«الشرق الأوسط» في مهرجان «فنيسيا الدولي» (6): صُوَر فلسطينية ـ إسرائيلية صغيرة لقضايا كبيرة

فيلمان من طرفي النزاع.. كلاهما يعمد إلى البئر نفسه حتى ولو كان لكل منهما موضوعه المختلف

سليم ضو وهيام عباس في «غزة مونامور»
سليم ضو وهيام عباس في «غزة مونامور»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان «فنيسيا الدولي» (6): صُوَر فلسطينية ـ إسرائيلية صغيرة لقضايا كبيرة

سليم ضو وهيام عباس في «غزة مونامور»
سليم ضو وهيام عباس في «غزة مونامور»

من الطبيعي أن يمسك كل مخرج بالصورة ذاتها لكن من الجانب الذي يراه مناسباً له. الصورة لا تتغير كواقع، لكن وجهات النظر تتباين كون الصورة ذاتها تستطيع أن تعني شيئاً محدداً ومختلفاً لكل من يتعامل معها.
تحدّث المخرج الفرنسي جان - لوك غودار حول هذا الوضع في مشهد من أحد أفلامه السابقة عندما أمسك بصورة لمركب محمّل بمهاجرين فلسطينيين، وهو على أهبة الإبحار شمالاً صوب لبنان خلال النزوح الكبير سنة 1948 وبصورة أخرى لمركب محمل بمهاجرين يهود وصلوا إلى الساحل الفلسطيني ذاته. غاية المخرج القول إن قوماً خلفوا قوماً آخرين بذلك تكمل كل صورة الأخرى.
في دورة مهرجان فينيسيا الـ77 وجود لهاتين الصورتين: فيلم فلسطيني عنوانه «غزة مونامور» وفيلم إسرائيلي عنوانه «ليلى في حيفا». كلاهما يعمدان إلى البئر نفسه حتى ولو كان لكل منهما موضوعه المختلف عن الآخر.
- تمثال برونزي
«غزة مونامور» [على وقع فيلم آلان رينيه «هيروشيما، مونامور» (1959) وفيلم فياشليساف روس «سايبيريا، مونامور» (2011)]، الفيلم الروائي الجديد من المخرجين الفلسطينيين عرب وطارزان ناصر اللذان كانا عرضا فيلمهما الروائي الأول «مرمى التدريب» في مهرجان «كان» سنة 2015. أحداث ذلك الفيلم وقعت في غزة حول مجموعة من النساء حوصرن في صالون للسيدات عندما بدأت الجولة الأخيرة من القتال بين القطاع وإسرائيل.
الفيلم الجديد ما زال يتّخذ من غزة موقعاً لسرد حكايته، لكن الموضوع الماثل يشغله الرجل في المقام الأول. رجل ليس غريباً عن المخرجين الشقيقين كونهما يتحدّثان (بطريقة أو بأخرى) عن أبيهما عيسى ناصر. والمشاهد لا يدري ذلك سريعاً. يلاحظ قربهما من تلك الشخصية لكنه لن يكتشف أنهما يتحدّثان عن أبيهما إلا عندما ينطلق عيسى (يؤديه سليم ضو) باسمه كاملاً في مشهد بعد بداية النصف الثاني من الفيلم.
عيسى رجل جاوز سن الشباب يعيش وحيداً يلجأ إلى البحر على مركبه حيث يصطاد السمك ويبيعه. ذات يوم يعلق تمثال برونزي في شباكه. يخبئه في سيّارته ويعود به إلى منزله حيث يضعه في الخزانة (في فينيسيا أيضاً شاهدنا الفيلم البريطاني «الدوق» حول رجل في العمر ذاته يخفي لوحة مسروقة في خزانة منزله). حين يُكتشف الأمر، وبحضور نساء كانت شقيقته جاءت بهن ليختار منهن زوجة له، يداهم البوليس الفلسطيني منزله ويكتشف التمثال ويسوقهما (هو والتمثال) إلى التحقيق.
يخصص المخرجان فصلاً لدرس طبيعة الضابط الفلسطيني الذي آل إليه التحقيق، ينتقد نموذجاً سلطوياً متداولاً هدفه إثبات تهمة ما على الصياد وإضافة «انتصار» آخر لمنجزاته الصغيرة. الأخوان ناصر يرسمان صورة كاريكاتيرية إنما واقعية وينسجان موقفاً من المسؤولين الذين لا يفعلون شيئاً حيال مشاكل الناس، بل يضيفون فوقها.
حال خروجه من المعتقل بريئاً من كل ذنب سوى أنه أخفى ثروة يحتار المسؤولين في تحديد قيمتها المادية في خزانته، يعود عيسى لهمّه الأول وهو حبه لأرملة (هيام عبّاس) تعمل خياطة في محل ملابس وأقمشة. يدبّر لنفسه صعود سيارة أجرة معها صوب عملهما في السوق. يخبرها عن مجموعة من السراويل التي تحتاج إلى تقصير ثم يزورها لاحقاً لتسليم تلك السراويل ثم مرّة أخرى لتسلمها ليجد أنها قصّت ما يجعل كل سروال أقصر مما كان مطلوباً. يُثير ذلك ضحكها (وضحك المشاهدين) لكنه لن يهتم. هو يحبها ويحاول جهده إعلامها بذلك لكنه يخجل من البوح صراحة.
الفيلم كوميديا سوداء تقع أحداثها في غزة اليوم. هذه الحقيقة تخالف اعتبار أن المخرجين إنما يسردان سيرة والدهما، كونهما راشدين اليوم، مما يعني أن والدهما لا بد أنه كان في أربعينات حياته عندما تزوّج وأنجب. كذلك لأن الأحداث تقع اليوم وليس على أيام والدهما الراحل. لكن ما ينجح الفيلم فيه هو تأطير المشكلة الخاصة التي يعرضها داخل مخاطر الحياة الغزّاوية: من ناحية لدينا المسلمون المتشددون، ومن ناحية أخرى هناك «حماس» وقبضتها السلطوية، ومن جهة المسؤولين المهيمنين، ومن ناحية رابعة هناك القذائف الإسرائيلية التي تُلقى على القطاع في أي وقت ومن دون إنذار.
وحدة عيسى العاطفية (لحين قراره بأن يتقرّب من الأرملة) تعكس وحدة أكبر في مجتمع خرج عن مسارات واعدة ودخل في زقاق من السعي للبقاء حيّاً رغم الظروف. لكن «غزة مونامور» يبتعد تماماً عن الإدلاء بحوار سياسي يكوّن خطابه ذاك. يلحظ ويعرض مكتفياً بذلك القدر وحسناً ما يفعل.
هناك ضعف في المعالجة. لا هو واقعي كفاية ولا فانتازي كفاية ولا كوميدي كفاية أيضاً. بذلك لا يجتاز المسافة كاملة في أي اتجاه فيتوقف عند حد دون سقف الطموحات التي كان ينشدها.
- أمّا في حيفا
في حين تم عرض «غزة مونامور» في مسابقة «آفاق» دخل الفيلم الإسرائيلي «ليلى في حيفا» لعاموس غيتاي مسابقة الفيلم الروائي. يستعرض المخرج ذي التاريخ المعروف الذي تناول فيه مسائل العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين جنباً إلى جنب، البحث عن هوية متبادلة لكل منهما، عدة شخصيات في ليلة واحدة داخل ملهى (اسمه فتّوش) يؤمه فلسطينيون وإسرائيليون حيث يشعرون هناك بحرية الانسجام وسواسية العلاقات. هناك المصوّر الفوتوغرافي غيل (تساحي هاليفي) الذي يحضر معرضاً أقيم له في قاعة ملحقة بالملهى وهو على علاقة بفلسطينية اسمها ليلى (ماريا زريق) متزوّجة من فلسطيني يكبرها سناً (مكرم خوري). حسب الفيلم، يملك الزوج نصف حيفا لكنه لا يملك قلب زوجته.
على أن الفيلم لا يدور في رحى هذا الثلاثي من الشخصيات، بل ينتقل بين شخصيات أخرى تؤم الملهى ذاته من بينها شخصية ثائرة سياسية فلسطينية وشخصية امرأة يهودية تعترف لها بقضيتها لكنها تعتبر الماضي قد انتهى وعلى الشعبين أن يتعايشا. المخرج لا ينتظر أن تبوح شخصيات الفيلم بذلك التعايش، بل يعرضه ويوحي به، معتبراً أن الملهى يستطيع أن يكون نموذجاً للعلاقة خارجه. هذا قبل انتقال المخرج إلى شخصيات عربية وغير عربية تتحدث وترقص.
بصرف النظر عن موقف غيتاي ورغبته، يخفق الفيلم في تحميله غاياته. يبدو ساذج الطرح ومحصوراً في نيّاته وهو بالتأكيد ليس على مستوى أفلام مميّزة سابقة له.
باستثناء مكرم خوري، فإن التمثيل من العرب واليهود يبدو أقرب إلى التمارين المسرحية. بلا حياة ولا حيوية ولا ينقص الممثلين سوى حمل الحوار مكتوباً على ورق وقراءته.


