سكنه فوراً أو حتى المدينة كلها. من أي شيء يخشى ديكارت؟ من الذي يلاحقه؟
وهنا ينبغي أن نطرح هذا السؤال: ما سر كل هذا البحث المهووس عن الوحدة والعزلة لدى ديكارت؟ لم يكفه أن يغير عنوان بيته في باريس، وإنما غير وطنه كلياً وذهب إلى هولندا. لم يكفه أن يخرج من عائلته وبيته، وإنما خرج من كل وطنه وأبناء جنسه. في الواقع إن ديكارت كان يعرف أنه مقبل على أمر عظيم. كان يشعر أنه يحمل في داخله قنبلة فلسفية موقوتة سوف تفجر كل التراكمات التراثية وتحرر المسيحية الأوروبية من ظلمات القرون. كان يعرف أنه مضطر للهدم قبل البناء. وهذا شيء لن تسمح به القوى الجبروتية المهيمنة. كان يعرف أن «البيت الجديد لا يمكن أن ينهض إلا على أنقاض البيت القديم» كما يقول هو حرفياً في كتابه الشهير: مقال في المنهج. كان يعرف أن عليه أن يتحرر من كل الروابط السابقة لكي يستطيع أن يؤسس للغرب كله عقله الحر الجديد. بل إنه كان مضطراً للتحرر حتى من نفسه أو من أفكاره التراثية القديمة كما يقول هو شخصياً في إحدى تأملاته الرائعة: «والآن بعد أن أصبحت نفسي متحررة من كل القيود، وبعد أن وفَّرتُ لنفسي كل راحة وعزلة هادئة، فإني رحت أنصرف جدياً لمهمتي الأساسية: تدمير كل أفكاري السابقة دون هوادة». لماذا كل هذا الهوس بالتفكيك والتدمير؟ لأن التراكمات التراثية كانت خانقة ولم تعد تُحتمل ولا تطاق تماما كما هي حالة العرب اليوم. ثم لأنه، ككل العباقرة الكبار، كان يريد أن يحدث خرقاً في جدار التاريخ المسدود. وعندئذ يتنفس التاريخ الصعداء. يضاف إلى ذلك شيء مهم جداً جداً: كان ديكارت يعرف أنه ملاحق بل ومهدد بالتصفية الجسدية من قبل الظلاميين إذا ما انكشف أمره قبل الأوان. ولذلك كان يتخذ الكثير من الاحتياطات ويحلف بأغلظ الأيمان بأنه مخلص لدين آبائه وأجداده ولا يرضى عنه بديلاً. وكل ذلك خشية أن يقتلوه قبل أن يضع مؤلفاته الفلسفية ويدشن الثورة الفكرية للعصور المقبلة. وهذا يعني أنه كان يعرف أنهم يعرفون من هو وأن الأعين احمرت عليه في المراجع العليا. ولن يسمحوا له بأي شكل أن يدمر ثوابت الأمة ومقدساتها: أي الخرافات الدينية الموروثة. وهذا ما لم يتجرأ عليه في الواقع ولكنه أعطى المفتاح. ثم حقق ذلك تلميذه سبينوزا من بعده.
على هذا النحو راح ديكارت يقترب شيئاً فشيئاً من نقطة الحسم. ففي عام 1619 غادر هولندا للقيام بجولاته الشخصية في ألمانيا بحثاً عن نفسه، وعن الحقيقة. كان حائراً، ضائعاً، قبل أن يتوصل إليها بعد جهد جهيد. وقد رأى في منامه ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) ثلاثة أحلام هزته هزاً. وكانت العملية خطرة جداً من الناحية النفسية لأنها أوصلته إلى حافة الجنون. وعرف عندئذٍ تلك اللحظة الأساسية التي لا يعرفها إلا كبار الكبار: لحظة الكشف الأعظم والتجلي. أنها لحظة انبثاق الحقيقة المطموسة منذ قرون. وبعد أن خرج ديكارت من المعمعة سالماً شعر وكأن وحياً نزل عليه من فوق. وحمد الله على هذه النعمة. فهي لا تقدر بثمن. من يمتلك الحقيقة من بين كل البشر يمتلك كنز الكنوز. أنه أغنى من أكبر ملياردير في العالم! وعلى هذا النحو اكتشف ديكارت العلم الرائع والمنهج الأروع الذي سيقود أوروبا على طريق الخلاص، بل والذي سيجعل منها منارة الأمم والشعوب. على هذا النحو تمخضت الحيرات والآلام عن تلك الفلسفة الديكارتية الكبرى: أي المنهج العقلاني الذي أدى بالغرب إلى السيطرة على الطبيعة عن طريق العلم والتكنولوجيا.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.