كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

أبحاث مُكثَّفة في «كاوست» لتحسين الأمن الغذائي بصفة مستدامة

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟
TT

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

في ظل تحديات تغير المناخ وتزايد تعداد سكان الأرض الذي يُتوقَّع أن يبلغ عشرة مليارات نسمة بحلول عام 2050، وبالنظر إلى افتقار أكثر من ملياري شخص بالفعل إلى إمكانية الحصول على طعام آمن ومُغذٍّ وكافٍ بانتظام، تتّضح معالم التحدي البالغ الذي تواجهه البشرية والذي يتمثل في توفير الطعام لذلك العدد المتنامي باستمرار من البشر. ولذا يسعى العلماء في المختبرات العالمية إلى ابتكار حلول جديدة قد تجنِّب العالم تلك المخاطر.
هنا نسلط الضوء على بعض تلك البحوث والمشاريع التي يقوم بها العلماء في السعودية وتحديداً في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) من أجل تحقيق هدف زراعة طعامٍ كافٍ على نحو مُستدام لإطعام ثلاثة مليارات شخص بحلول عام 2050 من دون تدمير كوكب الأرض.

أبحاث ومشاريع
البداية مع البروفسور رود وينغ، مدير مركز الزراعة الصحراوية في «كاوست»، الذي يعد من العلماء الذين كرّسوا حياتهم المهنية للمساعدة على تحقيق المسعى الرامي إلى إطعام هذا العدد المتنامي من البشر. يركز وينغ في أبحاثه على الأرز ذي الأهمّية القصوى في تحقيق الأمن الغذائي، بوصفه غذاءً أساسياً لأكثر من نصف سكّان العالم. وينصبُّ اهتمامه بصفة رئيسية على استنبات أصناف فائقة الجودة من الأرز الأخضر تُنتج محاصيل أكبر من ناحية الحجم، وأعلى من جانب القيمة الغذائية باستخدام كميات أقل من المياه والأسمدة والمبيدات الحشرية ومساحات أصغر من الأراضي. ويعمل أحد مشروعات وينغ على تطويع سلالة برِّية من الأرز يُمكنها النموّ في المياه المالحة، فيما يقوم مشروع آخر بتحليل كمّ هائل من المعلومات الجينية المتاحة عن أصناف الأرز المزروعة والبرِّية، بالإضافة إلى توليد جينومات مرجعية يمكن استخدامها في نهاية المطاف لإنشاء بنك جينات رقمي. سوف تضطلع مجموعة الأحياء الحاسوبية التي يؤسّسها وينغ حالياً بإجراء مقارنة مرجعية بين البيانات المأخوذة من هذا البنك، والبيانات الأخرى المتاحة بشأن السمات الجينية للأرز، لتسريع وتيرة استنبات مزيدٍ من أصناف الأرز التي تكون أكثر استدامة وقدرة على التكيّف.

