{حلحلة} سياسية تمهد لتشريعات استخراج النفط في لبنان قبل منتصف العام المقبل

الاتفاق بين بري وعون على أن يبدأ التلزيم من الحقول المحاذية لإسرائيل

زال التباطؤ الذي يتعلق بإنجاز الآليات التي تكفل الوصول إلى عملية التنقيب (أ.ف.ب)
زال التباطؤ الذي يتعلق بإنجاز الآليات التي تكفل الوصول إلى عملية التنقيب (أ.ف.ب)
TT

{حلحلة} سياسية تمهد لتشريعات استخراج النفط في لبنان قبل منتصف العام المقبل

زال التباطؤ الذي يتعلق بإنجاز الآليات التي تكفل الوصول إلى عملية التنقيب (أ.ف.ب)
زال التباطؤ الذي يتعلق بإنجاز الآليات التي تكفل الوصول إلى عملية التنقيب (أ.ف.ب)

أثمرت النقاشات السياسية بين الكتل النيابية، في الشهر الأخير من 2014، حلحلة في ملف التنقيب عن النفط في لبنان، بعد أن دق رئيس البرلمان جرس الإنذار، لناحية اقتراب إسرائيل من الحقول النفطية في المياه الإقليمية اللبنانية، وسط توقعات بأن تنجز المراسيم المرتبطة بالتنقيب عن النفط في الأشهر الأولى من العام المقبل. وقضى الاتفاق بين بري وعون بأن يبدأ التلزيم من الحقول المحاذية لإسرائيل «وفقا للأهمية والخطورة».
وكان خلافا سياسيا بين كتلة بري، وكتلة رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، أدى إلى التباطؤ في إصدار التشريعات الحكومية التطبيقية للتنقيب عن النفط، وسط خلافات على تلزيم كامل البلوكات البحرية، والبالغ عددها 10 بلوكات، دفعة واحدة، وهو ما كان يدفع إليه رئيس البرلمان، بينما كانت وجهة نظر وزارة الطاقة التي كان وزيرها جبران باسيل أحد وزراء عون في الحكومة، تتمحور حول تجزئة التلزيم للشركات العالمية الراغبة بالاستثمار في قطاع النفط اللبنانية.
ويبدو اليوم، بحسب متابعين، أن ثمة دفعا من رئيس المجلس كما من جانب التيار الوطني الحر؛ من أجل تحريك هذا الملف، بعد أن جرت «حلحلة» التعقيدات المرتبطة به، على قاعدة أن الأيام المقبلة «ستشهد حلحلة في الملف بعدما أكد الرئيس بري قبل أيام أن الخلاف بشأن التلزيم قد ذلل»، وبعدما أمل وزير الطاقة والمياه آرتور نظريان أن «يكون توقيع الحكومة لمراسيم النفط هدية منها للشعب اللبناني في العام المقبل، لننطلق بعدها في رحلة الاستكشاف والتنقيب عن البترول والغاز».
وأكد عضو كتلة «التنمية والتحرير» التي يترأسها بري النائب أيوب حميد، أن «ملف النفط هو موضوع اهتمام لدى الرئيس بري»، مشيرا إلى أنه «زال التباطؤ الذي يتعلق بإنجاز الآليات التي تكفل الوصول إلى عملية التنقيب وتلزيم كامل البلوكات، إضافة إلى حفظ هذه الثروة الوطنية، ومنع العدو الصهيوني من سرقتها». ولفت، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «حينما جرى التأكد أن هناك مساعي إسرائيلية فعلية للبدء بسرقة الغاز في البلوك المتنازع عليه، دق بري جرس الإنذار كي نتدارك هذه السرقة الموصوفة والمتمادية، لذلك بدأ بتحريك الموضوع من جديد».
وأكد حميد أن العلاقات جيدة دائما بين الرئيس بري والعماد عون، وأن هناك «حوارات متبادلة من أجل تذليل أي عائق أو مشكلة تتعلق بوجهة نظر كل منهما»، آملا أن يكون هناك مسعى وزاري حثيث «لكي نحفظ هذا الحق ونستثمره لمصلحة لبنان واللبنانيين وتحقيق النتائج الإيجابية المرجوة». وأعرب عن أمنيته أن يكون عام 2015 «عام اعتماد الآليات التي توصل إلى عملية التلزيم والتنقيب». وأضاف: «يمكن حل المشكلات المرتبطة بعدم اهتمام الشركات المعنية بالملف؛ لأن أصحاب المصالح يتهافتون وتتقاطع مصالحهم». أما محليا «فلا مصلحة لأحد بأن يضع أي عراقيل في وجه الاستثمار على هذه الموارد الخيرة التي هي ملك للبنانيين».
وكان وزير الطاقة دعا بعد لقائه بري الأسبوع الماضي، إلى «تحريك هذا الملف في أسرع وقت ممكن كي نستفيد من هذه الثروة، ونساهم في تحريك اقتصادنا، بعيدا عن الخلافات السياسية».
