مزحة الرواية

الكتابة حلم جاد يحتاج إلى السخرية ليتحقق

مزحة الرواية
TT

مزحة الرواية

مزحة الرواية

يحلو للنقد أن يمنح بعض الروائيين لقب «الكاتب الساخر»، استناداً إلى ما يبدو في أعمالهم من ملامح سخرية أو مزاح. هذه التسمية تنطوي على مشكلة صغيرة، إذ تتجاهل الخيط الرفيع الفاصل بين السخرية، من حيث هي عمل عالي الأدلجة (تحقيري وانتقادي)، وبين المزاح من حيث هو عمل منخفض الأدلجة (مضحك ومسلٍ ببراءة)، لكن هذه ليست المشكلة المهمة التي يتضمنها لقب «الكاتب الساخر»، بل إزاحته من أغلبية الكُتّاب إلى خانة «الكاتب الجاد»، وهذا وصف يتضمن بداخله مشكلتين جديدتين؛ الأولى تغمط الكاتب الجاد حقه، عندما تنزع منه ملكة المزاح التي تعد من خصائص الإنسان بشكل عام، وعلى العكس، تنزع صفة الجدية من الكاتب الساخر!
ولا يردم تلك الهوة سوى الاستناد إلى طبيعة الكتابة الروائية ذاتها، وأخذ تلك الطبيعة في الاعتبار جنباً إلى جنب مع السمات الظاهرة في النص من ملامح السخرية والمزاح عبر اللغة، وسلوك الشخصيات، ومصادفات الأحداث.
حلم الكتابة من بدايته حلم جاد، من يحلم بها يعرف من البداية أنها عمل صعب، مع ذلك يُقدم عليه لأن وجوده لن يكون كاملاً من دونه.
بعد ذلك يبدأ المتطلع إلى الكتابة في إعداد نفسه بالجدية الواجبة. الساخر وغير الساخر يضع كل دقيقة في حياته من أجل تكوينه الثقافي. يسعى إلى معرفة كل ما يحتاجه ولا يحتاجه الآخرون، من قواعد اللغة إلى تذوق الفنون إلى المعرفة بالنفس والجسد والطقس، وإجراءات التقاضي، وآلية عمل محرك السيارة، ومدة رقود الحمام البري على بيضه. وهو ليس بحاجة إلى احترام الكتب فحسب، بل إلى احترام الواقع وكل ما يجري فيه، واستقبال ذلك بامتنان، حتى الشر الموجه إليه شخصياً، كأن الواقع عرض مسرحي أُعدَّ خصيصاً ليكون في خدمة كتابته.
هذه الاستعدادات الجادة يمكن أن تصنع فيلسوفاً أو مفكراً اجتماعياً، لكنها وحدها لا يمكن أن تصنع روائياً، فذلك يلزمه المزاح مهما كانت جدية أو جهامة ما سيكتبه. المزاح ليس خياراً في الرواية، وليس طبيعة تكوين الروائي نفسه أو اختياره بمفرده، لكنه مفروض من طبيعة اللقاء بين الروائي وقارئه.
قراءة الرواية مزحة ولعبة متفق عليها بين الطرفين، تشبه لعبة الاختفاء. أليست «الاستغماية» في أصلها مزحة؟ نُغمِّي أحدهم ليبحث عنا في الزوايا القريبة بناءً على توقعاته لطريقتنا في التخفي.
القارئ الذي يشتري رواية قرر بكامل إرادته أن يلعب الاستغماية مع الكاتب، أي لديه النية المسبقة للمزاح، ولولا هذه النية ما استمر في قراءة الأكاذيب التي تقوم عليها الروايات، بل إن القارئ الحسَّاس لا يمكن أن يقبل بالروايات التي تخلو من الكذب، أي التي تخلو من المزاح. ومن بين البنود غير المدونة في العقد بين الكاتب والقارئ أن الأخير سيستمتع بالكذب دون أن يأخذه على محمل الجد، فلن يُجرِّب أحدهم أن يطير مع ملاءة مثلما حدث لريميديوس في «مائة عام من العزلة»، ولن ينتظر أحد العالقين صقراً لينتشله من هوة، كما حدث للسندباد في «ألف ليلة».
ولو تأملنا عمارة «ألف ليلة وليلة» السردية سنكتشف أن المزاح أحد أعمدتها الأساسية. وأهم مزاح في الليالي هو مزاحها مع التاريخ، ونلمسه في توجهات النص ونواياه المبدئية، وفي المتحقق داخل الكتابة سواء بسواء. وبوسعنا أن نأخذ مزاح الليالي كإجابة شافية للسؤال الصعب حول علاقة الرواية بالتاريخ.
الشخصية التاريخية الأبرز بلا جدال في الليالي، هي شخصية الخليفة هارون الرشيد الذي يخرج في جنح الليل مع وزيره جعفر البرمكي في تفقد ساخر لأحوال الرعية، يدفعه إليه الأرق والنية المسبقة في التسلية والمزاح، ودائماً ما يعثران على بغيتهما.
وبخلاف الوقائع التاريخية للفتح العربي للأندلس، تفتحها الليالي في مزحة من عدة أسطر (الليلة 271 طبعة القاهرة)، حيث تروي عن قصر مغلق، يُضيف كل ملك جديد من ملوك إسبانيا على أبوابه قفلاً، إلى أن جاء ملك من خارج بيت المملكة، أخذه الفضول لمعرفة ما بداخل القصر، ولم يستمع إلى التحذير، وما إن فتح الباب حتى وجد صوراً للعرب على ظهور الخيل، فكان هتك سر القصر سبباً لتحقيق نبوءة النصر العربي!
وتبدأ قصة اكتشاف «مدينة النحاس - الليالي من 566 إلى 578 طبعة القاهرة» باجتماع للخليفة عبد الملك بن مروان مع خاصته ليناقشوا أمراً خيالياً: أمر الجن العصاة القابعين في قاع المحيط الذين عاقبهم نبي الله سليمان بحبسهم في قماقم من النحاس مختومة بخاتمه، وتمخضت المزحة عن تشكيل لجنة للتحقق من الأمر أبحرت باتجاه المغرب لتضع نفسها تحت أمرة الصحابي موسى بن نصير الوالي على المغرب. (تُسميه الليالي موسى بن نصر) وعندما نبحث في كتب التاريخ نجد قصصاً تتعلق باسم الصحابي تقول إن لقبه كان نصر فعلاً وتم تصغيره إلى نصير: هل كان رواة «ألف ليلة وليلة» يعرفون هذه المعلومة غير القوية، وأرادوا إيقاظها؟ هل قصدوا تصحيف الاسم وتغييره لصنع مسافة من التاريخ؟
هناك وظيفتان للرواية عندما تدخل إلى التاريخ: الأولى إيقاظ النائم من التاريخ الرسمي، والثانية عدم التطابق التام معه. وقد انتهت اللجنة برئاسة موسى بن نصر إلى اكتشاف مدينة النحاس الممسوخة، التي تحوي وفرة من الذهب والجواهر. وتعود البعثة بأموال كثيرة للخليفة. في كتب التاريخ الرسمي حمل موسى بن نصير إلى الخليفة أموالاً طائلة من المغرب بالفعل، لكنها أموال جباية، ولكن الليالي تقوم بإزاحة الأموال إلى أصل أسطوري، بل جعلتها تتجاور مع القماقم؛ إذ عادت البعثة كذلك بقماقم فتحوها في حضرة الخليفة فخرج منها الجن يتوسلون إليه العفو عنهم متصورين أنه النبي الذي حبسهم!
«دون كيخوتة» أم الرواية الغربية ليست سوى مزحة فكر فيها سرفانتس على هذا النحو، وأخذت، ولم يكن من الممكن أن تستمر إلا بفضل تواطؤ كل من قابلهم الفارس الهزيل؛ فأي ممن صارعهم كان بوسعه أن يقضي على الفارس الواهم بضربة ويُقوِّض الرواية. ولا يمكن أن يكون دوستويفسكي قد كتب رواية «المِثل أو القرين» دون أن يمتلك إرادة المزاح على الرغم من ميلودراما النص القوية، ولم يفعل ذلك إلا لعلمه بأن القارئ سيتواطأ معه ويتابع حياة ياكوف بتروفتش جولدياكين، الكاتب في إحدى الإدارات الحكومية، وقد جعل الكاتب له قريناً مطابقاً يتبعه في كل مكان حتى أنه يحصل على وظيفة بالإدارة نفسها، ويجلس مقابله على طاولة النسخ، ويحتل مكانة بالتزلف للرؤساء.
وهل كان من الممكن لرواية «المسخ» أن تنشأ سوى من نية مازحة لدى كافكا رغم حزن التفاصيل؟
نجيب محفوظ كتب «ليالي ألف ليلة» بنية المزاح مع التاريخ وألف ليلة معاً، لكن القليل المتواتر شفاهياً من سيرة الكاتب المتكتم نجيب محفوظ، يؤكد أنه استهدف بمزاحه الجيل التالي له؛ جيل الستينيات، وقد أكثر بعضهم من الحديث عن مشروع لتأسيس رواية عربية انطلاقاً من التراث، وعندما نستعيد اليوم مزاحه ثلاثي الأبعاد (مع التاريخ وألف ليلة والواقع) نرى ذكاء السخرية في اشتقاقات الأسماء ونسخ وقائع التاريخ وجرأة الخيال المازح الأشجع من الأصل، حيث استنهض محفوظ قوة الجن في مدينة مزدحمة، بينما تظهر في «ألف ليلة» بالأماكن المعزولة. من باب إنكار العفاريت، يردد القاهريون مثلاً دارجاً: «ما عفريت إلا بني آدم»، لكن محفوظ مرَّر الكذبة بقدرته العالية على المزاح.
وبالمناسبة؛ فإن استعارة عالم ومحاكاته لا يحدث إلا في حالتين: حالة الكاتب الساذج الذي لم يعرف بعد الخوف من قوانين وشرطة الإبداع، وحالة الكاتب الواثق من حساسيته إلى درجة تجعله متأكداً من قدرته على الإفلات من المساءلة بمزاح يضع القوانين في خدمته، وفي خدمة رسالة النص.
في تقديمه للطبعة العربية من كتاب «الأسلوب المتأخر»، يكثف مايكل وود خلاصة رؤية إدوارد سعيد للمزاح بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، ويتفق معه في قدرة المزاح على فعل ذلك.
هذا يؤكد أن المزاح واللهو في الأدب، ليس أقل قيمة من الجهامة الواقعية، ويصعب أن تكون هناك رواية رفيعة دون أن تكون حُبلى بالسخرية، الأمر الذي يجعل من لقب «الكاتب الساخر» شيئاً بلا معنى، أو يجعله واسعاً إلى درجة يجب أن تشمل كل الأذكياء.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».