«الصحة العالمية» تدعو أوروبا إلى الاستعداد لمواجهة «معركة الشتاء الطويلة»

إسبانيا تتحول «بؤرة» للوباء... وارتفاع مقلق في حصيلة «كورونا» الفرنسية

تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
TT

«الصحة العالمية» تدعو أوروبا إلى الاستعداد لمواجهة «معركة الشتاء الطويلة»

تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)

تقترب أوروبا من أعتاب الخريف، فيما تلوح أمامها بوادر العودة إلى المشهد المأساوي الذي عاشته في الربيع الماضي، عندما كان الوباء ينسدل عليها، ويتمدد الخوف والقلق في أوصالها، وتدخل اقتصاداتها في حال من الإغماء. ومرة أخرى، يرتفع الصوت العالي من «منظمة الصحة العالمية» محذراً من موجة ثانية قاسية، داعياً إلى الاستعداد لمعركة طويلة في الشتاء ضد فيروس «كوفيد-19» الذي اقترب عدد ضحاياه في العالم من المليون، ولا يُعرَف له علاج شافٍ بعد 9 أشهر على رصده للمرة الأولى.
ومنذ مطلع الصيف والمنظمة العالمية تنبه لضرورة عدم التراخي في التقيد بتدابير الوقاية والاحتواء، وتدعو إلى عدم التردد في تشديدها عند ظهور بؤر السريان الجديدة، وتكثيف حملات الفحص ومتابعة الإصابات، وعدم تبدية الاعتبارات الاقتصادية على الصحية، في انتظار التوصل إلى تطوير اللقاح وإنتاجه وتوزيعه على نطاق واسع. لكن الأرقام المتداولة منذ أواسط الشهر الماضي تبين أن معظم الدول الأوروبية أخفقت في إدارة أزمة «كوفيد-19» خلال فترة الصيف التي كان من المفترض أن تكون مرحلة التقاط الأنفاس، والاستعداد لموجة ثانية، وأيضاً لاستخلاص العِبر من المرحلة الأولى، وعدم الوقوع في الأخطاء نفسها التي ارتُكبت خلالها.
وإذا كانت إيطاليا هي المرآة التي تابع الأوروبيون من خلالها ماذا كان ينتظرهم في المرحلة الأولى، فإن إسبانيا هي اليوم تلك المرآة التي تستشرف الدول الأوروبية منها ما ستكون عليه الموجة الثانية التي عادت تطل وتهدد بفصل جديد من العزل التام والإقفال الذي كان الكل يعده محظوراً «مهما كلف الأمر» منذ أسابيع، وصار اليوم «خط الدفاع الأخير» كما وصفه وزير الصحة البريطاني، أو «السلاح النووي» على حد تعبير رئيسه بوريس جونسون.
- حصيلة عالمية مقلقة
الأرقام الأوروبية والعالمية لم تعد تترك مجالاً للشك، أو حتى للتردد: عدد الإصابات المؤكدة في العالم تجاوز 30 مليوناً، وهو رقم دون الواقع بكثير، حسب منظمة الصحة العالمية، فيما يقترب عدد الضحايا من المليون. وعدد الضحايا في الولايات المتحدة يدنو من 200 ألف، والرئيس الأميركي الذي كان يعد بالمباشرة بتوزيع اللقاح عشية الانتخابات، في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يتحدث الآن عن توزيعه على الجميع في أبريل (نيسان) المقبل. وفرنسا تواصل تحطيم الأرقام القياسية بعدد الإصابات اليومية الجديدة التي بلغت أمس 13215 إصابة، فيما وصل عدد الوفيات إلى 123، وهو الأعلى منذ 3 أشهر. أما بريطانيا، فتجاوزت إصاباتها اليومية الجديدة عتبة الأربعة آلاف، للمرة الأولى منذ مطلع مايو (أيار)، فيما يخضع الملايين من مواطنيها للعزل الجزئي في الشمال الشرقي من البلاد. والهند تقترب من المائة ألف إصابة يومية جديدة، والمكسيك تتجاوز الخمسة آلاف، فيما ألمانيا التي نجحت في احتواء الفيروس وصلت إصاباتها اليومية إلى 2297. ولم تمنع الأرقام المخيفة في البرازيل، حيث بلغت الإصابات 4.5 مليون، وزاد عدد الضحايا عن 135 ألفاً، الرئيس جاير بولسونارو من القول إن «البقاء في المنزل لتحاشي العدوى بالفيروس هو من شِيم الضعفاء».
- إجراءات عزل جديدة
وبعد أن سجلت إسبانيا أمس 14389 إصابة جديدة، منها 682 في العاصمة، أعلنت السلطات الإقليمية في مدريد عن حزمة من الإجراءات، بدءاً من غد (الاثنين)، في محاولة لاحتواء الوباء الذي أصبحت بؤرته الرئيسية في أوروبا. وتقضي هذه الإجراءات بعزل 37 منطقة في العاصمة ومحيطها، يعيش فيها نحو مليون شخص، لفترة أسبوعين على الأقل، ومنع التجمعات التي تزيد على 6 أشخاص، وإقفال الحدائق العامة، والسماح بفتح المتاجر والمقاهي والمطاعم ودور العبادة، لكن بنصف قدرتها الاستيعابية.
ولإعطاء فكرة عن خطورة الوضع الوبائي في العاصمة الإسبانية، تكفي الإشارة إلى أن معدل الإصابات من عدد السكان بلغ 998 لكل مائة ألف مواطن، فيما يبلغ المعدل الوطني الإسباني 267، وفي بريطانيا 62، وإيطاليا 33، وألمانيا 24. ويوازي معدل سريان الوباء في مدريد معدل إسرائيل التي بدأت مرحلة جديدة من العزل التام.
وقالت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، إيزابيل آيوسو: «نريد أن نتحاشى إعلان حالة الطوارئ، وأمامنا أسابيع صعبة جداً ومعقدة». لكن الخبراء والاختصاصيين في العلوم الوبائية يعدون أن هذه التدابير جاءت متأخرة، وليست كافية لاحتواء انتشار الوباء الذي تجاوز الخط الأحمر الذي يستدعي العزل التام لفترة لا تقل عن 3 أسابيع، ويشددون على أنها لا تكفي لمنع استمرار سريان الفيروس عبر المصابين الذين لا تظهر عليهم عوارض. وتجدر الإشارة إلى أن مدريد كانت قد انتقلت إلى المرحلة الثالثة (الأخيرة) من رفع تدابير العزل، أواخر الربيع الماضي، من غير أن تستوفي الشروط التي وضعتها الحكومة المركزية.
ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء، بيدرو سانتشيز، اجتماعاً يوم غد (الاثنين) مع رئيسة الحكومة الإقليمية لاتخاذ التدابير اللازمة لاحتواء الوباء في العاصمة، ومنع انتشاره إلى المناطق الأخرى. وكان سانتشيز قد أعلن أنه على استعداد لوضع الجيش في تصرف بلدية العاصمة التي عادت تقيم المستشفى الميداني الضخم الذي أقامته إبان المرحلة الأولى، عندما عجزت مستشفيات مدريد عن استيعاب المصابين بالفيروس.
- ازدحام في مستشفيات فرنسا
وفي حين تقترب معظم الدول الأوروبية من أعداد الإصابات التي سجلتها خلال المرحلة الأولى، يراقب الخبراء في المركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة من كثب الوضع في فرنسا التي سجلت أمس رقماً قياسياً في عدد الوفيات منذ مايو (أيار) الفائت (بلغ 123)، وينبهون إلى التغيير الذي طرأ مؤخراً على مواصفات المصابين الجدد الذين ارتفع معدلهم العمري من 31 عاماً إلى 43 عاماً، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات التي تستدعي العلاج في المستشفى، وتلك التي تحتاج إلى العناية الفائقة، ما أدى إلى الازدحام في مستشفيات مرسيليا وبوردو ونيس وليون. لكن وزير الصحة قال: «لسنا في الوضع نفسه الذي كنا فيه خلال الربيع؛ لدينا اليوم الكمامات الواقية والفحوصات السريعة والعلاج بالكورتيزون الذي يخفف من نسبة الوفيات في الحالات الخطرة».
وكان وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير، قد أعلن عن إصابته بـ«كوفيد-19»، وأنه يخضع للحجر الصحي في منزله، حيث يتابع نشاطه من غير عوارض.
وفي إيطاليا، أفاد التقرير الأخير لهيئة متابعة الأزمة الصحية أن الوضع الوبائي ما زال يتفاقم ببطء، مع ارتفاع متواصل في عدد الإصابات منذ 7 أسابيع. وكانت الحكومة الإيطالية قد سمحت بعودة المشاهدين إلى الملاعب الرياضية بنسبة لا تتجاوز الألف في مباريات كرة القدم، و1500 في الأدوار النهائية لبطولة روما الدولية لكرة المضرب، و10 آلاف على حلبة سباق الدراجات النارية.