ويبدو أن الملف تحرك فعلا على ضوء «النظرة الموحدة بين عون وبري حيال مسألة التلزيم»، كما يقول عضو «تكتل التغيير والإصلاح» النائب حكمت ديب لـ«الشرق الأوسط»، كاشفا أنه «قبل أيام قليلة حصل اتفاق بأن التلزيم يجب أن يكون وفقا للأهمية والخطورة، لا سيما البلوك المسمى حقل كاريش، الذي تستكشف فيه إسرائيل من خلال عمليات الحفر وتطوير الآبار على مسافة 4 كلم من حدودنا الجنوبية». وأشار إلى أن بري وعون «حريصان على عدم إعطاء الفرصة للعدو للاستفادة من الآبار اللبنانية، ولا يمكننا تأخير هذا الأمر بعد اليوم، حيث باتت هناك قناعة مشتركة لدى الجميع بأن الأولوية هي للخطوات التي تحفظ حق لبنان بنفطه في وجه إسرائيل».
وقال إن المسؤولية في التأخير بإصدار المراسيم التطبيقية «تتحملها الحكومة السابقة والحكومة الحالية، حيث كان هناك بطء في ذلك»، لكنه أشار إلى أن رئيس الحكومة تمام سلام «تكفل» بالمعالجة، وقد «لمسنا منه تجاوبا مقبولا جدا حيال إصدارها، ونأمل منه إقرار مشروع خارطة الطريق الذي أعدته لجنة الأشغال والطاقة النيابية والهيئة العليا لإدارة قطاع النفط».
وتشير التقديرات إلى أن تكون هناك خزانات تحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز في بحر لبنان، تقدر بنحو 40 تريليون قدم مكعب من الغاز، إضافة إلى مئات الملايين من براميل النفط، ويتوقع أن تتجاوز قيمتها أكثر من 100 مليار دولار. وحالت الخلافات السياسية دون إصدار التشريعات التطبيقية لتلزيم حقول النفط والغاز.
وأكد رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في البرلمان محمد قباني لـ«الشرق الأوسط»، أن ما يحصل «دليل واضح على أن الاختلاف في وجهات النظر ليس اختلافا متجذرا، بل هو عبارة عن وجهتي نظر في قضية عملية لا أكثر، وعندما نلزم بلوكا واحدا أو 2 أو 3 تنتفي المشكلة». وقال: «من المفترض بنا جميعا العودة إلى تحريك الملف بأفضل توافق وبأسرع وقت ممكن، بعدما أجمع المعنيون على أن البطء الذي رافق هذا الملف لا يجوز أن يستمر ونحن اليوم نعود للسير به وتجاوز الخلافات».
وكشف قباني أن ثمة مشروع «خارطة طريق» أعدته هيئة إدارة قطاع البترول في مجلس النواب، وتبنّت لجنة الأشغال والطاقة هذه التوصية، مضيفا: «لقد رفعنا ذلك إلى رئيس الحكومة، وبالتأكيد سنتعاون في سبيل إقرارها بما تشمل من المرسومين في مجلس الوزراء، وقانون الضرائب في مجلس النواب، وهناك اقتراح توصية بإعادة تأهيل الشركات وهو قيد الدرس».
وإذ أمل أن يصار إلى إقرار مشروع «خارطة الطريق»، رجح أن يستغرق إصدار المراسيم وقتا «ربما لا يتجاوز الأشهر الأولى من العام المقبل»، لافتا إلى أن الدول والشركات الأجنبية «لم تعد مهتمة بالملف كما ذي قبل، إلا أننا من منطلق الزخم اللبناني الحاصل ندعو جميع هذه الدول والشركات إلى إعادة الاهتمام كما كان وأكثر، بما في ذلك تنشيطنا للحملة الترويجية لنفطنا وغازنا».
ولا يرى خبراء أن الخلاف بين بري وعون حول تلزيم الثروة النفطية، يتعدى كونه «خلافا تقنيا»، كما قال الخبير النفطي ربيع ياغي لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن الطرفين «مهتمان بمسألة السير بالملف اليوم قبل الغد».
ويشارك ياغي الداعين الحكومة إلى المبادرة واتخاذ قرار حاسم بإقرار المراسيم النفطية، قائلا: «التأخير اليوم هو في هذين المرسومين، الأول متعلق بالاتفاق مع الشركات، والثاني بتقسيم البلوكات الـ10 في المياه اللبنانية». وأوضح أن «لكل بلوك مساحة محددة، فعلى سبيل المثال في جنوب المياه الاقتصادية الخالصة، هناك 3 بلوكات (8، 9، 10)، ويدعو موقعها إلى قطع الطريق على إسرائيل كي لا تتمدّد وتشفط علنا النفط والغاز الموجود في هذه المنطقة التي أثبتت المسوحات الجيولوجية الثنائية والثلاثية الأبعاد أنها المنطقة الواعدة والغنية جدا بمكامن الغاز والنفط السائل»، مبينا أن «هذه الأولوية يجب أن تترجم من خلال المباشرة بالتنقيب والاستكشاف والاستخراج في هذه البلوكات فورا». وقال: «يهمنا أن نبدأ من الجنوب انطلاقا من تثبيت وتكريس حقنا والسيادة اللبنانية على البلوكات الجنوبية».
يذكر أن إسرائيل قطعت أشواطا في الصناعة النفطية في اكتشافاتها، وكذلك قبرص وحتى سوريا التي لزمت بلوك رقم 2 لشركة روسية، رغم أزماتها.
وأشار ياغي إلى أنه «إذا باشرنا اليوم بالخطوات العملية فإننا نحتاج على الأقل إلى 7 إلى 8 سنوات كي تصبح لدينا اكتشافات تجارية قابلة للاستخراج».



اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.


قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
TT

قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)

تشهد الماكينة الإعلامية للجماعة الحوثية، خلال الأسابيع الأخيرة، تحولاً في وتيرة خطابها المُوجَّه، بالتزامن مع ازدياد التصعيد العسكري داخلياً، والهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تسعى إلى فرض خطاب إعلامي مُوجَّه على وسائل الإعلام العربية والدولية التي تمتلك مكاتب في مناطق سيطرتها.

ويواجه العمل الصحافي المستقل في مناطق سيطرة الحوثيِّين رقابة مشدَّدة فرضتها الجماعة على الصحافيِّين والمراسلين، تشمل حظر التغطية الميدانية المستقلة، وفرض تصاريح أمنية مشدَّدة، وتعليمات صارمة لكل مَن ينقل تفاصيل ميدانية بعدم مخالفة الرواية الحوثية، أو الحصول على رواية غير مطابقة لها من السكان، أو التعاطي مع رواية الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر إعلامية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة الحوثية أصدرت قائمةً بالتعليمات التي وجهت مراسلي وسائل الإعلام الخارجية ووكالات الأنباء بالالتزام بها ضمن تحديثات السياسة الإعلامية المصاحَبة للتصعيد العسكري سواء في الجبهات الداخلية، أو خارجياً بالاعتداء على دول الجوار والملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصادر، تضمَّنت التعليمات عدم نقل أي أخبار عن القصف الذي تتعرَّض له مناطق سيطرة الجماعة والمواقع العسكرية والمقرات التابعة لها وأي منشآت تحت إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن من الجهات الإعلامية المعنية بالسماح بنشر ونقل المعلومات الخاصة بمثل هذه الأحداث، والاعتماد على ما يرد في وسائل إعلام الجماعة.

بالتزامن مع التصعيد العسكري تفرض الجماعة الحوثية رقابة مشددة على الإعلام (أ.ف.ب)

وشدَّدت على أن يكون تصوير أي موقع تعرَّض لقصف القوات الجوية الحكومية أو أي طرف خارجي تحت إشراف من اللجان التابعة لها الموجودة فيه، داعية إلى تغطية التجمعات التي تنظمها الجماعة لأنصارها في الميادين العامة وإبراز أعداد المشاركين والشعارات التي تُرفَع فيها.

كما تضمَّنت التعليمات عدم نقل معلومات من الميدان أو من شهود عيان في أي شأن سياسي أو عسكري، والتحذير من نقل شهادات السكان وشهود العيان إلا إذا توافقت مع الروايات الرسمية للجماعة والتي تتم إذاعتها ونشرها على وسائل الإعلام التابعة لها.

تحديث السردية

بيَّنت المصادر أنَّ الصحافيِّين والمراسلين أبدوا اعتراضهم على التعليمات التي تخصُّ نقل التصريحات والبيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية ومسؤوليها، بوصف ذلك يخلُّ تماماً بالمهنية الإعلامية، ويحرجهم أمام وسائل الإعلام التي يمثلونها، إلا أنَّ القادة الحوثيين طلبوا منهم أن يوكلوا تلك المهام لزملائهم المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو أن يرفقوا أي بيانات أو تصريحات حكومية بما ينفيها من طرف الجماعة.

استهداف المنشآت المدنية والحيوية يترافق مع مزاعم حوثية مضللة (أ.ف.ب)

ويرى مراقبون أنَّ الخطاب الإعلامي للجماعة لم يعد يقتصر على الصياغات التعبوية التقليدية، بل بات يتحرَّك ضمن استراتيجية منسقة تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، وحجب التصدعات الداخلية المتزايدة.

وفي ملف الملاحة الدولية، انتقل الخطاب الحوثي إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض «الحظر الملاحي» الشامل في البحر الأحمر وباب المندب.

ويقول أحمد عباس، المحلل السياسي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إنَّ السياسة الإعلامية الحوثية المصاحبة للتصعيد الأخير لم تشهد تغيُّراً نوعياً، بل تُظهر استمرارية في التعبئة والتحشيد الذي تنتهجه الجماعة، إلا أنَّ الملاحظ هو وجود بعض التغيير في الأولويات والمبررات والذرائع.

ويشير إلى أنه، وبعد تراجع مبرر المعركة مع إسرائيل، والذي سيطر على خطاب الحركة الحوثية خلال الأعوام الـ3 الماضية، انتقلت إلى معادلة أكثر عنفاً وتطرفاً، فبعد أن كانت في السابق تعتمد على تغليفه أخلاقياً وقومياً عند توجيهه إلى الداخل والشارع العربي أيضاً، فقد أعادت توجيه ماكينتها الإعلامية نحو الشحن والتخوين الداخلي، واعتبار الحكومة الشرعية من أدوات العدو الخارجي المزعوم.

الحوثيون يكثفون نشر مجسمات وصور لأسلحتهم في شوارع المدن الخاضعة لسيطرتهم (أ.ب)

فالجماعة، وفقاً لعباس، تعتمد على مبدأ العدو الدائم، وحين يغيب العنوان الإقليمي البرّاق، تستدعى النبرة ذاتها لتبرير التصعيد الداخلي والهروب من الاستحقاقات المحلية، ويتم تحويل الخطاب من المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى لغة أخرى لتبرير استهداف السفن في البحر الأحمر، وربط ذلك بالمعاناة التي تسببت بها للمجتمع، ملقيةً بالمسؤولية عنها على خصومها.

مزامنة مع التصعيد

يتعمد خطاب الجماعة الحوثية تسمية العقوبات الأميركية المفروضة عليها والقيود الأممية على نشاط تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية بـ«الحصار» الذي تتهم به الحكومة الشرعية وحلفائها، وتحملهم المسؤولية عمّا تسببت به ممارساتها من تدهور معيشي في مناطق سيطرتها وإضرار بالاقتصاد المحلي والخدمات وتراجع أعمال الإغاثة.

وتركز وسائل إعلام الجماعة على الترويج لمعادلة «الحصار بالحصار»، بحسب ادعاءاتها، في محاولة لشرعنة استهداف السفن التجارية والمنشآت الحيوية، وربط هذه التَّحرُّكات بالتوترات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.

ويرى أحد الباحثين في الشؤون الإعلامية والسياسية، يقيم في صنعاء، أنَّ خطاب الجماعة بات يستخدم توظيف الممرات المائية بوصفه ورقة ضغط استراتيجية بشكل صريح، بعد أن كان يؤدي ذلك بلهجة مواربة نوعاً ما، مرفقة ذلك بحالة من الاستنفار القصوى تزامناً مع المؤشرات الوشيكة لعودة الحرب البرية.