مقالات ذات صلة

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يوميات الشرق يكرّم المهرجان الفنان جورج خبّاز (الجهة المنظمة)

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يحطّ مهرجان «أيام السينما اللبنانية» رحاله في كندا للمرة العاشرة، في احتفالية تجمع عشاق السينما اللبنانية وتتنقّل بين 3 مدن كندية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بطلات الفيلم الروسيات في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)

«موسكو - كايرو» يروي قصة هجرة 4 فنانات روسيات إلى الغردقة

يُعيد الفيلم الروائي الطويل «موسكو - كايرو» التعاون السينمائي المصري الروسي بعد أكثر من نصف قرن، منذ إنتاج فيلم «الناس والنيل» للمخرج يوسف شاهين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان إبراهيم الحساوي قدم عديداً من الأعمال السينمائية والدرامية (الشرق الأوسط)

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

أعلن مهرجان «VS-FILM» للأفلام القصيرة جداً، الاثنين، عن تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي عن مجمل أعماله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو» (إدارة المهرجان)

من بيروت إلى غزة... مهند يعقوبي يستعيد أرشيف جوسلين صعب

الفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم عُرض ضمن مهرجان سراييفو (إدارة المهرجان)

بليرتا باشولي: «دوا» يرصد أحلام المراهقين وسط الحرب

قالت المخرجة الكوسوفية بليرتا باشولي إن فيلمها «دوا» يرتبط بحياتها الشخصية، إذ تستند حكايته إلى تجربتها خلال الحرب في كوسوفو.

أحمد عدلي (القاهرة)

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.


هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز