أحداث العام 2014: فلسطين.. الحرب.. والمصالحة

معركة دبلوماسية في مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.. أو تفكيك السلطة

آثار الانفجارات التي وقعت في مدينة حي التفاح شرق غزة أثر غارات اسرائيلية في 29 يوليو الماضي (إ.ب.أ)
آثار الانفجارات التي وقعت في مدينة حي التفاح شرق غزة أثر غارات اسرائيلية في 29 يوليو الماضي (إ.ب.أ)
TT

أحداث العام 2014: فلسطين.. الحرب.. والمصالحة

آثار الانفجارات التي وقعت في مدينة حي التفاح شرق غزة أثر غارات اسرائيلية في 29 يوليو الماضي (إ.ب.أ)
آثار الانفجارات التي وقعت في مدينة حي التفاح شرق غزة أثر غارات اسرائيلية في 29 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

حتى 12 من يونيو (حزيران) 2014 كانت حياة الفلسطينيين عادية «بالمفهوم الفلسطيني البحت»، هدوء ومواجهات، وضحايا ومن ثم هدوء طويل وبعض المناوشات السياسية، ولكن في هذا اليوم تغيرت أشياء كثيرة، عندما اختفت آثار 3 مستوطنين في الخليل في الضفة الغربية، وكانت شرارة حرب هي الأطول والأكثر تكلفة بشرية ومادية، ولها تداعيات سياسية غير مسبوقة منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي. إنها حرب استمرت 51 يوما وخلفت أكثر من 2000 قتيل و10 آلاف جريح، كما خلفت دمارا ما زال شاهدا على دمويتها، وعلى الأغلب فإنه سيظل هكذا لأعوام طويلة. حرب أراقت دما كثيرا حرك السلطة الفلسطينية للتفكير بشكل مختلف هذه المرة، ومفاده أنه «لا يمكن أن نحمي شعبنا إلا عبر الدولة»، وهو التفكير الذي قادهم لاحقا إلى إنهاء العام بتقديم طلب إنهاء الاحتلال في مجلس الأمن الدولي.

* خلفية
* 12 يونيو: بعد قليل من المصالحة بين حركتي فتح وحماس والتعهدات ببداية عهد جديد، اتهمت إسرائيل حماس بخطف أيال يفراح (19 عاما)، ونفتالي فرنكال (16 عاما)، وجلعاد شاعير (16 عاما) من مكان قرب مستوطنة «غوش عتصيون»، القريبة من الخليل جنوب الضفة الغربية، وتعهدت بأن تدفع الحركة ثمنا باهظا، ونفذت ذلك لاحقا في حرب هي الأطول، وكانت هذه الشرارة الأولى لحرب غزة.
15 يونيو: عزلت إسرائيل جنوب الضفة الغربية، وأرسلت لواء كاملا من المظليين وقوات خاصة إلى مدينة الخليل المغلقة للبحث عن المستوطنين الثلاثة، وقالت إسرائيل إنها تعمل وفق فرضية أنهم على قيد الحياة.
16 يونيو: اتهم نتنياهو عباس بالمسؤولية عن خطف الشبان عبر شراكته مع حماس، ولأن الحادثة وقعت في الضفة الغربية، لكنه في نفس اليوم اتصل به وطلب المساعدة في إيجاد الشبان المخطوفين.
بعد أيام من البحث في الخليل قرر وزير الدفاع الإسرائيلي توسيع نطاق العمليات إلى كل مدن الضفة الغربية، وأخذ يعتقل قيادات وناشطين من حماس ويداهم منازل ومؤسسات وجمعيات ومدارس وجامعات.
أثناء عملية البحث أغلق الجيش الإسرائيلي جميع المعابر مع قطاع غزة القريبة من الخليل، وشنت الطيران غارات على القطاع.
استمرت عملية البحث 18 يوما وقتل الجيش الإسرائيلي 8 فلسطينيين واعتقل نحو 600 في الضفة الغربية.
30 يونيو: أعلن الجيش الإسرائيلي عن عثوره على جثث الشبان الثلاثة، في منطقة حلحول شمال الخليل، وكانت نقطة تحول مهمة.
تعهد نتنياهو بانتقام لم يخلقه الشيطان.
بعد يوم واحد خرج المستوطنون إلى شوارع الضفة الغربية في محاولة للانتقام من فلسطينيين.
2 يوليو (تموز): اختطف مستوطنون الفتى محمد أبو خضير (16 عاما) من أمام منزله في حي شعفاط في القدس ووجدت جثته محترقة بعد ساعات في غابة المدينة.
فتحت حادثة تعذيب وإحراق أبو خضير الباب لتصعيد كبير في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ تمددت المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين الغاضبين والجيش الإسرائيلي إلى أنحاء واسعة في مدينة القدس.
ندد عباس وطلب تحقيقا دوليا وهدد بالتوجه إلى الجنايات الدولية.
وفي 7 يوليو أعلنت حماس عن مقتل 7 من عناصرها بقصف إسرائيلي على نفق، وردت بإطلاق وابل من الصواريخ يعتقد أن واحدا منها وصل إلى أطراف القدس.
وفي 8 يوليو دوت صفارات الإنذار في القدس، منبئة بصاروخ من غزة وبعد ساعات شنت إسرائيل فجرا عملية «الجرف الصامد» ضد القطاع.

