الشركات الأميركية تستعد للدخول إلى السوق الكوبية الجديدة

بعد تطبيع العلاقات بين البلدين

الشركات الأميركية تستعد للدخول إلى السوق الكوبية الجديدة
TT

الشركات الأميركية تستعد للدخول إلى السوق الكوبية الجديدة

الشركات الأميركية تستعد للدخول إلى السوق الكوبية الجديدة

بعد سويعات من الخطوة التاريخية التي سيتخذها الرئيس أوباما باستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع كوبا، تضع الشركات الأميركية بالفعل استراتيجيات تستهدف طرح منتجاتها وخدماتها في سوق لم تكن في وضعها الأفضل منذ 50 عاما، إن لم يكن على الإطلاق.
قال كين غولدن، المتحدث باسم شركة «دير أند كومباني»، الرائدة في صناعة معدات البناء والمزارع التي يقع مقرها في ولاية إلينوي، في رسالة عن طريق البريد الإلكتروني: «كوبا سوق محتملة لمنتجات وخدمات جون دير».
ولكن رغم وجود فرص قوية لبعض الشركات، خصوصا تلك التي تبيع منتجات أو سلعا ينظر إليها باعتبارها تساعد على تحسين الإنتاج المحلي الكوبي أو تساعد على تطوير الموارد غير المستغلة في البلاد، ربما لا تجد شركات أخرى سوقا رائجة لمنتجاتها.
من جانبه، قال كيربي جونز، مؤسس شركة «آلامار أند أسوشيتس»، التي تقدم استشارات للشركات بشأن القيام بأعمال تجارية في كوبا منذ عام 1974: «بالنسبة لشركة مثل (ماكدونالدز)، ستطرح الحكومة الكوبية هذا السؤال: كيف يؤدي دخول (ماكدونالدز) إلى السوق وبيع الهامبرغر إلى مساعدة الاقتصاد الكوبي؟ لن يكون الوضع شبيها في المناطق الأخرى حيث يمكنك أن تجد محل (ماكدونالدز) في كل زاوية».
ورغم حالة الركود والعزلة الطويلة التي تعرضت لها كوبا وانعزالها عن الاقتصاد العالمي، فإن الفرص التجارية المحتملة تسير في كلا الاتجاهين. وفي حين يتحين بعض الأميركيين فرصة الحصول على السيجار الكوبي الشهير بسهولة أكبر، يوجد بهذه الدولة أيضا صناعة تكنولوجيا حيوية قوية على نحو يدعو للدهشة لدرجة وجود عدد من اللقاحات غير المتوفرة حاليا في الولايات المتحدة، كما أن التعدين يعتبر مجالا هاما آخر للاقتصاد، حيث يوجد في كوبا واحد من أكبر مستودعات النيكل في العالم.
وبينما تحرص الشركات الأميركية على الحضور في البلاد، يتوقع الكثير من رجال الأعمال والزعماء السابقين في كوبا في صناعات مشروبات الروم أو السكر أن يتقدموا المسيرة.
«إن الشعب الكوبي يفتخر ويعتز بتاريخه، وسيسعى المغتربون وأولئك الذين ما زالوا يعيشون في كوبا إلى العودة إلى الساحة الدولية على أفضل وجه ممكن»، بحسب ريتشارد هاريس، نائب رئيس العمليات وتطوير المنتجات في شركة السياحة الفاخرة «إبركرومبى أند كينت»، التي قامت بترتيب رحلات إلى دول البحر الكاريبي. وأضاف ريتشارد قائلا: «نأت شركة (باكاردي) بنفسها عن كوبا، ولكنني على يقين من أن أحدهم يفكر في كيفية إعادة ربط العلامة التجارية بتراثها».
ويسمح قانون إصلاح العقوبات التجارية وتعزيز التصدير لعام 2000 ببيع المنتجين الأميركيين لمنتجات زراعية غير مصنعة ومواد خام من الغابات إلى كوبا، ولكن مع وجود قيود صارمة. وينبغي الدفع نقدا ومقدما للمنتجين، ويتم تحويل الأموال اللازمة من خلال بنك آخر في دولة أخرى، تكون عادة في أوروبا.
وكثيرا ما تواجه الشركات الأميركية صعوبة في المنافسة. وكانت أعمال شركتي «تايسون فودز» و«بيلغريمز برايد» رائجة في مجال بيع الدجاج المجمد، ولكن انخفضت مبيعات الحبوب التي كانت تقوم بها شركتا «كارغيل» و«ارتشر دانيلز ميدلاند» بشكل حادّ خلال السنوات الأخيرة، وذلك لطرح موردين من دول أخرى، مثل البرازيل، منتجات بسعر أرخص أو سماحها بشراء بضائعها بالدين.
وقال ديفري بوغنر فورويرك، نائب رئيس شؤون الشركات في شركة «كارغيل»: «هذه خطوة أولى رائعة، ولكننا نرغب في أن ينتهي هذا الحظر. ينبغي على الكونغرس العمل على رفع الحظر بشكل كلي».
بموجب التغييرات التي سيتم إدخالها على مجال الخدمات المصرفية والتجارية، من المتوقع أن تفتح الحكومة الكوبية ذراعيها للترحيب بشركات أميركية مثل «هوم ديبوت» و«كاتربيلر» و«دير»، لأنه سينظر إليها على أنها ستوفر مواد أو سلعا أو خدمات تدعم القطاع المحلي في كوبا.
ولكن ما زالت هناك علامات استفهام أكبر حول الشركات الموجهة لبيع السلع الاستهلاكية - سواء كانت تلك السلع رقائق ذرة من شركة «فريتو لي» أو أجهزة آي باد من شركة «آبل» - إلى الكوبيين، وأغلبهم من محدودي الدخل. ويرى محللون ومستشارون أنه من الصعب على الشركات الأميركية التي لها سلاسل تجارية، ومنها أكبر سلاسل المطاعم في العالم مثل «ماكدونالدز» أو «سابواي» أو «دانكن دونتس»، أن تنشئ مقرات لها هناك. وبدلا من ذلك، قد تنشئ فرصة أكبر أمام الكثير من الشركات التي تركز على المستهلك من البيع للأعداد المتزايدة من الأميركيين الذين يتوقع أن يزوروا كوبا إذا تم رفع القيود المفروضة على السفر بشكل كامل. ويرى محللون أنه في حالة حدوث ذلك، فقد يرتفع العدد السنوي للزائرين إلى البلاد من 3 ملايين إلى 4 ملايين. وسيسعى الزائرون الأميركيون للحصول على وسائل الراحة من خلال التعامل مع علامات تجارية معروفة مثل «كوكاكولا» و«بيبسي» و«باد لايت».
وتقوم شركات الضيافة والفنادق الأميركية، التي ظلت مستبعدة لعقود من الزمن، بشكل سريع بتقييم الفرص المتاحة لها في كوبا، ولكن يحذر محللون من احتمال مواجهتها لبعض العوائق الصعبة.
رغم أن الحكومة الكوبية قد ترحب بعلامة تجارية راقية تسعى لإنشاء منتجع فاخر - من أجل جذب العملاء ذوي معدلات الإنفاق المرتفعة - قد تواصل مسارها الحالي الخاص بتقديم عقود إدارة فقط لكثير من أصحاب الفنادق الأخرى، فالحكومة في هافانا تفضل امتلاك المباني والأرض. وهذا هو الترتيب الذي قامت به سلسلة الفنادق الإسبانية «ميليا هوتلز إنترناشونال» بالنسبة إلى عقاراتها في هافانا، حسبما أفاد خبيران استشاريان. ومع ذلك، أشار مديرون تنفيذيون لفنادق أميركية أنهم لم يفقدوا حماسهم.
قال آرني سورنسون، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لشركة «ماريوت إنترناشيونال»، عن طريق البريد الإلكتروني: «سنحصل على التوجيهات من الحكومة الأميركية، ولكننا نتطلع إلى افتتاح فنادق في كوبا، مثلما فعلت شركات من دول أخرى بالفعل».



تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
TT

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، خلال زيارتها للولايات المتحدة، إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان، في إطار سعيها لتنويع مصادر مشترياتها وتعزيز أمنها الطاقي.

وقبل أن تستخدم اليابان مخزوناتها النفطية الاستراتيجية هذا الأسبوع في عملية قياسية لتعويض تداعيات اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، كانت تحتفظ بنحو 470 مليون برميل، أي ما يكفي لاستهلاكها لمدة 254 يوماً، في خزاناتها.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخصص الخام كجزء من المخزونات الاستراتيجية اليابانية، أو أنه سيكون متاحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة عند الحاجة.

وقالت تاكايتشي، في تصريحات للصحافيين بالولايات المتحدة، إن البلدين اتفقا أيضاً على التعاون لتوسيع إنتاج الطاقة الأميركي. وتستورد اليابان نحو 4 في المائة من احتياجاتها النفطية، ونحو 6 في المائة من غازها الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. وقد زادت استثماراتها في قطاع الطاقة هناك.

وأضافت تاكايتشي: «أبلغتُ الرئيس دونالد ترمب بنيَّتي تنفيذ مشروع مشترك يتم بموجبه تخزين النفط الخام المُستورد من الولايات المتحدة في اليابان». ويستند هذا إلى فهم أن تنويع مصادر التوريد سيساهم في ضمان إمدادات طاقة مستقرة لليابان وآسيا ككل.

ولم تفصح تاكايتشي عن أي تفاصيل بشأن خطة تخزين النفط الأميركي في اليابان. وتحتفظ اليابان بمخزونات نفطية مشتركة مع السعودية والإمارات والكويت، يبلغ مجموعها نحو 13 مليون برميل، كجزء من احتياطياتها الاستراتيجية المحلية، ولها حق الأولوية في استخدام هذه المخزونات.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في أكثر من 90 في المائة من إمداداتها النفطية، وقد بدأت قطاعاتها الصناعية - من مصانع الصلب وشركات البتروكيماويات إلى الحمامات العامة - تشعر بآثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

وبلغت مساهمة اليابان في عملية إطلاق النفط القياسية التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية ما يقرب من 80 مليون برميل، تتكون أساساً من النفط الخام، وفقاً للأرقام التي نشرتها الوكالة يوم الخميس.

وجاءت حصة اليابان في المرتبة الثانية بعد مساهمة الولايات المتحدة البالغة 172 مليون برميل.

ولم تُستخدم المخزونات اليابانية المشتركة مع السعودية والإمارات والكويت في عملية الإطلاق التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية.

وخلال زيارة تاكايتشي، أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن توسيع نطاق التعاون بينهما، بما في ذلك استثمار ياباني يصل إلى 73 مليار دولار في مشاريع الطاقة الأميركية، وخطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وأعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية في ولايتي تينيسي وألاباما، وذلك عقب اجتماع قادة البلدين في واشنطن، وبعد موافقة طوكيو العام الماضي على استثمار 550 مليار دولار حتى عام 2029 كجزء من اتفاقية تجارية جديدة مع واشنطن.

كما أعلن البيان المشترك الصادر يوم الخميس بشأن ما يُسمى بالمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) عن استثمار بقيمة 33 مليار دولار في محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي في ولايتي بنسلفانيا وتكساس.

وأعلن البلدان، في فبراير (شباط)، عن الشريحة الأولى من المشاريع في إطار صندوق الاستثمار الجديد، بقيمة 36 مليار دولار مخصصة لثلاثة مشاريع بنية تحتية. وذكر بيان يوم الخميس أن هذه المشاريع ستضمن الأمن من خلال «تسريع النمو الاقتصادي للبلدين، مما يمهِّد الطريق لعصر ذهبي جديد للتحالف الياباني الأميركي المتنامي باستمرار».

وأشادت الولايات المتحدة بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي بنتها شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي»، بوصفها «مصدراً هائلاً للطاقة المستقرة للجيل المقبل، مما يُسهم في استقرار أسعار الكهرباء للشعب الأميركي، ويعزز ريادة اليابان والولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية العالمية».

