شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

قال لـ «الشرق الأوسط»: نعمل الآن على إصدار أول مجلة فلسفية في المملكة

شايع الوقيان
شايع الوقيان
TT

شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

شايع الوقيان
شايع الوقيان

لقب «الفيلسوف» الذي يضعه الكاتب السعودي شايع الوقيان قبيل اسمه عرّضه لكثير من النقد في الوسط الثقافي المحلي، وفتح باب التساؤل عن مدى وجود فلاسفة سعوديين بالمعنى الدارج لكلمة «فيلسوف»، في حين يكشف الوقيان عن أنه تعمَّد إثارة هذا الجدل، لتحويل الموضوع إلى قضية فلسفية، بحسب وصفه.
ويوضح الوقيان خلال حواره لـ«الشرق الأوسط» أن نظرة المشهد الثقافي السعودي تجاه الفلسفة بدأت تتغير، كاشفاً عن أن «حلقة الرياض الفلسفية (حرف)» التابعة لنادي الرياض الأدبي، والتي يُعَد الوقيان أحد مؤسسيها، تعتزم الآن إصدار أول مجلة فلسفية سعودية. وكان الوقيان قد أصدر عدداً من الكتب عن الفلسفة منها: «الفلسفة بين الفن والآيديولوجيا» و«قراءات في الخطاب الفلسفي» و«الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا».
هنا حوار معه:
> لقب «فيلسوف» عرّضك لكثير من الجدل... لماذا؟
- لقد اخترت لقب «فيلسوف» من أجل تحويل الموضوع نفسه إلى قضية فلسفية. وقد تحقق الهدف فعلاً. عربياً؛ يتم النظر للقب «فيلسوف» بشكل تشريفي، وليس بوصفه إشارة إلى النشاط الذي يقوم به الكاتب. كان في استخدامي إياه نوع من الجدية ونوع من السخرية (irony). الجدية هي تسليط الضوء على نقاش قديم يتمحور حول سؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ والسخرية تتعلق بالأجوبة المعطاة غالباً وهي: «لا؛ لا يوجد فيلسوف عربي». وهذا شيء مضحك بالنسبة لي. فلا يعقل أن أمة تشاطرت مع الغرب وراثة الفكر الإغريقي لا تملك فلاسفة! والحقيقة أن لدينا فلاسفة قديماً وحديثاً.
> لكن لماذا حين يطرح السؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ تجيب الأغلبية بـ«لا»؟
- هنا الموضوع الذي أريد تحويله إلى قضية فلسفية. لدينا منظوران متناقضان حول الفلسفة. فهناك من يبالغ في تقديسها بحيث تصبح أقرب للألوهية، فيضن على العرب بها، رغم أنه لا يجد حرجاً في وصف الغرب بها. وهناك من يبالغ في الحط من شأن الفلسفة فيربطها إما بالزندقة التي يجب البرء منها، وإما يربطها بالثرثرة والكلام غير المفهوم فيقال: «لا تتفلسف علينا».
وبين هذين المنظورين غير الواقعيين ضاع المعنى الحقيقة للتفلسف والفلسفة. وعلى كل حال؛ فأغلب منتقديّ كانوا من تيار التقديسيين. فكيف تسمي نفسك فيلسوفاً؟ ألا تخجل؟ ألا ينبغي عليك أن تصمت حتى يسميك الجمهور بذلك؟ والحقيقة أنني أستعمل كلمة فيلسوف، كما أشرت، إشارة إلى النشاط، وصفاً للعمل الذي أقوم به، وهو إنتاج النص الفلسفي نقداً وبناءً. وكل من يشتغل في هذا الحقل يسمى «فيلسوفاً»، بالضبط كما أن من يشتغل بالأدب يسمى «أديباً»... وهكذا.
