لبنان: عام الفراغ

عام 2014 في لبنان بدأ بعجز عن تأليف حكومة.. وانتهى بعجز عن انتخاب رئيس للجمهورية

صندوق اقتراع في مبنى البرلمان ببيروت انتظارا لجلسة تصويت لاختيار رئيس جديد في 22 ابريل (أ.ف.ب)
صندوق اقتراع في مبنى البرلمان ببيروت انتظارا لجلسة تصويت لاختيار رئيس جديد في 22 ابريل (أ.ف.ب)
TT

لبنان: عام الفراغ

صندوق اقتراع في مبنى البرلمان ببيروت انتظارا لجلسة تصويت لاختيار رئيس جديد في 22 ابريل (أ.ف.ب)
صندوق اقتراع في مبنى البرلمان ببيروت انتظارا لجلسة تصويت لاختيار رئيس جديد في 22 ابريل (أ.ف.ب)

بدأ لبنان عام 2014 وهو من دون حكومة، ثم أنهاه وهو من دون رئيس... أما البرلمان، فقد خضع لعملية «تمديد ذاتي» لولايته تثير الكثير من التساؤلات حول شرعيتها، فكان هذا العام بحق... عام الفراغ.
دخل لبنان العام 2014 مثقلا بهموم العام 2013. الرئيس المكلف تأليف الحكومة تمام سلام عاجز منذ أشهر عن الوصول إلى تشكيلة ترضي الجميع، وسط المطالب والمطالب المضادة. وبدا أن الإجماع الذي ناله في استشارات التكليف قد تبخر عند بدء التأليف، ففريق 14 آذار يرفض إعطاء «الثلث المعطل» لقوى «8 آذار» التي تضم «حزب الله» وحلفاءه، رفضا لتجربة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، فيما كان الفريق الثاني متمسكا بتشكيلة تمنحه ثلث المقاعد الوزارية ومعها حق الفيتو على القرارات الأساسية في البلاد.
أما الهم الثاني، فكان هم الأزمة السورية الذي كان يرخي بظلاله على لبنان، أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، مع وصول عدد اللاجئين السوريين إلى نحو مليون ونصف مليون لاجئ مسجل، بالإضافة إلى غير المسجلين، من عمال ومقيمين من غير المحتاجين، ما يرفع العدد إلى أكثر من مليونين، أي ما يقرب من نصف سكان لبنان.
لكن بداية العام، سجلت وجها مشرقا تمثل بانطلاقة أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي بدأت أعمالها في 16 يناير (كانون الثاني)، للنظر في جريمة اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري ورفاقه (في فبراير (شباط) 2005) ما أعطى اللبنانيين الأمل بوقف مسلسل جرائم الاغتيال السياسي التي كانت تطوى من دون محاسبة.
وقد اجتازت المحكمة الدولية خلال العام 2014 منتصف الطريق في مسيرة المحاكمات الغيابية لـ5 من كوادر أمن «حزب الله» متهمين بتنفيذ جريمة الاغتيال. وتمكّنت هذه الهيئة القضائية من استجواب عشرات الشهود الذين قدمهم الادعاء، ومناقشة مئات الوثائق، وحسمت أن التفجير الذي استهدف الحريري حصل فوق الأرض، وبواسطة شاحنة «ميتسوبيشي كانتر» محملة بأكثر من 2800 كيلوغرام من المواد شديدة الانفجار، ونفذها انتحاري لا يزال مجهول الهوية.
وتطرقت إفادات الشهود إلى كلّ هذه الأمور، وفي مقدمهم خبراء في المتفجرات والأدلة الجينية، وأطباء في علوم الموروثات الجينية، وخبراء في علم الزلازل ومحققون ممن شاركوا في التحقيقات الأولية عملوا من ضمن فرق تحقيق من جنسيات سويسرية وهولندية وألمانية وبلجيكية، وناجون من الانفجار. وقد عرفت هذه المرحلة بمرحلة الأدلة العلمية للجريمة. وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدأت مرحلة «الأدلة السياسية» التي انطلقت بمثول عضو «اللقاء الديمقراطي» النائب مروان حمادة أمام المحكمة لتقديم شهادته التي استغرقت 9 أيام، قدّم فيها حمادة صورة كاملة عن «مرحلة الوصاية السورية على لبنان، وكيف أن القوات السورية ومخابراتها تحولت من قوة وصاية إلى قوة احتلال للبنان، ومرحلة ما سمّي تكوين القرار السياسي لاغتيال رفيق الحريري».
واعتبر رئيس المحكمة القاضي ديفيد راي أن «المحكمة تخوض في محاكمة طويلة ومعقدة تستدعي مئات الشهود وآلاف الوثائق، ومحاكمة يكون فيها الكثير من الأدلة الظرفية، وأهمية هذه الأدلة وإفادات الشهود لا تظهر إلا في مرحلة لاحقة عندما يتم تقييمها بعد عرضها بمجملها».
ويتوقع أن تشهد الجلسات المقبلة من المحاكمة في العام 2015 الكثير من المفاجآت، خصوصا أن المحكمة ستستمع إلى إفادة 14 شخصية سياسية وإعلامية من المقربين جدا من الرئيس رفيق الحريري، أبرزهم رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة والنائب وليد جنبلاط.
في 15 فبراير ولدت حكومة تمام سلام، بعد معاناة طويلة، وبعد أن قدم فريق «8 آذار» تنازلات جوهرية بتخليه عن الثلث المعطل، لكن فرحة التأليف كانت ممزوجة بغصة الاستحقاق الرئاسي الذي كان يتبين يوما بعد يوم صعوبة إنجازه وانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 25 مايو (أيار) وهو موعد نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان.
وتضمّن البيان الوزاري الاعتراف بالمقاومة لكلّ اللبنانيين، وهي صيغة توافقية توصل إليها الجميع لتخطي مشكلة سلاح «حزب الله» الذي يحرص على تغطية لهذا السلاح في كل البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية منذ اتفاق الطائف. ويعطي هذا السلاح مشروعية تفصله عن أسلحة الميليشيات الممنوعة قانونا.
أدرك الجميع حينها أن التوافق المريب بين الطرفين، كان معناه تسليما من قبلهما بأنه لا انتخابات رئاسية سوف تجري وأن هذه الحكومة مخصصة لشغل موقع رئاسة الجمهورية وإدارتها بالتوافق بين الطرفين.
كانت المعادلة القائمة، تعتمد على مرشح من كل من طرفي الأزمة. قوى 8 آذار وقفت وراء العماد ميشال عون، وقوى 14 آذار وقفت وراء رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع. ولما كان الطرفان يمتلكان عددا متقاربا من النواب (53 لـ14 آذار) و57 للفريق الآخر، فيما يقف 18 نائبا في الوسط أبرزهم النائب وليد جنبلاط وكتلته التي رشحت النائب هنري حلو كمخرج لها لعدم اتخاذ موقف مع أي من الطرفين لم يتم الانتخاب.
واستسلم الفريقان إلى قاعدة تقول بأن نصاب الانتخاب يحتاج إلى ثلث أعضاء المجلس، ما أعطى الفريقين القدرة على التعطيل، من دون أن يعطي أيا منهم القدرة على التفوق وتغليب رأيه. ولما كان الطرفان بعيدين كل البعد عن التوصل إلى تسوية، فقد كان من الطبيعي أن يشغر موقع الرئاسة.
لعب رئيس البرلمان نبيه بري دوره المفترض في عملية الانتخاب، فدعا إلى جلسة انتخاب تلتها أخرى ثم أخرى حتى بلغ عددها 16 جلسة غاب عن 15 منها نواب التيار الوطني الحر و«حزب الله» ما أفقدها نصابها وجعل لبنان يقضي العام 2014 من دون رئيس.
وقد اتفق الفرقاء السياسيون منذ انتهاء ولاية سليمان على قواعد لتسيير أمور مجلس الوزراء، تقوم على استبدال توقيع رئيس الجمهورية بتواقيع الوزراء الـ24، وبالتالي فإن قرار أحدهم عدم التوقيع يسقط أي مشروع قرار وزاري. وبما أن صلاحيات الرئيس اللبناني محدودة بإطار ما نص عليه اتفاق الطائف، يجري حاليا تسيير أعمال الدولة من دون عراقيل جوهرية، وهو ما يخشى مسؤولون في الكنيسة المارونية من استمراره، وبالتالي اعتياد الواقع القائم حاليا حيث يغيب التمثيل المسيحي عن المواقع الرئاسية الـ3. حيث إن منصب رئيس البرلمان يشغله السنة ومنصب رئيس الحكومة يشغله الشيعة، فيما يشغر موقع الرئاسة المعطى للمسيحيين، والموارنة منهم تحديدا.
وشهد العام 2014 مبادرات إيجابية تمثلت في الحوارات التي أطلقت في أكثر من مكان بين المتخاصمين، أولها الحوار الذي خاضه تيار «المستقبل» برئاسة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري مع تكتل «التغيير والإصلاح» الذي يرأسه العماد ميشال عون. والذي أعطى نتائج لافتة رغم اختلاف دوافعه. فعون كان ينفتح على الحريري من أجل إقناعه بتبني انتخابه رئيسا للجمهورية، والحريري يريد من هذا الحوار تسيير أمور الدولة، وقد أنجز بالفعل تأليف الحكومة وتمرير الكثير من التعيينات والمشاريع الأساسية.
أما الحوار الذي اختتم العام، فكان حوار «حزب الله» والحريري، والذي انطلق بتوقعات متواضعة، فتم تحييد موضوع السلاح وتدخل حزب الله في سوريا، كما تم تحييد موضوع رئاسة الجمهورية وانتخاب رئيس جديد، ليقتصر الأمر على تبريد الاحتقان السني – الشيعي، أي كان قد بلغ ذروة مطلع العام على خلفية تدخل «حزب الله» في الحرب السورية. وحرص تيار «المستقبل» على تطمين حلفائه، فأكد أحد نوابه أن «الجلسة الأولى من الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله اتسمت بالصراحة وشملت كل مواضيع الخلاف، والتوجهات كانت طيبة من الجميع». وقال النائب سمير الجسر: إن الحوار «جاء نتيجة للتوجهات الطيبة لدى راعييه الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، وللقرار الوطني لدى كل من الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله. وقد ذهبنا للحوار بقناعة أن الحوار مطلب وطني، ونتحاور مع حزب الله الذي نختلف معه في قضايا كثيرة لمنع تداعياتها الخطيرة على البلد. ولعل الحوار يفتح ثغرة لوقف الشغور في رئاسة الجمهورية، ولن نتجاوز حلفاءنا في حال حصول تقدم، والحوار ليس لإنشاء حلف رباعي ولا يستهدف المسيحيين».
وينتظر أن يفتتح العام 2015 بحوار من نوع آخر، يوازي الحوار الإسلامي، ويضم القطبين المسيحيين المتصارعين، عون وجعجع، حيث يتوقع أن يحصل اللقاء بين الطرفين في أي لحظة، فاتحا الباب لحوار مسيحي موازٍ يعمل على خفض التوترات القائمة، ويبقي لبنان في دائرة الاستقرار أو «الخطر المستقر» بسبب عدم وجود آفاق للحل، وعدم وجود رغبة مقابلة بتدهور الأمور وانفلات الأوضاع من قبل الدول الراعية للوضع اللبناني.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.