توليد نباتات أقوى
أمّا زميل وينغ، البروفسور مارك تيستر، أستاذ علوم النبات والمدير المشارك، في مركز الزراعة الصحراوية بـ«كاوست»، فيعكف حالياً على دراسة تسلسلات الجينوم الخاصة بنباتات الشعير والطماطم والكينوا لتحديد الجينات التي تُعبِّر عن سمات تحمُّل الملوحة. وحدَّد فريق تيستر بالفعل الجينات المسؤولة عن تحمّل الإجهاد في نبات الشعير، وذلك في أثناء دراسة مجموعة من سلالات الشعير التي وُلِّدَت بتهجين أحد الأصناف المستزرَعة مع عدّة أصناف برِّية، ويعمل الفريق البحثي حالياً على تهجين تلك الجينات مع سلالات الشعير التجارية. كما يهدف عمل الفريق المَعني بجينوم الكينوا إلى توليد نباتات أقوى، لها بذور ذات مذاقٍ أفضل. وجدير بالذكر أن نبات الكينوا يُعرَف بقيمته الغذائية العالية فضلاً عن قدرته على النمو في التربة المالحة وعلى ارتفاعات شاهقة، وربما يساعد عمل تيستر على إنتاج الكينوا كمحصول أساسي بديل في البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي.
وتبحث مجموعة تيستر أيضاً في ري المحاصيل بالمياه المُحلّاة جزئياً، وإيجاد طرق لخفض تكاليف تحلية المياه مما يخلق نظاماً للري يتميّز باستدامته وجدواه من الناحية الاقتصادية. وقد حفّز النجاح المبكر لهذا العمل هِمّة تيستر لتأسيس شركة «مزارع البحر الأحمر Red Sea Farms» بالتعاون مع المهندس الزراعي راين ليفرز، التي تُقدِّم أحدث التقنيات لمزارع «الصوبات» ومزارع الاستنبات المائي بغرض زيادة إنتاج المحاصيل بكميات أقل من المياه والطاقة، عبر استغلال موارد المياه المالحة وأنظمة التبريد التي تعتمد على مياه البحر غير المُخفَّفة.
يقول تيستر: «أرغب في رفع مستويات استدامة نُظم إنتاج الغذاء لدينا، وأحد السبل لتحقيق ذلك يكمُن في الحدّ من استخدام المياه العذبة. فالأمن الغذائي وأمن المياه لهما أهمّية فائقة على المُستويين الاجتماعي والسياسي والبيئي، ليس بإمكاني سوى إحداث تأثير بسيط في هذا الجانب، ولذا فإنني لا أريد إهدار هذه الفرصة».

الزراعة الدقيقة
ومن جانبه يقدّم البروفسور ماثيو مكابي، أستاذ العلوم والهندسة والبيئة والمدير المشارك في مركز تحلية وإعادة استخدام المياه في «كاوست»، يد المساعدة لتيستر في جمع البيانات من آلاف النباتات المختلفة، باستخدام طائرات دون طيار (UAVs) مُجهَّزة خصيصاً لذلك الغرض. يستخدم مكابي أيضاً تلك الطائرات إلى جانب أقمار صناعية تجارية لا يزيد حجمها على حجم «صندوق الأحذية» لمراقبة الزراعة واسعة النطاق في شتى أنحاء السعودية. ويُحلل فريقه البيانات لتحديد كمية المياه المستخدمة حالياً لزراعة كل محصول على حدة. «إنها أداة مفيدة بشكل لا يُصدَّق، إذ تساعد على إدارة الموارد المائية الثمينة للمملكة»، حسبما يوضّح مكابي. ويشارك فريقه أيضاً في مشروع خاص بوزارة البيئة والمياه والزراعة لرسم خرائط استخدام المياه في الزراعة عبر أرجاء المملكة.
من الممكن أن تساعد البيانات التي جمعها فريق مكابي من الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار على تحقيق مفهوم الزراعة الدقيقة، التي تُمكِّن المزارعين من تحديد المناطق المتضرّرة في الحقول ومعالجتها، لتوفير الأموال والموارد وإنتاج محاصيل زراعية بجودة أعلى.
«لكن كل هذه التطورات في مجال الرصد تصاحبها زيادة هائلة في كمِّ البيانات الخاضعة للمعالجة»، حسبما يقول مكابي، الذي يُوظِّف حالياً تقنيات التعلم الآلي لمجابهة هذا التحدّي، واستخلاص المعلومات من مجموعات البيانات الوفيرة؛ كي يتسنّى استخدامها لاحقاً لتوجيه دفّة إدارة وتشغيل النُّظُم الزراعية. كذلك يبحث فريقه في الوقت الحالي عن وسائل للدمج بين بيانات الاستشعار عن بُعد عالية الدقّة، والنشرات الجوية وأحدث نماذج نمو المحاصيل، بغرض تطوير التنبؤات والتكهّنات بإنتاجية المحاصيل، ويضيف: «إننا نحاول معرفة ما إذا كان بإمكاننا التنبؤ بإنتاجية المحاصيل قبل أسابيع أو أشهر من الحصاد الفعلي، ولهذه الجهود تطبيقات مباشرة في مجال الأمن الغذائي، لأننا نفتقر الآن إلى القدرة على التنبؤ الدقيق بإنتاجية المحاصيل في نهاية الموسم».

