الحضارة العربية والإسلامية مجسدة في متحف فرانكفورت

أكثر من 800 آلة ومجسم في مجالات مختلفة أعيد صنعها طبق الأصل

من معروضات المتحف
من معروضات المتحف
TT

الحضارة العربية والإسلامية مجسدة في متحف فرانكفورت

من معروضات المتحف
من معروضات المتحف

تزخر المكتبات العالمية المشهور بالمراجع والملفات التاريخية في مختلف المجالات، والسبب في ذلك إدراك المشرفين عليها أهمية حفظها، لأنها تمثل جزءا لا يتجزأ من التقدم البشري في أي مرحلة من المراحل. فهذه الملفات تعتبر مرجعا لما تم إنجازه قديما في مجالات مهمة، في الطب أو العلوم الإنسانية أو الكيمياء أو الفيزياء، وساهم من توسيع مدارك الإنسان وتحسين حياته أو التخفيف من مشكلاته المختلفة. في الوقت نفسه، فإن هذه الإنجازات أفكار توارثتها شعوب الأرض وطورتها حسب إمكانياتها.
لكن، يجب القول بأن بعض الشعوب تمكنت من تحقيق إنجازات أكثر من شعوب أخرى، وهذا يظهر على المعروضات التي يضمها متحف مؤسسة «بحوث العلوم الإسلامية والعربية» في مدينة فرانكفورت بهدف إبراز ما طوره العرب والمسلمون عندما كانوا في قمة مجدهم ونافسوا في اختراعاتهم وإنجازاتهم شعوب الأرض أو أكملوا ما عجز عن تحقيق علماء من حضارات سابقة.
وعندما يتجول الزائر في قاعات المتحف للتمعن في المعروضات الموزعة على طابقين، يخال نفسه في مختبر لأحد الأطباء العرب القدماء أو غرفة عمليات جراحية لوجود معدات جراحية كانت تستخدم قبل قرون طويلة أو مجهر لفحص الدم وغيره، وإذا ما تغول في التجول يتفاجأ بأجهزة لمسح الأرض أو مجاهر لمراقبة الفلك ودراسته، فالعرب كانوا روادا في هذه المجالات.
ويعرض المتحف أكثر من 800 آلة ومجسم في مجالات مختلفة أعيد صنعها طبق الأصل على يد حرفيين خبراء لتعمل بالشكل الذي كانت عليه وقت اختراعها واستعملها العلماء والباحثون العرب والمسلمون في الفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والسادس عشر الميلادي، ولقد تم البحث سنوات طويلة عن صور لها في المراجع التاريخية إلى أن عثر عليها في بعض دهاليز المكتبات أو أرشيف مؤسسات علمية والمكتبات القديمة، خصوصا في الهند وباكستان وماليزيا، وأوروبا مثل ألمانيا وهولندا والنمسا، مما مكن من صنع نسخ عنها بشكل دقيق جدا.
وهذه الثروة العلمية الضخمة جعلت المتحف اليوم مرجعا ليس فقط للعلماء والباحثين، بل أيضا لطلاب الطب والعلوم الإسلامية، وغيرهم، والفضل في كل ذلك يعود إلى جهود البروفسور التركي الأصل فؤاد سيزكين الذي كرس نفسه قبل نحو ربع قرن لكي يبرهن للعالم على أن العرب والمسلمين لهم فضل كبير في تطوير مجالات كثيرة، فهم كانوا سباقين في مجالات الطب والكيمياء والفيزياء والجبر والفلك والعمارة وصناعة الساعات والسلاح وعلوم البحار وصناعة السفن والخرائط، فرسموا خرائط العالم القديم قبل ألف عام لا تختلف كثيرا عن الخرائط التي اعتمد في رسمها على التقنية المتطورة.
فإذا ما تحدثنا عن وضع خرائط العالم وعلم الخرائط، فإن المتحف يضم نسخا كثيرة، فهذا العلم كان من الدراسات المهمة عند المسلمين، واعتبروا من مؤسسي الجغرافية البشرية خارطة، أحد هذه الخرائط واحدة لشمس الدين أبو عبد الله المقدسي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، وأظهر صورة الأرض ودرجات الطول والعرض وبأن البحار والمحيطات تحيط بالكرة الأرضية.
