إنجازات بالجملة.. ورام الله تنافس كبرى العواصم

عام السينما والمعارض الفنية وأمسيات متحف درويش ورحيل صاحب «منتصب القامة»

مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
TT

إنجازات بالجملة.. ورام الله تنافس كبرى العواصم

مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية

يمكن القول من دون تردد، إن متحف محمود درويش كرّس نفسه خلال عام 2014، مركزا ثقافيا فنيا بات الأكثر حضورا في فلسطين على مختلف الأصعدة. فقد استضاف المتحف، في إطار مشروعه «في حضرة درويش»، كثيرا من الكتاب والروائيين والشعراء والأدباء العرب، من بينهم الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الفائز بجائزة البوكر العربية لعام 2013. عن روايته «ساق البامبو»، والشاعر العراقي عدنان الصائغ، والروائية الكويتية ليلى العثمان، والكاتب والشاعر الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم، والكاتب والروائي الفلسطيني يحيى يخلف، والأديب والروائي الأردني مفلح العدوان، والشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، بينما تعذر حضور الروائي السعودي عبده خال، وكان مقررا في الـ23 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي.
من داخل قاعة الجليل في المتحف، أطلق كثير من الكتب والروايات ودواوين الشعر، أبرزها المجموعة الشعرية لغسان زقطان «لا شامة تدل أمي عليّ»، وكتاب «وديع حداد» لبسام أبو شريف، ورواية «الشيخ ريحان» لأحمد غنيم، ورواية «ما وراء الجسد» لميرفت مصلح، وديوان «فوق عنق الغزال» للشاعر عامر بدران، وكتاب «محمود درويش في حكايات شخصية» لنبيل عمرو، وديوان «كشتبان» لزكريا محمد، وديوان «حين سار الغريب على الماء» لإيهاب بسيسو، وغيرها الكثير، علاوة على احتضان العشرات من الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية والثقافية ومعارض الفن التشكيلي والأمسيات الموسيقية والغنائية والمسرحيات، وفي إطار مشروع «الأربعا سينما»، وينفذه المتحف بالتعاون مع «Shayeb Group»، استضافت القاعة ذاتها أكثر من 50 عرضا سينمائيا جلها أفلام روائية من مختلف دول العالم، ومن بينها أفلام فلسطينية عُرضت لأول مرة، وبعضها بحضور مخرجيها، كأفلام «غزة تنادي» لناهد عواد، و«نهر البارد يروي» لساندرا ماضي، وفيلم «آخر الأيام في القدس» لتوفيق أبو وائل، وفيلم «لما شفتك» لأن ماري جاسر، إضافة إلى عرض الفيلم الأميركي «12 سنة عبودية» الفائز بالأوسكار، والفيلم الإيطالي «الجمال العظيم» الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، والأفلام التي كانت مرشحة للأوسكار، ونخبة من الأفلام من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية بحيث تمثل القارات كافة.

* قلنديا الدولي

* وكان من أبرز الفعاليات الفنية في فلسطين خلال العام الحالي، برنامج «قلنديا الدولي الثاني»، بمشاركة 13 مؤسسة ثقافية و100 فنان فلسطيني وعالمي، وتواصلت فعالياته منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) وحتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وانتظم المهرجان في أنحاء مختلفة من فلسطين التاريخية بما فيها القدس، وغزة، ورام الله، وحيفا، والخليل، وطولكرم، وبيت لحم، ونابلس، وقلنديا وغيرها، من خلال سلسلة من المعارض الفنية، وعروض الأداء، والحوارات والجولات في الفضاءات العامة. وشمل برنامج «قلنديا الدولي 2014». مجموعة من المعارض التي سيتم افتتاحها على مدار أسبوع تستكشف معظمها موضوع الأرشيفات، ومن أبرزها معرض«غزة 87» لمجموعة التقاء وشبابيك للفن المعاصر، الذي يُنظم في غزة ويشارك فيه 10 فنانين يتناولون انتفاضة عام 1987. في محاولة لإلقاء الضوء على أرشيف غير موثق حول الحياة اليومية في غزة أثناء الانتفاضة.
وشارك المتحف الفلسطيني للمرة الأولى في هذه التظاهرة، من خلال معرضه «مقدمة في المتاحف الفلسطينية» في مركز بلدية البيرة الثقافي، الذي يلقي الضوء على المتاحف في فلسطين، ومساهمتها في حفظ الأرشيف، وتعزيز الهوية الوطنية. والمعرض نتاج تعاون مشترك ما بين 39 متحفا على امتداد فلسطين. ومن جهة أخرى، أطلقت مؤسسة عبد المحسن القطان، معرض مسابقة الفنان الشاب لعام 2014 (اليايا) في قاعة مسرح بلدية رام الله، تحت عنوان «شهادات معلقة»، شارك فيه أعمال 9 فنانين شباب اجتازوا المرحلة النهائية للمسابقة. واستند المعرض إلى مفهوم «التأريخ الذاتي والمنهجية الأرشيفية» الذي وضعته القائمة على المعرض فيفيانا كيكيا، الذي يهدف إعادة كتابة التاريخ الذي تم نسيانه، أو استبعاده، وتقديم الحلقات المفقودة من الصورة.
واعتبرت مشاركة «مشاريع من راسي» في متحف «أدوات ترد الغياب» بمركز خليل السكاكيني الثقافي، أول مشاركة لمشروع فلسطيني من الشتات في قلنديا الدولي. ويقدم المشروع الذي تنسقه القائمة عليه آلاء يونس، عددا من المعارض يتمحور موضوعها حول تاريخ الفلسطينيين في الكويت، وتشمل عرضا أدائيا، وزيارة للمرة الأولى لمجموعة من الفنانين الكويتيين إلى فلسطين.
وفي القدس، نظمت مؤسسة المعمل معرض «على أبواب الجنة» السابع تحت عنوان «تصدعات»، ونسقته الفنانة باساك سينوفا، وهو سلسلة معارض تحاول الكشف عن كثير من الأحداث والظروف في سياقات زمنية متعددة ومعالجتها، متخذة من مدينة القدس نقطة انطلاق. وشمل قلنديا الدولي جولة تنظمها مؤسسة رواق للمعمار الشعبي إلى الخليل، ويطا، والظاهرية، تتخللها عروض أداء ومعارض تتضمن التعريف بأرشيف العمارة الفلسطينية في هذه البلدات.
كذلك يشهد قلنديا الدولي افتتاح معرض «تصاميم من فلسطين» في الأكاديمية الدولية للفنون - فلسطين في البيرة، وهو نتاج مشروع مشترك ما بين مصممين وفنانين فلسطينيين وعالميين بالاشتراك مع حرفيين، فيما شاركت بلدية رام الله في سلسلة من المعارض والعروض الأدائية والتدخلات في الفضاء العام، تحت عنوان «خارج الأرشيف»، متخذة من أرشيف بلدية رام الله محور استلهامها.
وتحولت شوارع مدينة رام الله في 29 من أكتوبر (تشرين الأول) إلى انتفاضة فنية، حيث ينطلق موكب لإحياء ذكرى انتفاضة عام 1987 بهدف استعادة صورة الانتفاضة التي اختفت من الذاكرة، ولا يعرف عنها الجيل الجديد إلا القليل.
وأطلق قلنديا الدولي للمرة الأولى، مجموعة من الندوات، تحت عنوان «لقاءات قلنديا»، التي تخصص هذا العام لنقاش موضوع الأرشيف في فلسطين، وستستمر على مدى 3 أيام في مركز بلدية البيرة الثقافي، وتتناول مواضيع متعددة بحضور فنانين ونقاد من فلسطين ومن العالم.

* فعاليات بالجملة.. وسينما

* وجاءت تلك التظاهرة في الوقت الذي نظمت فيه غالبية المؤسسات الثقافية والفنية الفلسطينية على مدار العام، فعاليات أسبوعية وشهرية، خاصة في رام الله، التي بات البعض يرى أنها هي من صارت تستحق لقب باريس الشرق. فالفعاليات شبه اليومية، التي لا تخلو من عمق في مجملها، تارة في هذا المسرح أو السينما أو المركز الثقافي ما بين الحداثة والفلكلور، وسلسلة المهرجانات الصيفية التي حالت الحرب على غزة دون انتظامها جميعها، تجعل من رام الله عاصمة ثقافية عربية بامتياز تضاهي بيروت والقاهرة إن لم تتفوق عليهما، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار المساحة الجغرافية الصغيرة للمدينة، وعدد سكانها الذي لا يتجاوز الـ50 ألفا.
وكان للسينما الفلسطينية خلال العام الحالي حضورها الخاص والطاغي، بدءا من وصولها إلى المنافسات النهائية لجائزة أفضل أوسكار للفيلم الأجنبي، عبر فيلم «عمر» للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، الذي حصد من خلال الفيلم، عشرات الجوائز الدولية والعربية، وأفلام أخرى متعددة كـ«عيون الحرامية» لنجوى نجار، و«فلسطين استيريو» لرشيد مشهراوي، و«المطلوبون 18» لعامر شوملي، و«روشيما» لسليم أبو جبل، وغيرها، في حين كان الحضور المسرحي على صعيد العروض والمشاركات والجوائز، رغم تحققها، خجولا إلى حد ما، باستثناء الإنتاجات المهمة للمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس بشكل أساسي.

* خسارة صاحب «منتصب القامة»

* وكان لرحيل الشاعر سميح القاسم، صاحب «منتصب القامة»، حضوره الطاغي والحزين في آن؛ هو الذي كتب في مرافعته الأخيرة، التي خطها بيده قبل رحيله بأيام، ونشرت كصورة على صفحته في موقع التواصل «فيسبوك»، قبل أن يخطفه الموت، وبعد أن تدهورت حالته الصحية جراء معاناته مع مرض السرطان: «أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافك.. أدرك أنك سرير لجسمي وروحي لحافك.. وأدرك أنّى تضيق علي ضفافك.. أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافك».
وتوالت ردود الفعل الفلسطينية والعربية، السياسية منها والثقافية والفنية، في نعي صاحب «تقدموا»، وغيرها كثير من القصائد الخالدات، فيما انتشرت الومضات على مواقع التواصل الاجتماعي لتستعيد أغنياته وتربطها بالأحداث الجارية وقتها، خاصة الحرب على غزة، ولتستذكر الشاعر الراحل محمود درويش، وما شكله الشاعران من ثنائية حرست الوحدة الثقافية الفلسطينية، ووحدة المصير بين «شقّي البرتقالة».
وقال وزير الثقافة الفلسطيني زياد أبو عمرو: «كان القاسم مخلصا لعروبته ولقضيته ولشعبه ولقصيدته المقاومة»، مضيفا: «مهما تحدثنا عن القاسم وعن شخصيته، فلن نستطيع أن نفيه حقه، فهو الرمز الذي امتلك خصوصيته في عالم الشعر والأدب والنضال الفلسطيني والعالمي، كافح وناضل عبر مسيرته بقلمه وفكره وحياته من أجل خدمة القضية الفلسطينية.. إن رحيل القاسم خسارة كبيرة للأدب الفلسطيني، وعزاؤنا في موروثه الفكري والشعري الذي تربت عليه الأجيال وكبرت، وحفظته نشيدا وطنيا عاليا، ورددته في كل مكان على وجه الأرض».
وقال الوزير الفلسطيني الأسبق الروائي يحيى يخلف: «سميح اختار منذ أكثر من 10 أعوام مكان دفنه وضريحه. اختار أرضا على تلة قريبة من بيته، وعدها لتكون قبره وحديقته، يطل منها على سهول فلسطين وتلالها وطبيعتها الساحرة التي خلقها الله منذ الأزل.. رحل سميح القاسم بعد حياة حافلة بالشعر والكفاح وحب الوطن وحب الحياة، وعلى خطى نبضات ودقات قلب الأرض مشى في دروب الحرية، ونثر على الطريق صرخته وناره ورسائل عشقه وصدى غضبه واشتباكه مع المحتل مقرنا الكلمة بالممارسة، رابطا القول بالعمل، والإبداع بالفعل، محملا الكلمة بأكثر مما تحتمل الحروف. أخيرا، احتفى الفلسطينيون في أراضي 48 والضفة الغربية بوصول المتسابق هيثم خلايلة إلى نهائيات برنامج «أراب آيدول» للمواهب الغنائية، واستقبل الرئيس الفلسطيني خلايلة وهنأه على إنجازه الذي أفرح الفلسطينيين رغم عدم تتويجه «أراب آيدول» للعام الحالي.



سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي


سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة
TT

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، وعلى نحوٍ يجعل الروائي أكثر إغواءً باستعارة أدوات هذا الحكواتي، ليمنح اللغة بهاءها، ولينزع عن التاريخ سلطته، وباتجاهٍ يتحول فيه «الحكي» ذاته إلى خطاب تمثيلي، وإلى موقف من العالم ومن السلطة.

في رواية «ماء العروس» للروائي السوري خليل صويلح، الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، 2025) ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع، وإلى المكان الموازي، المكان الذي يقترحه المؤلف، حيث التوازي بين المكان البعيد/ الصحراء والمكان الدوستوبي، الذي يستغرقه العنف والقمع والقتل، حيث يشاهد الابن/ البطل الأضحوي إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.

في عالم البدو لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل من هذا العالم مجالاً سردياً ضاجَّاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال حكاياتها، فعمد إلى كسر الرتابة، عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدثٍ إطاري صادم، حيث يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مُهينة، بواسطة حبل طويل يجرّه حصان بتهمة «حيازة سلاح غير مُرخّص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة، وكأن الروائي أراد توظيف هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة، فالصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي قد يكون هو أنموذج السلطة، والسلاح قد يكون كناية عن الخطاب والموقف المعارض.

التصعيد الدرامي الذي أحاط بمشهد «السحل» بدا الأقرب إلى بناء مشهد ملحمي، يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي عبر الطفل إسماعيل، وللصراع الخارجي، حيث تمثلات العنف السلطوي، و«الاستغاثات» العائلية ونحيب الطفل، وإحالاتها الرمزية للضحايا، وللشخصيات التي اختارها الروائي من المكان المعزول والهامشي، والتي توحي بالعجز، وبالهامشية والدونية.

تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة، تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن إسماعيل من مشاعر الغضب والكراهية والسخط، وهو ما يتبدى من خلال لعبته في تمثيل سردية الاستعادة، حيث علاقاته الغريبة، وحيث تدوين «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، وعلى نحوٍ يُمكِّنَه من التصرف بمسار الحكاية، لتناسب مآلاتها، وتحويل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية الغائب، ذات الحمولة المثيولوجية، لكي يكتسب غيابه بعداً نفسياً، يسوِّغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة، وعن مواجهة الجرح النرجسي، وعلى نحوٍ يسمح للعبة السرد أن تُشكل لها مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن، مثلما تتغير معها مصائر شخصياته، وصولاً إلى التحكم بنهاية حكايته، لكي يجعل منها «مسودة» سردية أو مجموعة من التخطيطات السردية/ الاسكتشات التي تتناسب وصراعه الداخلي، وحيث انفتاحها على التغير والإضافة والحذف.

ما لا يشبه الواقع

خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم، لا يعني سوى أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لكي يتمكن من تتبع تحولات المجرى السردي، عبر وظيفة تقانة الاستعادة، وعبر الكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة حدث مشهد الأب المسحول، والمشاعر المضطربة التي ظلت تستثيره دائماً، وترافقه كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب، مع سنواته، ومع تحولاته، ومع استغراقات سردية لم يشأ أن يجعلها بعيدة عن تنامي الأحداث، وعن مخطوطة «مستودعه السردي» الذي جعله أكثر تمثيلاً لصوته الداخلي الذي لم يتركه، فهو صوت ذاته المستلبة، الذي يندمج عبر التصعيد الروائي مع أصوات الشخصيات الأخرى، ليصنع «ملفاً سردياً» تستغرقه كثير من الحكايات الغامضة والسحرية، والمفتوحة على اللانهائي.

فصول الرواية الثلاثون تقوم على أساس شروط لعبة الحكي، حيث تنامي الحدث، وحركة الشخصيات، وتعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية لتكون مدونته النرجسية، حيث الإشباع الرمزي، ومواجهة مأزقه الوجودي، إذ لا يمكنه التحرر منها إلا عبر الاعتراف، باعتباره تطهيراً موازياً، فتقوده الشفرة السحرية لـ«نهر الخابور» إلى ما يشبه فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»، وعلى نحوٍ تتحول فيه الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، حيث يعمد الروائي إلى تفكيك المتواري والمخفي، وإلى تحويل الرواية التي تخلو من العناوين إلى بنية إطارية مفتوحة، تتوالى حكايتها، عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، وبين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي.

ما يُثيره خليل صويلح في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته، وسط عالم مُشبَع بذاكرة فاجعة، وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق، حد أن زمن الرواية الموزع بين الحكايات، يدفع الروائي إلى تمثيل زمنه السردي، بوصفه زمناً ضدياً، يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا، أو عبر استعادة ما يشبه «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص، وحيث الإشباع والارتواء، وحيث تدوين العالم عبر مخطوطة تتضاد مع التاريخ، لتبدو وكأنها رواية سيرة الولد الذي يكره ذلك العالم عبر السلطة، ويبحث عن خلاصه عبر الكتابة.

التحول في تمثيل شخصية «الابن إسماعيل» يعكس علاقة هذا التمثيل عبر الكتابة، بوصفها صناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة، حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، وذاكرة المكان الديستيوبي، من خلال الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري موسى صبري التي يحملها، فيجعلها شفرة دالة على رفض ذاكرة المكان/ خيمة سحل الأب، مقابل الإيحاء بالرفض الداخلي لقانون الطوارئ وبيئة الفساد السياسي والإنساني.

تحول خوف الابن إسماعيل إلى كنايةٍ عن خوف جيل جعلته من السلطة محكوماً باللاوعي المُجهَض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» الذي بدا وكأنه الضد النوعي الرافض للخوف، والذي حمل معه أسئلة ضدية، حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرّف على أسرار القوة الغاشمة التي تملكها السلطة، والقائمة على أساس صناعة الخوف، أو القبول بالوظيفة «القربانية» التي تتحول إلى موقف سلبي، وإلى ممارسة نكوصية تجعل من النزع الأضحوي وكأنه دافع نفسي تطهيري للخلاص من الشر، أو الذهاب إلى السخرية، بوصفها سردية مضادة، ينزع فيها الروائي إلى الاستخدام الساخر لمفردات من التاريخ والحكاية والمثل الشعبي، وإلى ما تحمله من إحالات نفسية ورمزية، لتضعنا إزاء ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفجة» واقعية الفضح والإخفاء والزيف والإحساس بالإثم، حيث يقول بسخرية تُخفي مرارته العميقة بأنه يشبه «شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق».

التاريخ وسرديات الانقطاع

تقانة البناء الروائي عند صويلح لا تميل إلى الحكي التقليدي، ولا إلى صناعة الشخصية التقليدية، فبقدر ما يبدو الواقع حاضراً فيها بوصفه مجالاً سردياً، فإن الانقطاع التاريخي يتبدى وكأنه مفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه، أو التمرد عليه، وعلى أن يجعل من «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع الذي يتنامى، وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها، عبر توظيف سردية البناء الموازية، الذي يجعل منها الروائي تمثيلاً سيميائياً لتقابل الصراع الوجودي والصراع السياسي، مع الصراع النفسي الذي تعيشه شخصياته المأزومة.

هذا التقابل ينفتح على سلسلة من التشكّلات التي تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، وعبر ما تسوغه من تمثيل لفكرة الصراع الإطاري، وللشخصية التي تستدعي الزمن السردي، لمواجهة الزمن الواقعي، ولضبط إيقاع تنامي وظائفها في سياق تنامي وحدات السرد، وفي الكشف عن أزمة البطل الوجودي، أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان، ومع نفسها، وعبر الإحساس بتشظيها الداخلي، فروايته المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية، أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي ما تحمله من هواجس، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد، ومحنة العجز الثوري، والخوف السيميائي، فلا تجد تفريغاً له، سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية، وعبر الغوص في الكتابة بوصفها تفريغاً للمكبوت، وإشهاراً للصوت الداخلي الذي يشاطره الإنصات إلى المخفي خلف «ثقب» السرد بالتوصيف الباربوسي، توهماً بالامتلاء، وإحساساً بأن ما يستعيده، هو ما يكتبه، وما يجعله أكثر شغفاً بسردية الخلاص، وتطهير الجسد عبر تفريغ عذاباته النرجسية، وكابوس الموت الذي ظل يساكنه.


جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.