أبحاث نخيل التمر
ولأن تحسين الاستدامة الزراعية فهم تأسيسي قوي لعلوم النبات، فإن العمل الذي تقوم به الباحثة الدكتورة إكرام بليلو، أستاذ علوم النبات المشارك، وفريقها، يعد ضرورياً لتحقيق هذا الهدف. وحسب قولها، فإن الفضول هو المُحرّك الرئيسي لأبحاثها الأساسية عن النباتات. يرغب فريق بليلو في فهم العمليات البيولوجية المرتبطة بنمو النبات، مع التركيز على أنظمة الجذور. وقد يتمخّض هذا الجهد عن تطبيقات مهمّة. فعلى سبيل المثال، تبحث بليلو وفريقها في كيفية تمكُّن جينات نباتية معينة من تحسين نمو النباتات وتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد العوامل الممرِضة، مثل العفن الرمادي، الذي يُسفِر عن خسائر سنوية في المحاصيل الزراعية تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
وتدرس بليلو أيضاً الجينوم الخاص بأشجار نخيل التمر، إذ تبحث في كيفية تأقلُم هذه النباتات مع أنواع التربة القاحلة ودرجات الحرارة المرتفعة في الصحراء. وتأمل الباحثة في أن يُثمر هذا الجهد عن معلومات تُحدث طفرة في نمو نخيل التمر وإنتاجه، وهو ما قد يمتدّ بدوره لمساعدة محاصيل أخرى على استخلاص المياه والاحتفاظ بها.

تحسين محاصيل الحبوب
شاركت بليلو أيضاً في بعض البحوث الأساسية التي أجراها أستاذ علوم النبات، البروفسور سالم البابلي، أستاذ علوم النبات بـ«كاوست»، بخصوص الدور الإنمائي لأشباه الكاروتين (كاروتينويد) carotenoids، وهي أصباغ تؤدّي وظائف حيوية لدى الكائنات الحية المعتمدة على التمثيل الضوئي. وقد عمل البابلي وبليلو معاً على اكتشاف مُستقْلَب كاروتينويدي يعمل على تحسين نموّ محاصيل الحبوب، وفي الوقت ذاته يتحكّم في إصابة المحصول بعدوى الحشيشة الساحرة البنفسجية من الجنس Striga المعروفة بخطورتها، والتي تحرم عائلها المُضيف من المياه والمواد الغذائية الحيوية مما تنتج عنه خسائر في المحاصيل تزيد قيمتها على سبعة مليارات دولار سنوياً.
كما اكتشف البابلي أيضاً مُستقْلَبا آخر مُشتقاً من «الكاروتينويد» يتولى تنظيم عملية تكوين جذور النبات المُثبّتة حينما تفتقر التربة المحيطة بها إلى النيتروجين. توصّل الباحث كذلك، بالتعاون مع جامعة ديوك الأميركية، إلى أن ثمّة جزيئاً مشتقاً من الكاروتين، يُسمَّى beta - Cyclocitral7، يعمل كمُنظِّم لنمو الجذور ويُحسِّن نمو الأرز في أثناء الإجهاد الملحي.
وعن هذا يقول البابلي: «يُعدّ ذلك العمل من البحوث الأساسية التي سوف تساعد البشرية على الحياة. وهناك عديدٌ من الأمثلة على بحوث أساسية بشَّرت بإنجازات واكتشافات عظيمة أدَّت إلى ابتكار تطبيقات عملية. ومن المثير أن لدينا تجارب جيدة قيد التنفيذ في الوقت الراهن، وأن نرى في الوقت ذاته أنه من الممكن ترجمة تلك التجارب بصورة فورية على أرض الواقع».



حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل
TT

حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

غالباً ما تحظى الفئران بسمعة سيئة لأنها قد تكون ناقلة للأمراض. لذا تستثمر مدن مثل نيويورك مبالغ طائلة لمكافحتها. لكن ربما يرجع ذلك إلى أننا لا ندرك إمكاناتها الحقيقية، إذ وبمجرد تدريبها، يمكن لفئران «الجرذان الأفريقية العملاقة ذات الجيوب African giant pouched rats» بعد تزويدها بحقائب ظهر خاصة، أن تساهم في إنقاذ الأرواح، كما كتب هانتر شوارتز*.

«فئران الإنقاذ»

وللمساعدة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث كالزلازل أو انهيار المباني، تقوم منظمة «أبوبو» (APOPO) غير الربحية، بتدريب فئران أطلق عليها اسم «فئران الإنقاذ» (RescueRATs)، للوصول إلى أماكن يعجز البشر أو الروبوتات عن دخولها. وترتدي هذه الفئران حقائب ظهر مصممة خصيصاً، توفر بثاً صوتياً ومرئياً فورياً، بالإضافة إلى نظام تواصل ثنائي الاتجاه يتيح لفرق الإنقاذ التحدث مع الناجين.

وتقول ليلي شالوم، مديرة الاتصالات في منظمة «أبوبو»، لمجلة «فاست كومباني»: «تتميز الفئران الأفريقية العملاقة ذات الجيوب بصغر حجمها وخفة وزنها، ما يمكنها من التحرك فوق الأنقاض غير المستقرة وعبر الفجوات الضيقة دون التسبب في انهيارها». وتضيف: «كما أنها تتسم بالرشاقة والسرعة، وتتمتع بحاستي شم وسمع فائقتين، ما يجعلها مؤهلة تماماً للبحث بسرعة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها».

تدريب الفئران

وتقوم المنظمة بتدريب هذه الفئران في مركزها بمدينة موروجورو في تنزانيا، معتمدةً على أسلوب «التعزيز الإيجابي»؛ حيث تُستخدم أداة إصدار صوت (clicker) مقترنة بتقديم مكافآت غذائية. ويتم تدريب الفئران على العمل مع مُدربها، واجتياز مسارات عقبات تحاكي الأنقاض، وارتداء حقيبة الظهر، ثم إطلاق إشارة عند العثور على إنسان. وتؤكد شالوم أن الفئران كائنات ذكية وتتحفز بالطعام، قائلة: «إنها تتعلم بسرعة وتستمتع بالعمل الذي تقوم به».

تتبّع رائحة البشر

ومنذ ابتكار النموذج الأولي لحقيبة الظهر في عام 2019، طورت منظمة «أبوبو» عدة نسخ منها. وفي البداية كانت الحقيبة مزودة بكاميرا بارزة، لكن المصممين أدركوا الحاجة إلى تصميم لا يعلَق بالأجسام المحيطة. كما تضمنت إحدى النسخ المبكرة بطارية في الجزء العلوي، ما أدى إلى رفع مركز ثقل الحقيبة، وهو ما جعل توازن الفئران صعباً في أثناء ارتدائها.

وتستطيع فئران الإنقاذ (RescueRATs) تتبع رائحة البشر، والتمييز بين الأشخاص الحقيقيين والروائح البشرية العالقة على مقتنيات مثل الملابس والأحذية. وبمجرد عثورها على شخص ما، تكون هذه الفئران مدربة على سحب قلادة مثبتة في سترة تحملها على ظهرها، لتنبيه مُدربها إلى وجود شخص ناجٍ. وتقول شالوم: «إنها لا تحل محل المنقذين البشر أو التكنولوجيا؛ بل هي أداة إضافية تساعد فرق الإنقاذ في العثور على الناجين بشكل أسرع، وتحديد المناطق التي ينبغي تركيز الجهود فيها».

حقيبة ظهر مطورة

لا يتجاوز وزن حقائب الظهر التي صممتها منظمة «أبوبو» 10 غرامات، وهو ما يمثل أقل من 10في المائة من وزن جسم «الجرذ الأفريقي العملاق». وتتضمن النسخة الأحدث منها هيكلاً مُصنّعاً بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويحتوي على معالج دقيق، وكاميرا، ومكبر صوت، وميكروفون، ومصباح يدوي، ومروحة تبريد، وبطارية تدوم حتى 35 دقيقة في أثناء البث المباشر.

