اتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من الحروب الأهلية في السودان

البرهان وحمدوك: لن نعود للحرب واتفاقنا ليس لاقتسام السلطة... والسعودية والإمارات تؤكدان دعمه

مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
TT

اتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من الحروب الأهلية في السودان

مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)

وسط أجواء من الفرح والأمل وقع السودانيون في «جوبا»، وعلى مقربة من ضريح القائد السوداني التاريخي «جون قرنق»، «اتفاقية سلام» غير مسبوقة ينتظر أن تكون بداية نهاية عقود من الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى وملايين المصابين واللاجئين والنازحين.
وتزاحم عشرات الآلاف من سكان جنوب السودان وهم يحملون آلاتهم الموسيقية التقليدية، في «ميدان الحرية»، عند ضريح الزعيم السوداني الراحل «جون قرنق ديمبيور»، والذي قاد حرب عصابات ضد قوات الخرطوم استمرت قرابة 25 عاماً، انتهت باتفاقية السلام الأشهر «نيفاشا» عام 2005. للمشاركة في مراسم الاحتفال.
وجرت في جوبا لأكثر من عام، مفاوضات سلام مارثونية بوساطة من حكومة جنوب السودان، بين الحكومة الانتقالية السودانية، و«الجبهة الثورية» وتتكون حركات مسلحة ظلت تقاتل الجيش السوداني منذ نحو عقدين من الزمان، قبل أن تعلن وقف إطلاق النار، عقب إطاحة نظام الإسلاميين بزعامة الرئيس المعزول عمر البشير، بثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 الشعبية، وقوى شعبية مدنية من جهات السودان فيما عرف بـ«المسارات».
ووقع أمس قادة حركات المسلحة «الحركة الشعبية لتحرير السودان – مالك عقار، حركة العدل والمساواة السودانية - جبريل إبراهيم، حركة تحرير السودان – مني أركو مناوي، وحركات أخرى، إضافة إلى ممثلي مسارات أقاليم «الشرق، الوسط، الشمال» المنضوين لتحالف «الجبهة الثورية»، فيما وقع عن حكومة الخرطوم رئيس وفدها التفاوضي نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي».
ووقع كشهود وضامنين لاتفاقية السلام، كل من الرئيس التشادي إدريس ديبي، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وممثلون عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، ومندوبو الاتحادين الأفريقي والأوروبي والأمم المتحدة.
وشارك في مراسم التوقيع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو، والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي، والرئيس التشادي إدريس ديبي، والرئيسة الإثيوبية سهلورق زودي، بجانب رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميادرديت، ووزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي، ووزير الدولة للشؤون الأفريقية السعودي أحمد قطان، والمبعوث الأميركي الخاص لدولتي السودان وجنوب السودان دونالد بوث، فضلا عن ممثلين لدول غربية وإقليمية وممثلين لعدد من الدول الغربية.
وحضر فعاليات التوقيع وفد سوداني يتقدمه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأعضاء مجلس السيادة، وعدد من الوزراء، وقادة تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، وإعلاميون وفنانون وشعراء ونشطاء وممثلون عن لجان المقاومة.
وتتضمن الاتفاقية الموقعة أمس ثمانية بروتوكولات، تتعلق بالعدالة الانتقالية والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع الرحل والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين، إضافة إلى بروتوكول الترتيبات الأمنية، ويعنى بإعادة دمج وتسريح مقاتلي قوات الحركات المسلحة في الجيش النظامي لتكوين جيش موحد يعكس التنوع السوداني.
وغابت عن التوقيع كل من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، بيد أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد التقى الجمعة بالحلو في جوبا، لحثه على الانخراط في عملية السلام الشامل في البلاد، وعقد معه اجتماعا بقصر الرئاسة في جوبا بحضور الرئيس سلفاكير ميارديت، ذكرت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» أنه بحث تطورات عملية السلام بما يؤدي لاستئناف محادثات السلام بين الطرفين.
وفي كلمته لحفل التوقيع دعا رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كل من عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو، للحاق بالسلام، وقال إن حكومته أكملت نقاش كل القضايا معهم. كما أشار إلى أهمية التنمية المستدامة في السودان وقال: لا سلام بدون تنمية وديمقراطية.
من جهته، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عدم العودة للحرب مجدداً وقال في كلمته: «لن نحيد عن طريق السلام»، وإن الاتفاق الذي تم التوصل له يشمل كل المناطق، وأضاف: «استدار الزمان وأتينا إلى جوبا مرة أخرى سائرين على بساط السلام للتأمين على الاتفاق الذي وقع بالأحرف الأولى».
وبدوره قال رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت بصعوبة تطبيق اتفاق السلام في ظل الظروف السودانية، وناشد الأسرة الدولية والعالم العربي للالتزام بتعهداته في دعم تطبيق الاتفاق.
ووصف سلفاكير الاتفاق الذي رعاه بـ«الحدث تاريخي»، ودعا مواطنيه للفخر بجهود بلادهم لتحقيق السلام في السودان برغم التحديات التي تواجه بلادهم، واعتبر وساطته «وفاء لدين لدور يستمر السودان في القيام به، لتحقيق السلام في جنوب السودان»، وحث كل من عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور للانضمام لركب السلام، مؤكدا التزامه بالمصالحة والسلام في جنوب السودان وحل الخلافات عبر الحوار.
من جهته، وصف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الاتفاق بأنه «صفحة جديدة لنهضة السودان»، وقال: «اتفاقنا اليوم ليس معاهدة لاقتسام السلطة»، وأوضح أن البلاد اجتازت «مرحلة السلام الأولى بالصبر، قاطعا بأهمية السلام لتحقيق التنمية المستدامة والديمقراطية بقوله: «لا سلام مستداما بدون تنمية مستدامة وديمقراطية»، وأضاف: «هذا سلام سوداني مطبوع عليه هويتنا صنعناه بأيدينا وجهدنا مع تعهد ورعاية كريمة من أشقائنا في جنوب السودان».
وبحسب صفحته الرسمية على «فيسبوك» قال رئيس وفد التفاوض محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إن الاتفاق سيوقف الحرب ويحقق السلام والعدالة، ودعا لتنزيله لأرض الواقع «من أجل مصلحة وطننا العظيم ومحبي السلام في بلادنا»، واعتبره هدية للشعب وللذين عاشوا ويلات الحرب، وأضاف: «بهذا الاتفاق نكون قد بدأنا أولى الخطوات، نحو سودان خال من أصوات البنادق ونزف الدماء»، وتابع: «اليوم نودع أياماً حالكة الظلام من تاريخ بلادنا، ومعاً سنتجاوز الصعاب وصولاً إلى حلمنا في تحقيق الاستقرار والتطور والنماء».
وقال رئيس الجبهة الثورية الهادي إدريس يحيى، إن اتفاق السلام سيعزز العلاقة بين شعبي السودان وجنوب السودان، بيد أنه أشار إلى أهمية دعم المجتمع الدولي للاتفاق ومقابلة استحقاقاته، باعتبار استقرار السودان مسؤولية وطنية وإقليمية ودولية.
ووصف رئيس حركة السودان مني أركو مناوي توقيع الاتفاق بأنه «إنجاز مثل المعجزة»، وقال إن السودان ليخرج لبر الأمان يجب أن تعاون الاتفاقية ضحايا الحرب، وتوسيع القاعدة السياسية للحكومة الانتقالية.
وتعهد الاتحاد الأفريقي بالوقوف مع السودان لتنفيذ الاتفاق، ووصف ممثله رئيس المفوضية موسى فكي توقيع الاتفاق بالنقطة الحاسمة في عملية السلام، وأن الشعب السودان هو الضامن الأساسي له، فيما أكد مبعوث الرئيس الأميركي لدولتي السودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث، التزام دول «الترويكا الغربية» بمساندة تحقيق العدالة والسلام في السودان، مشيرا إلى صعوبات واجهت توقيع اتفاق السلام، ومصاعب عديدة جابهت السلام في السودان، مشددا على أهمية توفير حياة أفضل للعديد من السودانيين في معسكرات النزوح.
من جانبه، دعا الاتحاد الأوروبي على لسان ممثله في حفل التوقيع الحركات التي لم تلتحق باتفاق السلام، للالتحاق بالسلام، ووضع الشعب السوداني «أولوية».
عربياً، أكد وزير الدولة للشؤون الأفريقية مبعوث خادم الحرمين الشريفين لحفل توقيع اتفاق السلم، أحمد بن عبد العزيز قطان، استمرار دعم المملكة العربية السعودية لشعب السودان لتحقيق طموحاته وآماله المشروعة، وقال: «السعودية تثق في قدرة الأشقاء على المضي قدما في طريق السلام، وتجاوز تبعات الماضي»، فيما تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم اتفاق سلام السودان، وأن دعمهما ينطلق من ثوابت العلاقات بين البلدين، وقال وزير البترول ممثل الدولة سعيد المزروعي للاحتفال: «نتمنى أن يجني الشعب ثمار هذا الاتفاق»، وتابع: «هذا سلام لا يصنعه إلا الشجعان»، وتعهد بأن تتابع بلاده السلام بالدعم والرعاية على المستويات كافة.
شعبياً، تحولت «ساحة الحرية» في جوبا إلى «حفل كبير» اختلطت فيه إيقاعات الطبول، بموسيقى الألحان الشعبية، وحناجر المغنين الشعبيين بالمغنين المحترفين، ومرددي الأشعار الشعبية باللغات الجنوب سودانية المتعددة، ومهرجانات الرقص الأفريقي الصخاب، زادته حماسا زغاريد النسوة الفرحات بتحقيق السلام في السودان الذي كان بلادهم قبل «الانفصال»، واختلطت فيه دموع الفرح بـ«زخات» المطر الجنوبي الهتان.



الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتتقلص فرص العمل في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن، تكثف الجماعة شراء الدراجات النارية من الأسواق في صنعاء ومدن أخرى، لتوزيعها على عناصرها في جبهات القتال؛ ما يرفع أسعارها ويزيد صعوبة اقتنائها أمام الشباب الذين يعتمدون عليها مصدراً للدخل.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تخصيص الحوثيين أموالاً لشراء مئات الدراجات النارية خلال الأسبوعين الماضيين، في صنعاء وعمران والحديدة وذمار وإب؛ لاستخدامها في العمليات العسكرية.

وأوضحت المصادر أن زيادة الطلب أسهمت في ارتفاع الأسعار وتقليص المعروض؛ ما أضعف قدرة المواطنين، خصوصاً العمال والشباب محدودي الدخل، على شرائها لتأمين احتياجات أسرهم.

وحسب المصادر، جاء هذا التوجه بعد إخفاق الجماعة في استقطاب عدد من مالكي الدراجات وسائقيها في صنعاء ومدن أخرى للانضمام إلى صفوفها؛ ما دفعها إلى شرائها مباشرة من الأسواق وتوزيعها على عناصرها لاستخدامها في الجبهات.

الدراجات النارية تشكّل مصدر عيش لعشرات آلاف اليمنيين (فيسبوك)

وربطت المصادر تكثيف عمليات الشراء بتعرض تعزيزات الجماعة ومركباتها لضربات جوية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب النقص الحاد في إمدادات الوقود. وقالت إن الدراجات توفر وسيلة للتحرك عبر الشعاب ومجاري السيول والمسالك الوعرة التي يصعب على الآليات العسكرية الثقيلة اجتيازها، وتُستخدم في نقل المقاتلين والإمدادات إلى الجبهات وإخلاء القتلى والجرحى.

ولم يكن استخدام الدراجات النارية في العمليات القتالية جديداً على الجماعة؛ إذ اعتمدت عليها خلال سنوات الحرب الماضية في عدد من الجبهات، مستفيدة من صغر حجمها وسهولة حركتها. وتشير المصادر إلى استمرار استخدامها في جبهات تعز والضالع والساحل الغربي، مع سعي الحوثيين إلى توفير أعداد إضافية منها لتعزيز تحركاتهم العسكرية.

منافسة جديدة

تضع هذه التحركات الحوثية السكان أمام منافسة جديدة على وسيلة تُعدّ بالنسبة إلى كثيرين أداة للعمل ومصدراً محدود التكلفة لكسب الرزق، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد الأعباء المعيشية.

ويقول مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الدراجات النارية لا تمثل مجرد وسيلة مواصلات، بل رأسمال لمشروعات صغيرة ومصدراً مباشراً للدخل، سواء عبر توصيل الطلبات أو نقل البضائع أو التنقل إلى مواقع العمل. وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعارها يهدد بحرمان مزيد من الشباب والعمال من فرص العمل التي تعتمد على امتلاكها.

وفي السياق، أفاد مالك معرض لبيع الدراجات النارية في جنوب صنعاء بأن مشرفين حوثيين اشتروا خلال الأسبوعين الماضيين العشرات من الدراجات من معرضه.

يمنيون في إحدى أسواق صنعاء على متن دراجاتهم النارية (الشرق الأوسط)

وقال مالك المعرض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار الدراجات تتراوح بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني للدراجة الواحدة، تبعاً لموديلها ومواصفاتها (سعر الدولار الذي تفرضه الجماعة يبلغ نحو 530 ريالاً). وأضاف أن الإقبال على الشراء ارتفع خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع تكثيف عمليات التزويد الموجهة إلى الجبهات.

وأشار إلى أن زيادة الطلب انعكست على الأسعار، وأضعفت قدرة المواطنين، خصوصاً الشباب محدودي الدخل، على اقتناء الدراجات والعمل عليها لتوفير احتياجات أسرهم، في وقت بات فيه تأمين رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير يفوق قدرة كثيرين.


تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.


ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
TT

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن في برنامج عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة ومحافظ عدن، صباح الأربعاء، ما يوحي بأنَّ جولته الميدانية ستتحوَّل إلى سباق مع لحظات فارقة، وقد خرج من منزله كعادته لمتابعة أعماله اليومية، حاملاً جدولاً من الزيارات إلى مواقع ومرافق في المدينة.

ضمن هذه الزيارات كان مطار عدن الدولي، حيث تفقَّد أعمال تأهيل المدرج، واستمع إلى شرح عن تقدُّم المشروع، وأنهى زيارته وغادر المطار متجهاً إلى محطات أخرى، قبل أن يتلقَّى نبأ محاولة استهدافه بصاروخ باليستي سقط في محيطه.

بين مغادرة الموقع ووصول نبأ محاولة الاستهداف، لم يكن يفصل المحافظ عن مشهد آخر سوى وقت قصير، جولة بدأت اعتيادية، في إطار متابعة المشروعات والأعمال الجارية، انتهت بمفارقة النجاة من استهداف وقع بعد مغادرته المكان الذي كان يتفقده.

وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، وصف شيخ، الزيارة بأنها جزء من جولاته الميدانية المعتادة، مؤكداً أن الاستهداف وقع بعد خروجه من المطار، حيث كان يتابع أعمال المرحلة الثالثة من مشروع التأهيل، الذي ينفِّذه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، موضحاً أنه استمع خلال الزيارة إلى شرح عن سير العمل في تأهيل المدرج، الذي بلغت نسبة الإنجاز فيه ما بين 70 و80 في المائة، قبل أن يغادر لاستكمال جولته في مواقع أخرى من المدينة.

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن المطار المحطة الأخيرة في برنامج المحافظ؛ فبعد مغادرته، واصل جولته لمتابعة مشروعات وأعمال خدمية أخرى، شملت طريق شارع الخمسين، إلى جانب زيارة عدد من الإدارات الأمنية، من بينها إدارة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات.

هذه المفارقات في التوقيت، والنجاة من استهداف مباشر وغير مباشر، اعتاد على التعامل معها في مدينة عدن منذ تداعيات الحرب عام 2015 وانقلاب الحوثيِّين على السلطة، لتتداخل في تفاصيل العمل اليومي الاعتبارات الأمنية، في حين تظل المشروعات والخدمات جزءاً من محاولات الحفاظ على استمرارية الحياة رغم التحديات.

وهنا أوضح شيخ، أن السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، في ظلِّ استخدام الحوثيين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتَّحرُّكات، خصوصاً مع إسقاط الأجهزة المعنية عدداً من الخلايا الحوثية النائمة في عدن ومحافظات أخرى، في سياق الجهود الأمنية الرامية إلى حماية المدينة ومرافقها الحيوية.

وأكد المحافظ أن هذه الأعمال العدائية لن تثني أبناء اليمن عن مواصلة أداء مهامهم وخدمة بلادهم، مشدداً على أن الاستهدافات لن توقف الحياة في عدن أو تعطِّل الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع.

بعيداً عن المشهد الأمني ونجاة المحافظ، تواجه المدينة العتيقة عدن، تحديات معيشية تتصل بتوفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي والكهرباء والأدوية، وهي ملفات تتأثر بظروف الحرب وضغوط الإمدادات والطلب المتزايد.

وقال المحافظ إن الأوضاع العامة لا تزال مطمئنة، رغم وجود تحديات في توفير بعض الاحتياجات، موضحاً أن أزمة الغاز المنزلي ترتبط بالإمدادات المقبلة من محافظة مأرب، التي تأثرت بظروف الحرب، إلى جانب ارتفاع الطلب مقارنة بالكميات المتاحة، الأمر الذي أدى إلى نقص المعروض.

أما الكهرباء، فتظل من أبرز الملفات الخدمية التي تواجه المدينة، في ظلِّ ظروف استثنائية قد تزيد من حدة الضغوط على هذا القطاع، وتنعكس على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، في حين يمتد الاحتياج إلى القطاع الصحي، الذي يتطلب استمرار توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يساعد المرافق الصحية على أداء مهامها والاستجابة لاحتياجات المرضى.

في مواجهة هذه التحديات، ثمن محافظ عدن، الدعم الذي يقدمه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والقوات المشتركة، و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، مشيراً إلى مساهمتهم في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة دورية، مؤكداً أن السلطات المحلية ستواصل متابعة المشروعات والعمل على الحفاظ على استقرار الخدمات، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية.

وبين مطار غادره قبل استهدافه، وطرق ومرافق واصل جولته لتفقدها، تبدو عدن أمام مشهد تختلط فيه مخاطر الحرب بمحاولات استعادة الحياة، فالصاروخ الذي سقط في محيط المطار لم ينهِ برنامج المحافظ اليومي، كما لم يغيِّر، وفق تأكيده، إصرار السلطات المحلية على مواصلة العمل لتبقى مشروعات الإعمار والخدمات حاضرةً في مدينة تحاول المضي إلى الأمام، رغم كل ما يعترض طريقها بفعل الحوثيِّين.