> كيف قرأ التقديسيون عبارة «أنا فيلسوف»؟
- وجهة نظرهم معقولة جداً إذا التزمنا بالدلالة التي يفهمون بها «الفلسفة». فأنا كمن يقول «أنا كريم» أو «أنا شجاع» أو «أنا عظيم». هذه العبارات غير مقبولة وتعد ضرباً من القحة والفجاجة. ومن ثم فهم عدّوا إطلاقي على نفسي كلمة «فيلسوف» نوعاً من الفجاجة والغرور. لنعد مرة أخرى لجدلية الجدية والسخرية؛ كلمة «فيلسوف» بالمعنى التقديسي تثير امتعاضي، ولذا أشعتُ في غضون اللقب شيئاً من السخرية، ولكن المعنى الصحيح الذي أفهم به اللقب هو ما يحتمل الجدية، وهو ما أريد إذاعته بين عموم القراء. وأنا سعيد بهذا الجدل، فقد أثار في العقول ما كان راكداً ومستقراً.
> في السعودية... هل لدينا فلاسفة؟
- في السعودية فلاسفة، ولكنهم قلة قليلة للأسف. وسبب ذلك الإصرار الغريب على إهمال الفلسفة والمنطق في نظامنا التعليمي وفي المشهد الثقافي عموماً. ووزارتا الثقافة والإعلام مسؤولتان عن التقصير والإهمال. وأخص بالذكر وزارة الثقافة التي تصر دائماً على متابعة الجمهور بدلاً من قيادتهم إلى حقول معرفية غريبة على القارئ السعودي. النص الفلسفي السعودي له إرهاصات قديمة نوعاً ما مع عبد الله القصيمي وحمزة شحاتة ومحمد حسن عواد. وهؤلاء كتبوا النص الفلسفي، ولكن عن طريق الأدب والفكر الديني. وهؤلاء الثلاثة يكادون يقتربون من التفلسف الذي شاع في التنوير الفرنسي مع فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو... وغيرهم. فكانت المسائل الاجتماعية والأخلاقية، كالحرية وحقوق المرأة والفضائل، هي الموضوعات الجوهرية التي انبنى حولها النص الفلسفي. وقد سميت هذه الحقبة في غير موضع «الفترة التنويرية». وتلتها «فترة الحداثة»، وجرى الاقتراب من الفلسفة عن طريق النقد الأدبي ونظرية الأدب والثقافة عموماً، ويمثل هذه الحقبة عبد الله الغذامي وسعيد السريحي وسعد البازعي وميجان الرويلي. وأخيراً ظهرت «الفلسفة» بمعناها الأصيل، أي الفلسفة كأنطولوجيا وميتافيزيقا مع «حلقة الرياض الفلسفية» والأنشطة الأخرى المشابهة لها في نجران وجدة والقصيم والمدينة.
> برأيك؛ كيف جرى التعاطي مع النشاط الفلسفي السعودي خلال العقد الأخير؟
- بشكل غير جيد. وأكاد أزعم أن الجيل الراهن أكثر اطلاعاً وقراءة للنص الفلسفي من الأجيال السابقة، وصار الكتاب الفلسفي منافساً في سوق الكتب. كان التعاطي غير جيد لأسباب؛ منها أن «زمّار الحي لا يطرب»، كما يقال. فما يكتبه السعودي ليس بذي قيمة عند من تأثروا بعقدة الخواجة (العربي والغربي). وكثيراً ما نسمع عبارات الاستهجان والتحقير من بعض الناس، وأخص منهم الكتّاب. وهذه مشكلة عربية على كل حال. فالغربي بالنسبة للعربي هو رأس الحكمة، والعربي بالنسبة للسعودي هو الرأس الأصغر.
من أسباب التعاطي غير الجيد أيضاً أنهم يربطون بين الشهادة والتفلسف. فإذا لم تكن لديك شهادة جامعية من قسم فلسفة؛ فلا يحق لك التفلسف. وهذا رأي غير وجيه ولا يستحق الالتفات إليه رغم شيوعه.
> ماذا بشأن فكرة تعارض الفلسفة مع الدين... هل تجاوزناها؟
- تقريباً نحن آخذون في تجاوز ثنائية الدين والفلسفة. هذه الثنائية كانت سلبية، وكان كثيرون يرون أن العلاقة صراعية، وأن الفلسفة أشبه بدين منافس. ومن أسفٍ أن هذا الفهم الصراعي كان قديماً قِدم بدايات التفلسف في الحضارة الإسلامية. فقد هوجم الفلاسفة والمناطقة من قبل بعض الوعاظ والفقهاء بحجة أنها علوم دخيلة ووثنية ومعارضة للشريعة. وكان لا بد للفلاسفة بدءاً من الكندي حتى ابن رشد من أن يبدأوا التفلسف بالخطاب الأبولوجي (الدفاعي). وضاعت جهودهم العقلية في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة. ولو انصرفت الهمم لموضوعات حيوية آنذاك، لكان لنا شأن عظيم في التقدم الحضاري.
مع نشوء الدولة السعودية الحديثة وتشكل نظام التعليم، كانت الفلسفة غائبة وربما غير مفكر فيها. فقد واجه التربويون وقتذاك معارضة شرسة من الفقهاء فيما يتعلق بتدريس مواد كالجغرافيا والإنجليزي، فما بالك بالفلسفة والمنطق وقد ارتبط في أذهانهم بعبارات منفرة، مثل: «من تمنطق فقد تزندق»، و:«نهاية إقدام العقول عقال - وغاية سعي العالمين ضلال»، وغيرهما من عبارات كانت كفيلة بالقضاء على إمكانية تدريس الفلسفة.
في الآونة الأخيرة، بدأت ثنائية الصراع تزول، وتشكل وعي جيد حول هذا الموضوع، ولكن بقيت فئة من المحافظين - الذين يريدون احتكار الوعي الشعبي؛ سواء أكانوا من الحافظين في الشريعة أم في الأدب - رافضين للفلسفة ومتابعين في ذلك سيرة الأوائل الذين انتقدهم الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته قائلاً إنهم: «يذبون عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين».
> أنت من مؤسسي «حلقة الرياض الفلسفية»... ما أبرز مخرجاتها؟
- «حلقة الرياض الفلسفية» نشأت عام 2008، وقبلها كانت موجودة، ولكن بشكل غير رسمي، إن صح التعبير. وكان هدف الحلقة تعريف القارئ السعودي بالفكر الفلسفي وحفزه على ممارسة التفلسف. في البدايات، كان الإقبال قليلاً، وكانت المشاركات نادرة. ولكن مع مرور الوقت بدأ الحضور يزداد ويتفاعل. وأعتقد أن أهم مخرجات الحلقة هو الدور الكبير الذي قامت به في نشر الفلسفة واجتذاب القراء إلى الكتاب الفلسفي الذي صار اليوم ينافس الكتب الأخرى. وشاعت بين الكتاب أنفسهم رغبة في اجتراح الكتابة الفلسفية بعد أن كانت كتاباتهم متمحورة حول موضوعات أدبية واجتماعية. وقد قامت الحلقة، ضمن هدف ممارسة التفلسف، بفتح الباب للشباب والشابات واستقطبتهم لإلقاء المحاضرات وكتابة الدراسات الفلسفية. وقد نشرت كتابات المشاركين في فعاليات الحلقة في كتابين: «أوراق فلسفية – ج1» و«ج2».
ومن حيث الإنتاج الفردي، فقد قمت شخصياً بتأليف 3 كتب وترجمة كتاب، وكانت الحلقة الفضاء الذي ولدت فيه هذه الكتب (الكتاب المترجم جاهز للنشر). وقام حمد الراشد أيضاً بإنتاج كتب فلسفية، وترجم عبد الله المطيري كتاباً فلسفياً سيظهر قريباً، إضافة إلى كتابه الفلسفي المحض الذي سيرى النور عمّا قريب، وقد قرأته كاملاً، وهو أول نص فلسفي أصيل أقرأه لكاتب سعودي وعربي. وأخيراً يمكن الإشارة إلى دور «الحلقة» في إشعال جذوة التنافس المحمود، فقد ظهرت أنشطة فلسفية مشابهة في نجران وحائل وجدة والمدينة كما أشرنا سابقاً. والآن نحن بصدد العمل على ظهور أول مجلة فلسفية سعودية، وستكون تعبيراً عن هذا النشاط الحيوي والمتدفق الذي نشهده منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
> كثيراً ما تنادي بإدخال الفلسفة في مؤسسات التعليم... ما رؤيتك حول ذلك؟
- مما يؤسف له أن بلادنا، التي وصلت الآن إلى مكانة رفيعة جداً ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل وعلى المستوى العالمي، لا تزال جامعاتها خالية من الدرس الفلسفي والمنطقي. وكل ما نأمل تحققه هو أن تنشأ أقسام فلسفية في الكليات، وأن تُدرّس مادة فلسفية ومنطقية في التعليم العام. وقد أظهرت دراسات تربوية كثيرة أن تدريس الفلسفة للطلاب منذ المراحل الأساسية (الابتدائية) أسهم كثيراً في زيادة الحصيلة المعرفية والنقدية لديهم ورفع مستواهم التعليمي. فالفلسفة تمد الطلاب بالطرق الصحيحة لطرح الأسئلة والوسائل الملائمة للإجابة عنها.
وأبرز مهارة يمكن تقديمها، عدا المهارات النقدية والتحليلية والإبداعية، هي المهارات «الما - فوق» إدراكية. وهي مهارات نافعة جداً وتجعل الطالب واعياً بنفسه وهو يفكر. فالوعي الذاتي هو أساس النضج العقلي. أكرر... إنه لمن المؤسف أن جامعاتنا هي الوحيدة في العالم التي لا توجد بها أقسام فلسفة. ورغم أن الفلسفة ليست عصا سحرية لحل المشكلات التربوية والاجتماعية، إلا إنها شرط ضروري لا بد منه.
> كيف ترى الحراك الثقافي السعودي خلال الآونة الأخيرة؟
- الحراك الثقافي في السعودية يسير – في رأيي - نحو الأفضل. كانت الثقافة السعودية قديماً مقتصرة على العلوم الأدبية والشرعية. ومع حركة الحداثة التي رادها الدكتور عبد الله الغذامي ورفاقه تغيرت وجهة البوصلة نحو مزيد من الانفتاح على الفكر العقلي، ممثلاً في النظريات البنيوية والتفكيكية والتأويلية والثقافية. ومنذ مطلع القرن الجديد الذي شهد اتساع استعمال التقنية والإنترنت بدأت الأفكار الجديدة تظهر في أفق الثقافة. وبرزت تيارات علمانية وليبرالية ونسوية تحاول إصلاح وتعويض ما فات من خسائر فكرية كبيرة بسبب الانغلاق والإغلاق. وكان ظهور الكتاب الفلسفي مرافقاً لهذه الثورة الفكرية التي كانت التقنية التواصلية (المنتديات، والمدونات، ووسائل التواصل الاجتماعي) هي الحافز الأساسي لها.
الحراك الثقافي الآن تتقاسمه 3 اتجاهات: الفكر التنويري، والفكر النسوي، والفكر الشعبي. والأخير أقصد به تلك الاتجاهات التي يذيعها مشاهير السوشيال ميديا، وهو فكر يغلب عليه الطابع العملي، مثل تطوير الذات وتقدير البيئة ومناقشة قضايا يومية كالتنمر وعدم احترام النظام. ولكنه يبقى فكراً هشاً؛ لأنه لم يتأسس على قاعدة فلسفية صحيحة. من ثم؛ فهو ينزلق كثيراً في التفاهة. ومن هنا؛ فلا نعدم وجود بعض مشاهير السوشيال ميديا الذين جعلوا الشهرة هي الغاية من أنشطتهم. أما الفكر المحافظ؛ فهو لا يزال موجوداً، ولكن بعض رموزه بدأوا يعون أننا في مرحلة انتقالية جذرية وأن تطوير وتعديل الفكر الديني والاجتماعي أصبح ضرورة ملحة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».