مقالات ذات صلة

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).


روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن الرئيس دونالد ترمب سيحضر اجتماع ​رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر في تركيا خلال يوليو (تموز)، وهو تأكيد من شأنه أن يُثير ارتياحاً واسعاً في دول الحلف، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبينما يحرص الرؤساء الأميركيون عادة على حضور قمم الحلف نظراً لكون واشنطن قائدة الحلف، فقد أُثيرت ‌تساؤلات حول حضور ‌ترمب هذا العام، ​إذ ‌عبّر ⁠مراراً ​عن غضبه ⁠من التحالف لما وصفه بتردده في مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

وفي جلسة استماع أمام الكونغرس، اليوم (الأربعاء)، تطرق روبيو إلى إحباطات ترمب، قائلاً إن مصدر استيائه الرئيسي هو رفض ⁠بعض الأعضاء السماح للولايات المتحدة باستخدام ‌قواعدها العسكرية في ‌تلك الدول في وقت الأزمات.

وأكد ​روبيو أن ترمب، ‌رغم خيبة أمله من الحلف، سيحضر ‌الاجتماع.

وقال وزير الخارجية: «لا تزال الولايات المتحدة عضواً في حلف الأطلسي، وسنكون حاضرين في تركيا لمناقشة جميع هذه المواضيع. سيحضر الرئيس بنفسه الاجتماع المقبل ‌لرؤساء دول الحلف، حيث سيتم توضيح جميع هذه النقاط».

وقاومت عدة دول ⁠أعضاء ⁠في الحلف دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، وذلك بمنع الطائرات العسكرية الأميركية من استخدام مجالها الجوي، أو برفض إرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف مراراً بأنه «نمر من ورق»، وهدّد بالانسحاب من التحالف المكون من 32 عضواً في الأسابيع الأخيرة، بحجة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين اعتمدوا ​على الضمانات الأمنية ​الأميركية، بينما قدّموا دعماً غير كافٍ لحملة القصف الأميركية والإسرائيلية في إيران.


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».