إن ما تفتقر إليه هذه الفئران هو نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» التقليدي، نظراً لأنه لا يعمل وسط الأنقاض. وللتغلب على هذه العقبة، تبحث المنظمة عن بدائل، مثل تقنية «التحديد المتزامن للموقع ورسم الخرائط» (SLAM)، التي تعتمد على رسم خرائط للمنطقة من خلال الصور الفوتوغرافية. وفي العام الماضي، ساعد فريق من طلاب الهندسة في جامعة «بريغام يونغ» في تطوير جهاز وخوارزمية، تستخدمهما المنظمة حالياً كنقطة انطلاق لنظام تتبع جديد.

تجارب ميدانية في تركيا

وقد درّبت المنظمة أول مجموعة من فئران الإنقاذ، التي نُقلت في يونيو (حزيران) الماضي إلى تركيا لإجراء تجارب ميدانية، بينما بدأت مجموعة ثانية تدريباتها في تنزانيا. وتهدف المنظمة في نهاية المطاف إلى نشر هذه الفئران في تركيا، وهي دولة معرضة للزلازل، كما حدث في زلزال عام 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص. ومع توفر التكنولوجيا والتدريب المناسبين، يمكن لهذه الفئران أن تساهم في إنقاذ المزيد من الأرواح عند وقوع كارثة في المستقبل.

* مجلة «فاست كومباني».


تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق
TT

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

يُبشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بزيادة الإنتاجية، لكن العديد من موظفي الدوائر الحكومية الأميركية لا يزالون غير متأكدين من علاقته بوظائفهم، وكيفية استخدامه، أو حتى ما إذا كان مسموحاً به، كما كتبت بيث سيمون نوفيك(*).

تقرير عن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام

وقد قدمت مؤسسة «إنوفايت يو إس إيه» InnovateUS غير الربحية تقريراً جديداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية. وقامت المؤسسة بتدريب أكثر من 250 ألف موظف حكومي في جميع الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار في ورش عمل مجانية لتبادل الخبرات العملية، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي.

ويحلل التقرير الأول لمرصد الذكاء الاصطناعي في القطاع العام The Observatory of Public Sector AI، 106300 استجابة قبل بدء الدورة، و67002 استجابة بعد الدورة، جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومايو (أيار) 2026. ويكشف عن فجوة بين عناوين الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقيقة العمل الحكومي اليومي.

ما الذي يمنع موظفي القطاع العام من استخدام الذكاء الاصطناعي؟

* تجربة الذكاء الاصطناعي: من بين المشاركين في الدورة التمهيدية لم يسبق لـ51 في المائة منهم تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما جربه 14 في المائة على المستوى الشخصي فقط. ولا يزال الكثيرون بحاجة إلى الحصول على توضيحات بشأن أهميته، واستخدامه العملي، وصلاحيات استخدامه في مكان العمل.

* أهميته للعمل. لم يكن غير المستخدمين بالضرورة مقاومين له: فقد اعتبر 28 في المائة منهم أن الذكاء الاصطناعي غير ذي صلة بعملهم، و23 في المائة لم يعرفوا كيفية استخدامه، و19 في المائة لم يكونوا متأكدين من إمكانية استخدامه في مكان العمل.

وقد شارك المديرون أيضاً هذا التردد، فمن بين المديرين غير المستخدمين، افتقر 24 في المائة إلى المعرفة، و22 في المائة لم يكونوا متأكدين من الصلاحيات، ما حدّ من قدرتهم على توجيه الموظفين.