ويمكن تفحص خرائط لأفريقيا والمحيط الهندي والبحر المتوسط والبحر الأسود رسمت قبل أكثر من 5 قرون، ولا تختلف بتفاصيلها عن الخرائط الموجودة في يومنا الحالي، كما تتصدر القاعة خريطة رسمها العرب للعالم القديم عام 217 ميلاديا، وضعها الخليفة المأمون للمحيط الأطلسي، لذا فإن الاعتقاد السائد إمكانية وصول العرب إلى القارة الأميركية في قرابة عام 1400 ميلاديا؛ أي قبل كريستوف كولومبوس بأكثر من نصف قرن واستعان هو نفسه حسب تخمينات باحثين دوليين بالخرائط التي وضعها علماء عرب ومسلمون.
وعلى المستوى نفسه، يمكن التحدث عن المعروضات التي تصور إنجازات العرب والمسلمين أن في مجال العمليات الجراحية أو العلاجات الدوائية، مما يدفع إلى القول بأن بعض الآلات المستخدمة اليوم قد صنعت على أساس الآلات والأجهزة القديمة، وهذا ما يشير إليه أيضا البروفسور سيزكين في الكثير من أدبياته ومقالاته، فالعرب على سبيل المثال حققوا نتائج لا توصف قبل اختراع المجهر (التلسكوب)؛ حيث اكتشفوا الدورة الدموية الصغرى على يد ابن النفيس في القرن الـ13 ميلادي وكيفية انتقال العدوى من مريض إلى آخر.
ولقد اعتمد المنفذون في المتحف عند صنع الآلات والأجهزة على مخطوطات كثيرة لأطباء عرب ومسلمين قدماء، وجودها في مكتبات قديمة منها كتاب لأبي قاسم الزهراوي، والصور التي فيه لآلات استخدمت في العمليات الجراحية، وكان الزهراوي طبيبا له خبرة طويلة في علم الصيدلية والولادة وعلاجات الأنف والحنجرة والأذن والعيون. ومن الأدوات الطبية المعروضة واستخدمها العرب والمسلمون نسخا عن ملاقط لعلاج أمراض العيون مصنوعة من معدن مقاوم للصدأ (ستانل ستيل)، واحد طوله 1.22 سنتم متحرك من طرف واحد استخدمه الأطباء العرب في القرن الـ13 لإزالة الشوائب داخل العين، وآخر من النحاس الأصفر لإزالة الأجسام الغريبة من قناة الأذن وكان يستخدم في القرن العاشر الميلادي.
ومن الآلات التي كان يستخدمها أطباء العرب قبل آلاف السنين آلة لمعالجة مشكلات المجاري البولية وانسدادها، أنبوب أملس من الفضة في نهايته جيب، ويدخل الطبيب خيطا معقما من القطن أو الصوف يدفع طرفه عبر سلك إلى أن يصل إلى المكان المسدود، فيحرره ويجري بعدها البول، وتتكرر العملية إلى أن تفرغ المبولة.
وتظهر عدة آلات وسائل معالجة العرب لأمراض العامود الفقري، منها الشد بواسطة سرير خشبي حيث يربط المريض من قدميه ويشد بيديه بالاتجاه المعاكس كي ترتاح الفقرات في العامود الفقري، وهذه وسيلة تستخدم اليوم بواسطة آلة تشد العنق بالاتجاه الأعلى بعكس بقية الجسم، وعرفت هذه الآلة منذ القرنين الرابع وحتى العاشر الهجري. وفي مجال الولادة وعلاج الأمراض النسائية اخترع العرب كثيرا من الآلات، منها كرسي تجلس فيه الحامل لتسهيل عملية الوضع، يحاكي في شكله النموذج التي يستخدم اليوم، وهو مصنوع من الخشب وله ذراعان كي تضع الحامل ساقيها عليهما؛ مما يؤيد إلى فتحهما، وبالتالي مراقبة الطبيب عملية الولادة أو إجراء فحص نسائي. وآلة أخرى على شكل كماشة لتسهيل إخراج الجنين من رأسه ثم سحبه إذا ما تعثرت الولادة أو للإجهاض أو إذا ما كان الجنين ميتا لإنقاذ الأم الحامل وطول الجهاز نحو 21 سنتم ومصنوع من المعدن المقاوم للصدأ واستخدمه الأطباء العرب في القرن الـ10 الميلادي. والجهاز الآخر التي لا يقل أهمية هو لقياس كمية الدم لدى المريض ويعمل على قاعدة فيزيائية لتحديد كمية الدم في الجسم وعلى أساس مبدأ أن حركة الأجسام العائمة التي تنشطر بعد ذلك وتدفع إلى وعاءين بناء على نسبة اللزوجة. ويوجد كثير من ملاقط الكي منها المكواة الزيتونية من أجل كي أوارم في الرأس أو معاجلة شلل الوجه بالكي أو لإيقاف النزيف في الجروح أو بعد بتر عضو في الجسم لمنع الالتهابات، وكان الكي بمثابة مضادات حيوية.