كما أصدر الجانبان خطة عمل لتطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع. وتشمل الخطة مناقشة سياسات وآليات تجارية منسقة، مثل تحديد حد أدنى للأسعار وفقاً للحدود، «مع التركيز مبدئياً على معادن حيوية مختارة».

وأعلن البيت الأبيض أن البلدين سيتعاونان أيضاً في تطوير المعادن الحيوية في أعماق البحار، «بما في ذلك رواسب الطين الغنية بالعناصر الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية».

وميناميتوريشيما جزيرة مرجانية يابانية معزولة تقع على بُعد نحو 1950 كيلومتراً (1200 ميل) جنوب شرقي طوكيو. وقد جُمعت رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة بواسطة قارب حفر علمي ياباني متخصص في أعماق البحار أبحر، في يناير (كانون الثاني)، إلى الجزيرة التي يُعتقد أن مياهها المحيطة بها غنية بالمعادن الثمينة.


تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)

تسارعت التحركات الدولية لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً مزدوجة لزيادة الإمدادات وضبط الأسعار، بالتوازي مع مبادرات من وكالة الطاقة الدولية لإدارة الطلب. وفي خضم هذه التحركات، دخلت الصين على خط الأزمة، داعيةً إلى ضمان استقرار تدفقات النفط، في مؤشر على اتساع دائرة القلق العالمي من تداعيات الصدمة الحالية. وفي صدارة المشهد، برزت التحركات الأميركية بوصفها عاملاً رئيسياً في محاولة تهدئة الأسواق؛ فقد أعلنت واشنطن أنها تدرس رفع العقوبات عن شحنات النفط الإيراني العالقة في البحر، إلى جانب إمكانية الإفراج عن كميات إضافية من الاحتياطي الاستراتيجي، في خطوة تهدف إلى تعزيز المعروض وكبح جماح الأسعار. كما أشارت بيانات حديثة إلى احتمال زيادة الإنتاج الأميركي، خصوصاً مع إعادة تشغيل آبار متوقفة في ولاية داكوتا الشمالية، ما يعزز الإمدادات على المدى القريب. وترافقت هذه الجهود مع تحرك دبلوماسي واسع؛ إذ أعلنت دول أوروبية كبرى إلى جانب اليابان استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

كما كشفت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مساعٍ لاحتواء التصعيد، حيث طلب من إسرائيل تجنُّب استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في محاولة لتقليل مخاطر تفاقم الأزمة.

علاوة الحرب

هذه التحركات انعكست سريعاً على الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط في تعاملات الجمعة، مع انخفاض خام برنت إلى نحو 108.26 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط إلى 95.27 دولار، بعد أن فقدت الأسعار جزءاً من «علاوة الحرب»، مع تنامي الآمال بتهدئة التوترات. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة؛ إذ يتجه برنت لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 5 في المائة؛ ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في السوق.

إجراءات غير مسبوقة

وفي موازاة ذلك، تقود وكالة الطاقة الدولية مساراً مكملاً يركز على جانب الطلب، في تحول لافت في إدارة أزمات الطاقة؛ فبعد قرارها ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو الأكبر في تاريخها، طرحت الوكالة مجموعة إجراءات عملية لتخفيف الضغط على المستهلكين، تشمل العمل من المنزل، وتقليل السرعات على الطرق، وتجنب السفر الجوي عندما تتوفر بدائل. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على زيادة المعروض فقط، بل تتطلب أيضاً إدارة الاستهلاك بشكل مباشر.

وأكد المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، أن هذه الإجراءات تمثل أدوات «فورية وملموسة» يمكن أن تحد من أثر ارتفاع الأسعار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى معدلات التضخم العالمية.

غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بتطورات الوضع الأمني، خصوصاً في مضيق هرمز. فحتى مع التوصل إلى ترتيبات لتأمين الملاحة، يشير محللون إلى أن استعادة سلاسل الإمداد بشكل كامل قد تستغرق وقتاً، ما يعني استمرار تقلب الأسعار في المدى القريب.

ناقلة نفطية صينية قرب ميناء في هونغ كونغ (رويترز)

وفي هذا السياق، برز الموقف الصيني بوصفه عنصراً مهماً في معادلة التوازن العالمي؛ فقد دعت بكين جميع الأطراف إلى ضمان استقرار إمدادات النفط وتدفقها دون عوائق، في رسالة تعكس قلقها من تأثيرات الأزمة على اقتصادها الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية، في ضوء بيانات حديثة، أظهرت أن واردات الصين من النفط الروسي سجلت مستوى قياسياً خلال أول شهرين من العام، إذ بلغت نحو 21.8 مليون طن، بما يعادل 2.7 مليون برميل يومياً، بزيادة 41 في المائة على أساس سنوي. ويشير ذلك إلى أن بكين تسعى إلى تنويع مصادرها وتعزيز شراكاتها مع موسكو لتأمين احتياجاتها في ظل التقلبات الجيوسياسية.

وفي المقابل، تراجعت واردات الصين من بعض المصادر الأخرى، مثل ماليزيا، ما يعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة تدفقات الطاقة العالمية. كما أن غياب واردات معلنة من إيران في البيانات الرسمية يسلط الضوء على تعقيدات المشهد المرتبط بالعقوبات والتجارة غير المباشرة.

ومن زاوية الأعمال، تفرض هذه التطورات تحديات كبيرة على الشركات، خاصة في قطاعات النقل والصناعة. فارتفاع الأسعار وتذبذبها يزيدان من تكاليف التشغيل، بينما تخلق المخاطر الأمنية في الممرات البحرية حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد.

وفي الوقت ذاته، قد تفتح الأزمة فرصاً في مجالات كفاءة الطاقة والتكنولوجيا، مع توجه الشركات إلى تقليل استهلاكها والاعتماد على حلول أكثر مرونة. وتكشف أزمة النفط الحالية عن تحولات عميقة في طريقة تعامل العالم مع صدمات الطاقة، حيث تتداخل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وإدارة الطلب في محاولة لاحتواء التداعيات. وبين تحركات الولايات المتحدة وحلفائها، ومبادرات وكالة الطاقة الدولية، ودعوات الصين للاستقرار، يبقى مستقبل السوق مرهوناً بسرعة تهدئة التوترات في الشرق الأوسط. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب، فيما تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار واستمرار النمو الاقتصادي.


«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
TT

«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)

قال بنك «غولدمان ساكس» إن أسعار النفط مرشحة للبقاء فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة مطولة قد تمتد حتى عام 2027.

وأوضح أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وتضرر البنية التحتية للطاقة جراء الحرب الإيرانية، يضعان السوق أمام مخاطر صعودية حادة قد تدفع خام برنت لتجاوز مستواه القياسي التاريخي المسجل في عام 2008، إذا ما استمرت الانقطاعات في الضغط على مخزونات الطاقة العالمية.

يرى البنك أن «صدمة هرمز» الحالية وحالة عدم اليقين المحيطة بتوقيت إعادة فتح المضيق ستلقي بظلالها على الأسواق لسنوات. وبالاستناد إلى أكبر خمس صدمات عرض شهدها العالم في الـ50 عاماً الماضية، يقدر «غولدمان ساكس» أن تضرر البنية التحتية ونقص الاستثمارات قد يؤديان إلى انخفاض الإنتاج، مما يعني أن العجز في المعروض لن يكون عابراً بل سيستمر عامل ضغط أساسي على الأسعار حتى نهاية 2027.

من المتوقع أن تؤدي المخاطر الجيوسياسية المستمرة إلى تغيير استراتيجيات الطاقة العالمية؛ حيث يرجح التقرير أن تبدأ الدول في تسريع بناء مخزوناتها الاستراتيجية (SPR) بوتيرة أسرع بدءاً من عام 2027. هذا التوجه نحو التأمين الذاتي للطاقة سيزيد من مستويات الطلب في السوق، مما يضيف زخماً إضافياً لبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، تعويضاً عن الانخفاض المتوقع في الاحتياطات بنهاية عام 2026.