* عام الحرب
* لم تتردد إسرائيل باستخدام كل القوة الممكنة في حربها ضد قطاع غزة، ضربت المنازل والأنفاق والشوارع والمستشفيات والمصانع والحدائق والمتنزهات ومكاتب الصحافيين، وقتلت وجرحت آلافا وهجرت نحو نصف مليون فلسطيني، قبل أن تبدأ حربها البرية هناك.
دخلت إلى عمق قصير وواجهت مقاومة لم تعهدها من قبل وتكبدت في الحرب البرية 69 جنديا، وفقدت البعض أسرى لدى حماس.
كان هدف إسرائيل المعلن هو ضرب البنية التحتية لحركة حماس وتكبيدها خسائر كبيرة، أما هدفها غير المعلن فكان كما يبدو من سير الحرب هو الانتقام لأشياء كثيرة، لكن أزمة إسرائيل الحقيقية مع غزة هي قصة قديمة لا تنتهي، اختصرها إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وأحد أكثر القادة الدهاة، إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت في عام 1988، واستمرت عدة سنوات، بقوله: «أتمنى أن أصبح ذات يوم لأجد أن البحر قد ابتلع غزة بالكامل».
قالها رابين بعد احتلال طويل للقطاع. واليوم بعد عدة حروب وتسليمها للسلطة وفك الارتباط معها، يتضح أن الإسرائيليين ما زالوا لا يملكون سوى نفس الأمنية «أن يبتلع البحر غزة».
والحرب الأخيرة على غزة لم تكن الأولى في بضع سنوات، فقد شنت إسرائيل خلال 10 أعوام على غزة نحو 10 حروب، كان أولها في نهاية نيسان أبريل (نيسان) 2001، وهي العملية التي عرفت باسم «حقل الأشواك» وتركزت العملية في رفح وخان يونس واستمرت 5 أيام. وفي مايو (أيار) 2004، عملية «قوس قزح»، وفي سبتمبر (أيلول) 2004 عملية «أيام الندم»، وفي 2005 عملية «أول الغيث» وفي يونيو 2006، عملية «أمطار الصيف» وفي 2008 عملية «الشتاء الساخن»، وفي 2008 «الرصاص المصبوب»، وفي2012 «عامود السحاب» وفي العام الحالي 2014 عملية «الجرف الصامد».
وتعد العملية الأخيرة التي تحولت إلى حرب دموية كبيرة أحد أكثر هذه الحروب تأثيرا في المسار السياسي كذلك، ولا يبدو أنها الأخيرة في المواجهة المتجددة.
وفي هذا الحرب قتلت إسرائيل 2200 فلسطيني بينهم 579 طفلا و263 امرأة و102 من المسنين، وجرحت 11128، منهم 3374 طفلا و2088 سيدة و410 مسنين.
ارتكب الاحتلال 49 مجزرة بحق تسعين عائلة فلسطينية بواقع 530 قتيلا، ودمر 10 آلاف منزل بشكل كامل، و10 آلاف آخر بشكل شديد، إذ لا تصلح للسكن، و40 ألفا بشكل جزئي.
وما زال يوجد هناك 100 ألف من أهالي غزة من دون مساكن، أي نحو 25 ألف عائلة من أصل نصف مليون عاشوا تجربة التشريد.
لم يرد الفلسطينيون لكل ذلك أن يذهب سدى، فمضوا في طريقين الأول مفاوضات من أجل رفع الحصار، ونتجت عن اتفاقات مبدئية حول إعادة إعمار غزة، والثاني إقامة الدولة الفلسطينية.
ولأول مرة منذ الانقسام الفلسطيني شاهد العالم وفدا موحدا من فتح وحماس وآخرين في منظمة التحرير يفاوض إسرائيل عبر مصر.
كانت هذه إحدى فوائد الحرب المباشرة، العمل وفق أجندة واحدة، وإن كانت الأولويات والتطلعات مختلفة.
أما الفائدة الأكبر، فكانت التغيير الجذري في طريقة تفكير السلطة الفلسطينية، والتي اتخذت قرارا تحت الحرب، بالسعي إلى اتفاق نهائي وأبدي وليس مجرد تفاهمات لرفع الحصار.
وقال فيصل أبو شهلا، القيادي في حركة فتح وعضو الوفد الفلسطيني لمفاوضات غزة والتي يفترض أن تستأنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أي وقت تحدد مصر، إن الهدف البعيد والنهائي للقيادة الفلسطينية التي حددته وقت الحرب هو اتفاق نهائي وشامل لإنهاء الاحتلال، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «الدولة الفلسطينية هي الضمانة الوحيدة لحماية شعبنا وعدم تكرار الحرب على غزة كل عدة أعوام».

* عام طلب إنهاء الاحتلال
* وفعلا، أنهى الفلسطينيون عام الحرب بحرب من نوع آخر، إذ فتحوا مواجهة صعبة في مجلس الأمن الدولي بعد مخاض عسير لطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في مدة لا تتجاوز 2017، وهو طلب غير مسبوق فلسطينيا وعربيا.
وخلال الأسابيع الأخيرة من هذا العام، خاض الفلسطينيون معارك صعبة وسهلة وعلنية وسرية على الجبهة الدبلوماسية بعدما خاضوها في غزة بالأسلحة والنار والدم.
وعمليا لم تبقَ دولة كبيرة مع نهاية 2014 وإلا دخلت على خط مباحثات إقامة الدولة.
تدخلت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا وجميع الدول العربية، وشهدت عواصم العالم نقاشات أميركية أوروبية روسية عربية فلسطينية مكثفة مع وضد المشروع الفلسطيني، أو من يطلبون تعديلات عليه.
وقدم الأردن باسم الفلسطينيين والعرب، المشروع في الـ17 من ديسمبر (كانون الأول) 2014 على الرغم من كل هذه التدخلات والتهديدات كذلك.
وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن): «مشروعنا يهدف إلى وضع سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين»، مضيفا: «سنستمر في مشاورتنا مع الأشقاء والأصدقاء، من خلال المداولات التي ستتم في أورقة الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى حشد الدعم والتأييد لهذا المشروع الذي يؤكد أن حل الدولتين يجب أن يكون على أساس حدود الرابع من 67، أن تكون القدس عاصمة لدولتين بحيث تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وضع حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق مبادرة السلام العربية والقرار 194، والوقف التام لجميع الأنشطة الاستيطانية، ووضع ترتيبات أمنية تضمن وجود طرف دولي ثالث، والترحيب بمؤتمر دولي لإطلاق المفاوضات على ألا تتجاوز فترة المفاوضات مدة عام، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين قبل نهاية عام 2017».
وما زال من غير المعروف متى سيتم التصويت على مشروع القرار.
وحتى الآن ضمن الفلسطينيون 6 دول أعضاء في مجلس الأمن لتأييد المشروع العربي، وهي الأردن وروسيا والصين وتشاد ونيجيريا والأرجنتين، في حين عارضته الولايات المتحدة، ويتوقع أن ترفضه لتوانيا، وكوريا الجنوبية ورواندا، وأستراليا، ويبقى موقف لوكسمبورغ، وفرنسا وبريطانيا وشيلي غير واضح بانتظار نتائج المفاوضات.
وفي يناير (كانون الثاني) المقبل تتغير تركيبة مجلس الأمن الذي تدخل إليه كل من ماليزيا فنزويلا وإسبانيا وأنغولا ونيوزيلندا، بدلا من رواندا وأستراليا ولكسمبورغ وكوريا الجنوبية والأرجنتين، وهو ما يعزز حظوظ الفلسطينيين.
لكن وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي أعلن سابقا رفضه المشروع يتطلع إلى تأجيل طويل للأمر يتجاوز شهر المقبل كما يبدو.
ونقل عن كيري قوله لمسؤولين من الاتحاد الأوروبي، إن واشنطن لن تسمح بمرور أي قرار لمجلس الأمن للأمم المتحدة يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط إلى أن تنتهي الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في أواسط مارس (آذار)، وفقا لما نقله موقع «فورين بوليسي» الأميركي عن ثلاثة من الدبلوماسيين الأوروبيين حضروا اللقاء مع كيري. وترك كيري الباب مفتوحا أمام إمكانية أن تدعم الولايات المتحدة في نهاية المطاف صيغة لقرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي على ألا يتضمن الحكم المسبق على نتائج المفاوضات السياسية المتوقفة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولكنه لم يذكر أيا من التفاصيل ينبغي على القرار المذكور أن يتضمن كي يحظى بدعم أميركي محتمل. وبغض النظر عن مصير التصويت، لا ينوي الفلسطينيون التوقف عن جلب اعترافات إضافية بالدولة الفلسطينية، والتي حظيت هذا العام باعتراف هام للغاية، وهو الاعتراف السويدي.
واعترفت السويد بفلسطين في أكتوبر (تشرين الأول)، وأصبحت أبرز دولة غربية أوروبية تعترف بالدولة الفلسطينية.
وكان الاعتراف السويدي مهما ومفصليا على هذا الطريق الطول والذي يكسب فيه الفلسطينيون نقاطا كل يوم إذا لم يكن على صعيد الاعترافات الرسمية، فعلى صعيد تأييد البرلمانات لمثل هذه الاعترافات وحث حكوماتهم على ذلك.
وينصب تركيز الفلسطينيين الآن على جلب اعترافات رسمية من دول البرتغال وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وآيرلندا والتي أيد بعض برلماناتها مثل هذا الاعتراف.
وطالب عباس دول العالم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، قائلا: «نذكر أن كل من يؤمنون بحل الدولتين عليهم أن يتخذوا موقفا متوازنا، وذلك بالاعتراف بدولة فلسطين مثلما اعترفوا بالماضي بدولة إسرائيل».
لكن ماذا إذا أطيح بمشروع إنهاء الاحتلال.
قد يكون العام المقبل عام كسر عظم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقال عباس نفسه: «إذا لم نحصل على قرار في مجلس الأمن هناك خطوات سنتخذها. إذا لم نذهب إلى مجلس الأمن فإلى أين نذهب، سآخذهم محكمة الجنايات الدولية». وتعني هذه الخطوة مواجهة من العيار الثقيل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تشمل وقف التحويلات المالية ومحاصرة السلطة في الضفة الغربية اقتصاديا وأمنيا وشل حركة رجالها.
وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما شخصيا حذر عباس في وقت سابق من موضوع الجنايات وقال له إنها ستكون مواجهة مع الولايات المتحدة. وقد تقود هذه المواجهة بحسب كثير من المسؤوليين الفلسطينيين نهاية السلطة المنهكة ماليا.
ولا يريد الفلسطينيون اتخاذ قرار بحل السلطة، لكنهم يقولون إن إسرائيل إذا ما استمرت بهذه الطريقة فإنها تفرغها من مضمونها وتؤدي لاحقا إلى انهيارها.
ومع تقديم المشروع الفلسطيني لمجلس الأمن، كان أول ما خطر في بال وزير الاستخبارات الإسرائيلية يوفال شتيانتز، هو التفكير بتفكيك السلطة. وقال شتيانتز: «التوجه الفلسطيني لمجلس الأمن بطلب إقامة دولة فلسطينية هو نوع من إعلان حرب وليس سعيا للسلام». وأضاف: «على إسرائيل أن توقف تحويل الضرائب للسلطة الفلسطينية والتي تجبيها لها، وأن تفكر في تفكيك السلطة الفلسطينية إن استمرت في العمل ضدها في الأوساط الدولية».
إذن لقد كان عام حرب ودم ومصالحة واعترافات ومواجهة دبلوماسية ثقيلة، وهو عام يفتح الأبواب على كل الاحتمالات، قرار بإقامة الدولة أو مواجهة في الجنايات الدولية. وربما احتمال تفكيك السلطة، أو حرب جديدة أخرى طويلة. يبقى هذا رهن بما تقرره عواصم أخرى مهمة وليس الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.