الهجوم الحوثي على ميناء المخا يعزز من التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

ويوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة تسعى من خلال ما يسميها «بروباغندا القوة الجيوسياسية» لتعويض تراجع شعبيتها؛ وتصدير صورتها لاعباً إقليمياً نداً للقوى الكبرى، وتعزيز حملات التجنيد الإجباري الواسعة لتغطية النزف البشري الحاد في جبهات القتال، وشيطنة الأصوات المحلية المحتجة على تدهور الأوضاع المعيشية.

ويعد متابعون للشأن اليمني أنَّ إقدام الجماعة الحوثية على استهداف المنشآت الحيوية في مدينة المخا على الساحل الغربي للبلاد، والقريبة من مضيق باب المندب، يأتي في سياق واحد لتصعيدها الداخلي ومساندتها لإيران في المواجهة الإقليمية المحتدمة منذ قرابة نصف عام.

وبينما تسعى الجماعة إلى تعزيز نفوذها الداخلي وتوسيع مساحة سيطرتها على حساب الحكومة الشرعية، تحاول فرض واقع عسكري بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، لتمكين إيران من الاستمرار في المفاوضات مع الولايات المتحدة بسقف مرتفع.


الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية على امتداد جبهات القتال، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة، وتدمير مخازن أسلحة ومعدات وآليات عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ، واستهدفت مواقع وأهدافاً عسكرية ومصادر تهديد حوثية في عدد من محاور القتال.

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت، مساء السبت، الأحياء السكنية في مدينة مأرب بستة صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة.

وبحسب مكتب الإعلام بمحافظة مأرب، أسفرت الهجمات الحوثية عن وقوع جرحى ومصابين، وإلحاق أضرار مادية بعدد من المنازل والسيارات وممتلكات المواطنين.

وأضاف الناطق الرسمي في بيان أن الضربات أدت إلى تدمير عشرات المعدات والآليات، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل العسكرية، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة في الأهداف المحددة».

وبحسب النزيلي، تركزت العمليات على مصادر النيران والقدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات، وامتدت إلى جبهات ومحاور في تعز ومأرب والحديدة والضالع وأبين وشبوة ولحج، من بينها المخا والبرح والضباب ومقبنة وصرواح وهيلان وحريب وبيحان وطور الباحة.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات الحكومية تمتلك «القدرة والجاهزية اللازمتين للوصول إلى مصادر التهديد وتحييدها ومنعها من مواصلة أعمالها العدائية»، وفق مقتضيات الموقف الميداني، وفي الزمان والمكان وبالوسائل التي تحددها القيادة العسكرية.

وشدد على أن الوحدات المشاركة نفذت مهامها «بكفاءة وانضباط عملياتي عالٍ»، مع الالتزام بقواعد الاشتباك وأحكام القانون الدولي الإنساني، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم تداعيات العمليات العسكرية.

وأرجع العقيد ماجد النزيلي هذه الضربات إلى ما وصفه بـ«الاعتداءات الحوثية الإرهابية المتكررة» التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية والموانئ، إلى جانب وحدات ومواقع تابعة للقوات الحكومية.

ودعا المتحدث العسكري اليمنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمنشآت والتجمعات العسكرية التابعة للجماعة الحوثية، وعدم الاقتراب منها أو الانخراط في صفوفها، محذراً من استخدام الحوثيين للمدنيين والمناطق السكنية في خدمة ما وصفه بـ«أجندة النظام الإيراني ومشروعه الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة والمصالح الإقليمية والدولية».

وأشار النزيلي إلى أن القوات المسلحة اليمنية في «أعلى درجات الجاهزية»، وقادرة على المبادرة وفرض معادلة ميدانية جديدة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والتعامل مع مختلف التطورات وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.

جانب من عمليات الجيش اليمني ضد الحوثيين في محور تعز (سبأ)

وأضاف أن أي مصدر تهديد للقوات الحكومية أو للمدنيين والأعيان المدنية ومقدرات الشعب اليمني «لن يكون بمنأى عن التعامل العسكري المشروع»، مؤكداً استمرار القوات في أداء مهامها لحماية السكان ومصالحهم وسيادة الدولة وأمنها واستقرارها.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذرت من أن استمرار الجماعة المدعومة من إيران في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، إلى جانب تهديد الملاحة واستهداف المنشآت المدنية، يهدّدان بإعادة البلاد إلى دوامة جديدة من العنف، ويقوّضان فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لسنوات.