وفي الجناح المخصص للعلوم الكيميائية يعرض جهاز، عثر على نموذج له في دمشق، كان يستخدم لتقطير ماء الورد استعمله، واستخدمه فيما بعد الإيطاليون في القرن 16 للهدف نفسه، إضافة إلى جهاز دقيق جدا لتحديد الوزن النوعي اخترعه أبو الريجاني البيروني وكان عالم كيمياء وفيزياء في أوائل القرن الـ11.
ويعرض المتحف نماذج لآلات موسيقية استخدمت لمعالجة الأمراض العقلية؛ مما يدل على أن العرب أدركوا أهمية الموسيقى في علاج الحالات النفسية، كما نقرأ الطبيب الأندلسي أبو القاسم الزهراوي الذي تحدث في كتبه عن أهمية الموسيقى في علاجات الأمراض النفسية والعقلية، وأصبحت اليوم وسيلة يتبعها أطباء النفس في الغرب.
ويبدو أن الحروب الصليبية دفعت العرب لقدح الأذهان من أجل الدفاع عن أنفسهم باختراع أسلحة ليس باستطاعة العرب اليوم صنعها رغم التقدم التقني منها أسلحة هجومية وأخرى دفاعية وقنابل يدوية، ووجدت النماذج التي اعتمد المتحف عليه عند تصنيعها في مراجع عسكرية حربية، ولقد ساعد العرب في استخدام هذه الأسلحة اكتشافهم للبارود الأسود، ويعرض في المتحف أيضا نموذج لمدفع ودبابة تعود إلى القرن السابع الهجري، وعثر على صور لها في مراجع تاريخية قديمة جدا من أجل إعادة صنعها.
والى جانب الأسلحة، توجد نماذج صغيرة لسفن كان يسافر على متنها العرب في القرن الثالث الهجري، وكانت تصنع في قرية أبولا بالقرب من البصرة واستخدمها التجار في رحلاتهم من المغرب إلى الصين، وكانت سفنهم محملة بالسلع الشرقية ليعودوا من هناك محملين بالأقمشة والحرير والبخور. واستعان العرب في رحلاتهم بالبوليصات التي صنعوها منها نموذج لبوليصة صنعها أحمد ابن ماجد النجدي في القرن الرابع عشر الميلادي، وبرع في علوم الملاحة والفلك والبحار وأطلق البرتغاليون عليه اسم «أمير البحار»، وحسب بعض المراجع التاريخية فإن اسمه ارتبط بالرحلة الشهيرة حول رأس الرجاء الصالح إلى الهند بمساعدة فاسكو دي غاما لاكتشاف طريق جديد إلى الهند.
ويعرض المتحف أدوات كثيرة لرصد النجوم منها أسطرلابات من الصفيح الأصفر يسهل العثور على المجرات والنجوم والكواكب والمجرات بعضها صغير والبعض الأخرى يصل قطره إلى متر ونيف، لكن لا يعرف حتى الآن من هو أول مخترع لأسطرلاب وتاريخ اختراعه مع ذلك اعتمد المتحف في صنع نسخ عنها على مخطوطات قديمة جدا وضعها المسلمون، واستعان فلكيون بها ليتمكنوا من قياس ارتفاع الشمس في السماء وتقدير الوقت في النهار أو الليل وتحديد بزوغ الشمس وأوقات الصلاة. ولقد طور علماء الفلك المسلمون هذا الجهاز في القرن السادس الهجري، ويعتقد بأن أبو الحسن علاء الدين الأنصار الملقب بـ«ابن الشاطر» تابع تطويره في القرن السابع الهجري.
وبعد افتتاح المتحف عام 1982 وضع البروفسور فؤاد سيزكين المشرف عام 2003، فهرسة المراجع والدراسات العربية والإسلامية المعروضة بهدف تسهيل الحصول على المعلومات للباحثين والدارسين، ولتكون أيضا مرجعا للمستشرقين؛ حيث يضمن كل باب شرحا للآلة المعروضة وفائدتها وتاريخ صنعها التقريبي، سواء في مجال الطب أو العلوم الإنسانية أو الفلك أو التقنيات، مرفقة بصورة فوتوغرافية للنماذج أو رسوم أصلية مع شرح إما بالعربية أو الفارسية أو التركية.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.