الموظفون يحتاجون إلى تدريب ومشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول

* التوصيات. لذا يشير التقرير إلى أنه لا تكفي الأدوات والسياسات وحدها، فالموظفون يحتاجون إلى أمثلة عملية، وتدريب، وإلى مشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول. كما ينبغي أن يربط التدريب المهارات بمشكلات الخدمة: تقليل أوقات انتظار الاستفسارات حول التأمين، وتسهيل مشاركة الجمهور، أو تحسين عمليات شراء الذكاء الاصطناعي، وتنظيمه. كما يحتاج الموظفون إلى الدعم لتغيير ممارسات العمل، وتقييم النتائج.

المبتدئون «حققوا أكبر المكاسب»

أظهرت الإجابات المتطابقة أن المتعلمين الذين لم تكن لديهم أي معرفة مسبقة بالذكاء الاصطناعي حققوا أكبر المكاسب المعرفية. كما أبلغ أولئك الذين بدأوا (التعامل معه) دون ثقة عن تحسنات كبيرة حصلت لهم بشكل خاص. وكانت دراسة مشتركة بين جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول دعم الزبائن أظهرت فوائد أكبر للعاملين الأقل خبرة، ومهارة. وقد قيّمت الدراسة الأولى الأداء، بينما قيّمت مبادرة «إنوفايت يو إس إيه» مستوى التعلّم المُبلغ عنه. وتشير كلتا الدراستين إلى أهمية دعم المبتدئين بدلاً من التركيز حصراً على المتحمسين الأوائل.

وبعد التدريب أبدى المشاركون ذوو الثقة العالية نيتهم استخدام الذكاء الاصطناعي في 3.8 مهمة في المتوسط، مقارنةً بـ1.5 مهمة لدى المشاركين ذوي الثقة المنخفضة. ورغم أن هذه العلاقة لا تُثبت وجود علاقة سببية، لكنها تُشير إلى أن التعلّم يتضمن الشعور بالقدرة على تحديد التطبيقات المناسبة.

إن الثقة لا تضمن الدقة، لذا يجب أن يُنمّي التدريب أيضاً مهارات التقييم: التساؤل عن الإجابات، والتحقق من المصادر، وحماية المعلومات الحساسة، والتعرف على الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب. ينبغي أن يُقيّم التقييم هذه القدرات أيضاً.

من مهام أفضل إلى خدمات أفضل

يتصوّر المشاركون عادةً توظيف الأدوات الذكية في كتابة التقارير، وتقديم العروض التقديمية، وتلخيص الوثائق. ويستشهد التقرير بدراسة ماكينزي العالمية لعام 2026 التي أفاد فيها 80 في المائة من المشاركين بتحسن إنتاجيتهم الشخصية، بينما لم يُبلغ سوى 37 في المائة عن آثار إيجابية على أرباح مؤسساتهم. ومن هنا فإن إنجاز العمل الفردي بشكل أسرع لا يُحسّن أداء المؤسسة تلقائياً.

ما زلنا بحاجة إلى تعلم الذكاء الاصطناعي

تمثل الاستبانات التطوعية عينة كبيرة، ولكنها غير ممثلة للقوى العاملة. فهي تقيس المعرفة، والثقة، والنوايا المُبلغ عنها ذاتياً فيما يتعلق بالتدريب مباشرةً، ولا تقيس جوانب مثل الاحتفاظ بالمعلومات، أو التطبيق المتسق، أو الدقة، أو تحسين الخدمات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ضمانات الخصوصية، يُمكن للباحثين ربط بيانات التعلّم بالأداء الإداري، ومؤشرات ثقة الجمهور، ودراسة أوقات الانتظار، ودقة الحالات، وأخطاء التطبيقات، وسهولة الوصول، والتواصل مع السكان.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن العاملين في القطاع العام -بمن فيهم المبتدئون- يُمكنهم اكتساب المعرفة والثقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام

وينبغي على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام: توفير التدريب العملي، وإعداد المديرين، وتمكين التطبيق، وقياس التغييرات التي يلمسها الجمهور.

