إنجازات بالجملة.. ورام الله تنافس كبرى العواصم

عام السينما والمعارض الفنية وأمسيات متحف درويش ورحيل صاحب «منتصب القامة»

مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
TT

إنجازات بالجملة.. ورام الله تنافس كبرى العواصم

مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية
مشهد راقص قدمته فرقة {بيرزكا} الروسية

يمكن القول من دون تردد، إن متحف محمود درويش كرّس نفسه خلال عام 2014، مركزا ثقافيا فنيا بات الأكثر حضورا في فلسطين على مختلف الأصعدة. فقد استضاف المتحف، في إطار مشروعه «في حضرة درويش»، كثيرا من الكتاب والروائيين والشعراء والأدباء العرب، من بينهم الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الفائز بجائزة البوكر العربية لعام 2013. عن روايته «ساق البامبو»، والشاعر العراقي عدنان الصائغ، والروائية الكويتية ليلى العثمان، والكاتب والشاعر الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم، والكاتب والروائي الفلسطيني يحيى يخلف، والأديب والروائي الأردني مفلح العدوان، والشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، بينما تعذر حضور الروائي السعودي عبده خال، وكان مقررا في الـ23 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي.
من داخل قاعة الجليل في المتحف، أطلق كثير من الكتب والروايات ودواوين الشعر، أبرزها المجموعة الشعرية لغسان زقطان «لا شامة تدل أمي عليّ»، وكتاب «وديع حداد» لبسام أبو شريف، ورواية «الشيخ ريحان» لأحمد غنيم، ورواية «ما وراء الجسد» لميرفت مصلح، وديوان «فوق عنق الغزال» للشاعر عامر بدران، وكتاب «محمود درويش في حكايات شخصية» لنبيل عمرو، وديوان «كشتبان» لزكريا محمد، وديوان «حين سار الغريب على الماء» لإيهاب بسيسو، وغيرها الكثير، علاوة على احتضان العشرات من الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية والثقافية ومعارض الفن التشكيلي والأمسيات الموسيقية والغنائية والمسرحيات، وفي إطار مشروع «الأربعا سينما»، وينفذه المتحف بالتعاون مع «Shayeb Group»، استضافت القاعة ذاتها أكثر من 50 عرضا سينمائيا جلها أفلام روائية من مختلف دول العالم، ومن بينها أفلام فلسطينية عُرضت لأول مرة، وبعضها بحضور مخرجيها، كأفلام «غزة تنادي» لناهد عواد، و«نهر البارد يروي» لساندرا ماضي، وفيلم «آخر الأيام في القدس» لتوفيق أبو وائل، وفيلم «لما شفتك» لأن ماري جاسر، إضافة إلى عرض الفيلم الأميركي «12 سنة عبودية» الفائز بالأوسكار، والفيلم الإيطالي «الجمال العظيم» الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، والأفلام التي كانت مرشحة للأوسكار، ونخبة من الأفلام من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية بحيث تمثل القارات كافة.

* قلنديا الدولي

* وكان من أبرز الفعاليات الفنية في فلسطين خلال العام الحالي، برنامج «قلنديا الدولي الثاني»، بمشاركة 13 مؤسسة ثقافية و100 فنان فلسطيني وعالمي، وتواصلت فعالياته منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) وحتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وانتظم المهرجان في أنحاء مختلفة من فلسطين التاريخية بما فيها القدس، وغزة، ورام الله، وحيفا، والخليل، وطولكرم، وبيت لحم، ونابلس، وقلنديا وغيرها، من خلال سلسلة من المعارض الفنية، وعروض الأداء، والحوارات والجولات في الفضاءات العامة. وشمل برنامج «قلنديا الدولي 2014». مجموعة من المعارض التي سيتم افتتاحها على مدار أسبوع تستكشف معظمها موضوع الأرشيفات، ومن أبرزها معرض«غزة 87» لمجموعة التقاء وشبابيك للفن المعاصر، الذي يُنظم في غزة ويشارك فيه 10 فنانين يتناولون انتفاضة عام 1987. في محاولة لإلقاء الضوء على أرشيف غير موثق حول الحياة اليومية في غزة أثناء الانتفاضة.
وشارك المتحف الفلسطيني للمرة الأولى في هذه التظاهرة، من خلال معرضه «مقدمة في المتاحف الفلسطينية» في مركز بلدية البيرة الثقافي، الذي يلقي الضوء على المتاحف في فلسطين، ومساهمتها في حفظ الأرشيف، وتعزيز الهوية الوطنية. والمعرض نتاج تعاون مشترك ما بين 39 متحفا على امتداد فلسطين. ومن جهة أخرى، أطلقت مؤسسة عبد المحسن القطان، معرض مسابقة الفنان الشاب لعام 2014 (اليايا) في قاعة مسرح بلدية رام الله، تحت عنوان «شهادات معلقة»، شارك فيه أعمال 9 فنانين شباب اجتازوا المرحلة النهائية للمسابقة. واستند المعرض إلى مفهوم «التأريخ الذاتي والمنهجية الأرشيفية» الذي وضعته القائمة على المعرض فيفيانا كيكيا، الذي يهدف إعادة كتابة التاريخ الذي تم نسيانه، أو استبعاده، وتقديم الحلقات المفقودة من الصورة.
واعتبرت مشاركة «مشاريع من راسي» في متحف «أدوات ترد الغياب» بمركز خليل السكاكيني الثقافي، أول مشاركة لمشروع فلسطيني من الشتات في قلنديا الدولي. ويقدم المشروع الذي تنسقه القائمة عليه آلاء يونس، عددا من المعارض يتمحور موضوعها حول تاريخ الفلسطينيين في الكويت، وتشمل عرضا أدائيا، وزيارة للمرة الأولى لمجموعة من الفنانين الكويتيين إلى فلسطين.
وفي القدس، نظمت مؤسسة المعمل معرض «على أبواب الجنة» السابع تحت عنوان «تصدعات»، ونسقته الفنانة باساك سينوفا، وهو سلسلة معارض تحاول الكشف عن كثير من الأحداث والظروف في سياقات زمنية متعددة ومعالجتها، متخذة من مدينة القدس نقطة انطلاق. وشمل قلنديا الدولي جولة تنظمها مؤسسة رواق للمعمار الشعبي إلى الخليل، ويطا، والظاهرية، تتخللها عروض أداء ومعارض تتضمن التعريف بأرشيف العمارة الفلسطينية في هذه البلدات.
كذلك يشهد قلنديا الدولي افتتاح معرض «تصاميم من فلسطين» في الأكاديمية الدولية للفنون - فلسطين في البيرة، وهو نتاج مشروع مشترك ما بين مصممين وفنانين فلسطينيين وعالميين بالاشتراك مع حرفيين، فيما شاركت بلدية رام الله في سلسلة من المعارض والعروض الأدائية والتدخلات في الفضاء العام، تحت عنوان «خارج الأرشيف»، متخذة من أرشيف بلدية رام الله محور استلهامها.
وتحولت شوارع مدينة رام الله في 29 من أكتوبر (تشرين الأول) إلى انتفاضة فنية، حيث ينطلق موكب لإحياء ذكرى انتفاضة عام 1987 بهدف استعادة صورة الانتفاضة التي اختفت من الذاكرة، ولا يعرف عنها الجيل الجديد إلا القليل.
وأطلق قلنديا الدولي للمرة الأولى، مجموعة من الندوات، تحت عنوان «لقاءات قلنديا»، التي تخصص هذا العام لنقاش موضوع الأرشيف في فلسطين، وستستمر على مدى 3 أيام في مركز بلدية البيرة الثقافي، وتتناول مواضيع متعددة بحضور فنانين ونقاد من فلسطين ومن العالم.

* فعاليات بالجملة.. وسينما

* وجاءت تلك التظاهرة في الوقت الذي نظمت فيه غالبية المؤسسات الثقافية والفنية الفلسطينية على مدار العام، فعاليات أسبوعية وشهرية، خاصة في رام الله، التي بات البعض يرى أنها هي من صارت تستحق لقب باريس الشرق. فالفعاليات شبه اليومية، التي لا تخلو من عمق في مجملها، تارة في هذا المسرح أو السينما أو المركز الثقافي ما بين الحداثة والفلكلور، وسلسلة المهرجانات الصيفية التي حالت الحرب على غزة دون انتظامها جميعها، تجعل من رام الله عاصمة ثقافية عربية بامتياز تضاهي بيروت والقاهرة إن لم تتفوق عليهما، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار المساحة الجغرافية الصغيرة للمدينة، وعدد سكانها الذي لا يتجاوز الـ50 ألفا.
وكان للسينما الفلسطينية خلال العام الحالي حضورها الخاص والطاغي، بدءا من وصولها إلى المنافسات النهائية لجائزة أفضل أوسكار للفيلم الأجنبي، عبر فيلم «عمر» للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، الذي حصد من خلال الفيلم، عشرات الجوائز الدولية والعربية، وأفلام أخرى متعددة كـ«عيون الحرامية» لنجوى نجار، و«فلسطين استيريو» لرشيد مشهراوي، و«المطلوبون 18» لعامر شوملي، و«روشيما» لسليم أبو جبل، وغيرها، في حين كان الحضور المسرحي على صعيد العروض والمشاركات والجوائز، رغم تحققها، خجولا إلى حد ما، باستثناء الإنتاجات المهمة للمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس بشكل أساسي.

* خسارة صاحب «منتصب القامة»

* وكان لرحيل الشاعر سميح القاسم، صاحب «منتصب القامة»، حضوره الطاغي والحزين في آن؛ هو الذي كتب في مرافعته الأخيرة، التي خطها بيده قبل رحيله بأيام، ونشرت كصورة على صفحته في موقع التواصل «فيسبوك»، قبل أن يخطفه الموت، وبعد أن تدهورت حالته الصحية جراء معاناته مع مرض السرطان: «أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافك.. أدرك أنك سرير لجسمي وروحي لحافك.. وأدرك أنّى تضيق علي ضفافك.. أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافك».
وتوالت ردود الفعل الفلسطينية والعربية، السياسية منها والثقافية والفنية، في نعي صاحب «تقدموا»، وغيرها كثير من القصائد الخالدات، فيما انتشرت الومضات على مواقع التواصل الاجتماعي لتستعيد أغنياته وتربطها بالأحداث الجارية وقتها، خاصة الحرب على غزة، ولتستذكر الشاعر الراحل محمود درويش، وما شكله الشاعران من ثنائية حرست الوحدة الثقافية الفلسطينية، ووحدة المصير بين «شقّي البرتقالة».
وقال وزير الثقافة الفلسطيني زياد أبو عمرو: «كان القاسم مخلصا لعروبته ولقضيته ولشعبه ولقصيدته المقاومة»، مضيفا: «مهما تحدثنا عن القاسم وعن شخصيته، فلن نستطيع أن نفيه حقه، فهو الرمز الذي امتلك خصوصيته في عالم الشعر والأدب والنضال الفلسطيني والعالمي، كافح وناضل عبر مسيرته بقلمه وفكره وحياته من أجل خدمة القضية الفلسطينية.. إن رحيل القاسم خسارة كبيرة للأدب الفلسطيني، وعزاؤنا في موروثه الفكري والشعري الذي تربت عليه الأجيال وكبرت، وحفظته نشيدا وطنيا عاليا، ورددته في كل مكان على وجه الأرض».
وقال الوزير الفلسطيني الأسبق الروائي يحيى يخلف: «سميح اختار منذ أكثر من 10 أعوام مكان دفنه وضريحه. اختار أرضا على تلة قريبة من بيته، وعدها لتكون قبره وحديقته، يطل منها على سهول فلسطين وتلالها وطبيعتها الساحرة التي خلقها الله منذ الأزل.. رحل سميح القاسم بعد حياة حافلة بالشعر والكفاح وحب الوطن وحب الحياة، وعلى خطى نبضات ودقات قلب الأرض مشى في دروب الحرية، ونثر على الطريق صرخته وناره ورسائل عشقه وصدى غضبه واشتباكه مع المحتل مقرنا الكلمة بالممارسة، رابطا القول بالعمل، والإبداع بالفعل، محملا الكلمة بأكثر مما تحتمل الحروف. أخيرا، احتفى الفلسطينيون في أراضي 48 والضفة الغربية بوصول المتسابق هيثم خلايلة إلى نهائيات برنامج «أراب آيدول» للمواهب الغنائية، واستقبل الرئيس الفلسطيني خلايلة وهنأه على إنجازه الذي أفرح الفلسطينيين رغم عدم تتويجه «أراب آيدول» للعام الحالي.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.