وفي ظلّ الشكوك حول فوائد الذكاء الاصطناعي، يُمكن للحكومة إظهار استخداماته التي تخدم المصلحة العامة بدلاً من ترك المكاسب في المقام الأول لشركات التكنولوجيا، أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفة الوصول إليه.

كما ينبغي أن يُساهم الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي في تمكين موظفي الخدمة العامة، فالنجاح يعني خدمات أفضل، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وإيجاد حلول لمشكلات السكان، وليس مجرد معدلات تَبَنٍّ، أو توفير الوقت. وهذه النتائج من شأنها تعزيز الثقة في كل من الذكاء الاصطناعي والحكومة.

* مجلة «فاست كومباني»


العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟
TT

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

قد يسبب التعامل مع التدفق المستمر للتكنولوجيا الرقمية اليوم -بدءاً من التطبيقات والرسائل النصية والبريد الإلكتروني، وصولاً إلى البوابات الطبية الرقمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومكالمات الفيديو- شعوراً بالضغط النفسي، في أي مرحلة عمرية.

عبء رقمي زائد

ويخالج كثير من كبار السن على وجه الخصوص شعوراً بالعجز عن مواكبة هذا التسارع، ليقعوا تحت وطأة ما يُعرف بـ«العبء الرقمي الزائد». ويقصد به الإنهاك والتشتت التام، جرَّاء التدفق المتواصل للمعلومات والتنبيهات وكلمات المرور والمهام اليومية، المرتبطة باستخدام الأجهزة الذكية.

وما يزيد الأمر صعوبة أن التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر تضاعف من ثقل هذا العبء الرقمي وما يرافقه من إجهاد ذهني، حسب الدكتورة سوزان سالامون، رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري، في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، التابع لجامعة هارفارد، والتي أضافت: «يعود جزء من هذه المشكلة إلى أن كبار السن لم ينشأوا في عصر التكنولوجيا، فضلاً عن إحساسهم الدائم بأنها باتت معقدة ومربكة للغاية».

التغيرات الدماغية والتكنولوجيا الرقمية

قد يكون التعامل مع التكنولوجيا المتطورة باستمرار أمراً مجهداً حتى لأكثر العقول ذكاءً وشغفاً. وتأتي التغيرات الدماغية الطبيعية المرتبطة بالسن لتزيد هذه المهمة صعوبة.

وتشير فحوصات طبية أُجريت على كبار السن ممن يتمتعون بصحة دماغية جيدة، إلى قدرتهم الذهنية على استيعاب كل ما هو جديد بكفاءة الشباب نفسها. وهنا استطردت دكتورة سالامون بقولها: «الأمر يتطلب منهم وقتاً أطول فقط». يضاف إلى ذلك، تراجع القدرة على تصفية المشتِّتات وتركيز الانتباه، ما يمثل تحدياً كبيراً في ظل المشتتات اللانهائية الصادرة عن الشاشات.

صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد عند الكِبَر

وأضافت: «يشكو الجميع مع تقدم العمر من نسيان الأسماء، أو أماكن وضع المفاتيح والنظارات، ولكن المنعطف الحقيقي يكمن في صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد كلما كبرنا. والتكنولوجيا بطبعها تتطلب التعامل مع متغيرات ومهام كثيرة في آن واحد».

في الوقت ذاته، لا تعني هذه التغيرات الطبيعية بالضرورة حدوث انحسار في القدرات المعرفية أو الإصابة بمرض ما. ومع ذلك، فإنها تؤثر مباشرة على القدرة على التكيف مع متطلبات التكنولوجيا. وتكتمل الصورة بوجود عوامل جسدية أخرى تعيق هذا التعامل، مثل ضعف البصر، ومشكلات السمع، وتراجع مرونة حركة اليدين.

وشرحت دكتورة سالامون ذلك بقولها: «تحتاج أولاً إلى رؤية جيدة لمجرد متابعة شاشة الكومبيوتر المحمول أو الهاتف. بعد ذلك عليك أن تكون قادراً على الكتابة على شاشة صغيرة. وفيما يتعلق بكثيرين ممن يعانون من ارتعاش اليدين أو التهاب المفاصل، فإن الضغط على الأزرار الصغيرة يتحول إلى مهمة بالغة الصعوبة».

وقت الشاشة: النوم والصحة النفسية

على الجانب الآخر، يقضي بعض الأفراد أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، كوسيلة لتعويض الشعور بالوحدة والانعزال. وهنا يبرز التساؤل: ما الحدود الفاصلة لوقت الشاشة فيما يرتبط بكبار السن؟ أكدت الدكتورة سالامون أنه لا يوجد حد زمني محدد ومتفق عليه عالمياً. ومع ذلك، تبدأ مؤشرات الخطر في الظهور عندما يلتهم وقت الشاشات ساعات النوم، أو ممارسة الرياضة، أو التواصل الاجتماعي الفعلي.

وأفادت بأن «المشكلة تكمن في أن الجلوس الطويل أمام الكومبيوتر يحد من النشاط البدني. كما أن التعرض للضوء الأزرق الصادر من الشاشات يؤرق الشخص، ويقض مضجعه ليلاً. يضاف إلى ذلك احتمالية الإصابة بآلام عضلية في الرقبة والكتفين، فضلاً عن إجهاد العينين».

مشكلات الانغماس في تصفح الشاشات الإلكترونية

وتتضمن العلامات الأخرى الدالة على أن وقت الشاشة بدأ يسبب مشكلات حقيقية ما يلي:

- صعوبة في التركيز

- الشعور بعدم نيل قسط كافٍ من الراحة.

- تفاقم القلق أو سرعة الانفعال.

- تكرار الشعور بالصداع.

- هفوات في الذاكرة ناجمة عن تشتت الانتباه.

في هذا الصدد، شرحت الدكتورة سالامون بأن الأمر لا يتطلب الغرق في إدمان التكنولوجيا حتى تظهر هذه المشكلات؛ ففي حين لا توجد أدلة قوية تشير إلى أن المعدلات المعتادة لاستخدام الشاشات قد تضر بدماغ البالغين الأصحاء، فإن الاستخدام المتكرر للأجهزة قد يعزز عادات سيئة -مثل الحاجة إلى تحفيز مستمر- أو يفاقم مشكلة قصر فترة الانتباه.

التكيُّف مع المتطلبات الرقمية

إذا كنت تشعر بأن التكنولوجيا تفوق قدرتك على التحمل، اقترحت دكتورة سالامون التصدي لـ«العبء الرقمي الزائد» من خلال اتخاذ الخطوات الاستباقية التالية:

- دوِّن الخطوات اللازمة لاستخدام البوابات الإلكترونية أو المواقع المختلفة. وشددت دكتورة سالامون في هذا الصدد على ضرورة: «ألا تترك شيئاً للصدفة».

- أعدَّ «قوائم مرجعية» لكلمات المرور.

- قلِّص عدد التطبيقات والمنصات التي تتفاعل معها.

- ألغِ الاشتراك في رسائل البريد الإلكتروني غير الضرورية.

- أوقف تشغيل الإشعارات غير الأساسية.

السبيل لتقليل وقت استخدام الشاشات

واقترحت دكتورة سوزان سالامون رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، كسر فترات الجلوس الطويلة أمام الشاشات، من خلال النهوض والمشي لمدة 10 دقائق كل ساعة.

أما إذا كان هدفك تقليل إجمالي الوقت الذي تقضيه أمام الشاشات، فيمكنك تحقيق ذلك بالطرق التالية:

- اضبط مؤقِّتاً زمنياً للمدة التي ترغب في قضائها بالأنشطة المستهلكة للوقت، مثل ممارسة الألعاب عبر الإنترنت، أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

- تجنب استخدام الجهاز في أنشطة يمكنك الاضطلاع بها بالكفاءة نفسها من دونه، مثل قراءة كتاب، أو تدوين اليوميات، أو إعداد قائمة مشتريات.

- حدد أوقاتاً معينة للتحقق من البريد الإلكتروني أو متابعة الأخبار.

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا».